دراسة عن الآبار الجوفية: المواطنون يعانون مع أن مياهنا وفيرة
الدولة تبيع الليتر بسـتين قرشاً للشركات التي تبيعه بثلاثمئة ليرة للمستهلك..
«أصبحت الأراضي اللبنانية مبخوشة» (مثقوبة). ذلك هو ما أعلنه وزير الطاقة والمياه جبران باسيل أمس للدلالة على العدد الكبير من الآبار الأرتوازية المحفورة في الأراضي اللبنانية. وقد اتخذ باسيل قراراً قضى بعدم منح تراخيص جديدة لحفر الآبار «بانتظار تنظيم القطاع»، إلا أن ذلك لا يلغي استمرار وجود عشرات آلاف الآبار الأرتوازية التي تسحب المياه الجوفية لغايات مختلفة. وقد أصبح حفر هذه الآبار استثماراً مربحاً لأصحابه، الذين يدفعون مبالغ زهيدةً للدولة ويعيدون بيع المياه بأسعار مرتفعة.
قانون المياه
إنّ القوانين التي تحكم أعمال التنقيب عن المياه هي قوانين قديمة تعود إلى الحقبة الفرنسية، فالقرار الرقم 144 /S تاريخ 10 – 6 - 1925 الصادر عن الجنرال ساري «المفوض السامي للجمهورية الفرنسوية لدى دول سوريا ولبنان الكبير وبلاد العلويين وجبل الدروز»، يحدِّد ماهية الأملاك العامة «بأنها جميع الأشياء المعدة بسبب طبيعتها لاستعمال الجميع أو لاستعمال مصلحة عمومية، وهي لا تباع ولا تكتسب ملكيتها بمرور الزمن». ويشمل هذا التعريف، من ضمن ما يشمله، في ما يتعلق بموضوع المياه:
- مجاري المياه من أي نوع كانت ضمن حدودها المعينة بخط ارتفاع مياهها الجارية في حال امتلائها قبل فيضانها.
- المياه الجارية تحت الأرض والينابيع من أي نوع كانت.
- كامل ضفاف مجاري المياه، أي القطعة من الأرض الكائنة على طول مجاريها والتي تمكن من السهر عليها وتنظيفها والمحافظة عليها.
- البحيرات والغدران.
وتبعاً لنص القرار ذاته للدولة أو البلديات أن ترخِّص على أملاكها العمومية بصفةٍ موقتة قابلة للإلغاء ومقابل رسم معين.
ونص القرار الرقم 320 بتاريخ 26 - 5 - 1926 الصادر عن هنري دي جوفنيل «عضو مجلس الشيوخ الفرنسي والمفوض السامي للجمهورية الفرنسوية لدى دول سوريا ولبنان الكبير وبلاد العلويين وجبل الدروز» حول المحافظة على مياه الأملاك العمومية واستعمالها: «بأنه يحظّر، من دون رخصة تمنحها الوزارة ضمن الشروط المحدَّدة في القرار الرقم 144/د القيام بالعديد من الأعمال منها:
- منع مياه الأملاك العمومية من جريها جرياً حراً.
- التعدّي بأي نوع كان على حدود الأراضي التابعة لضفاف مجاري الماء الموقتة أو الدائمة والمستنقعات والبحيرات.
- القيام بأشغال تتعلق بالتنقيب عن المياه الموجودة تحت الأرض أو المنفجرة وبضبطها.
- يحظّر بنوعٍ عام القيام بأي عملٍ كان دائمٍ أو موقت قد يكون له تأثير على كمية مياه الأملاك العمومية أو على جريانها.
وقد نظَّم المرسوم الرقم 14438 تاريخ 2 - 5 - 1970 آلية التنقيب عن المياه واستعمالها بحيث لا يجوز القيام بأشغالٍ تتعلق بالتنقيب عن المياه الموجودة تحت الأرض أو المتفجرة أو بضبطها أو بحفر الآبار قبل الحصول على ترخيص بذلك من وزارة الطاقة والمياه (كانت تسميتها حينها وزارة الموارد المائية والكهربائية).
وعيَّن الحد الأقصى للرسم السنوي المقطوع عن رخصة التنقيب عن المياه بمئة ليرة في الأملاك العامة يضاف إليها رسوم أشغال الأملاك، وخمسين ليرة في الأملاك الخاصة، كما عيَّن الحد الأقصى للرسم السنوي عن استعمال المياه الخاضعة للترخيص كما يلي:
- لحاجات الري: نصف قرش لبناني عن كل متر مكعّب.
- لحاجات الصناعة وغيرها: ثلاثة قروش لبنانية عن كل متر مكعّب.
وتمّ لاحقاً تعديل الرسم فأصبح خمسمئة ألف ليرة لرخصة التنقيب ومئة ليرة عن كل متر مكعب للحاجات الزراعية وستمئة ليرة عن كل متر مكعب للحاجات الصناعية. (متر المياه المكعب يوازي ألف ليتر من المياه)
وبالرغم من رفع قيمة هذه الرسوم إلا أنها تبقى زهيدةً مقارنةً بالعائد الكبير الذي يحصل عليه المستثمرون، فرسم ليتر المياه لا يزيد عن ستين قرشاً لبنانياً فقط.
الآبار المرخصة
لا يتوفر إحصاء دقيق عن عدد الآبار الأرتوازية المحفورة في الأراضي اللبنانية وكميات المياه المستخرجة منها يومياً. لكنّ الأرقام المعلنة تشير إلى وجود نحو 43 ألف بئر، منها فقط 17,590 بئراً مرخّصة ونحو 25 ألف بئرٍ غير مرخّصة، وتتلقى وزارة الطاقة والمياه شهرياً بين 150 ومئتي طلب ترخيص.
وإذا كان موضوع الآبار غير المرخّصة يحتاج إلى حملة كبيرة لضبطها وتنظيمها وجباية الرسوم منها (وهذه الحملة صعبة ومعقّدة وتذكِّر ربما بموضوع مخالفات الأملاك البحرية التي لم تجد سبيلها إلى المعالجة حتى الآن، فإنّ مراقبة الآبار المرخّصة غير ممكنة عملياً نظراً لكثرتها وانتشارها على كافة الأراضي اللبنانية. فمن يراقب العدادات وكميات المياه التي يتم سحبها؟ ويبيِّن الجدول الرقم 1 (المنشور في أسفل الصفحة) لائحةً بالآبار التي تم الترخيص لها خلال السنوات الماضية.
وفي لبنان كميات هائلة من المياه التي يمكن استثمارها تقدر بنحو ألفين وثلاثمئة مليون متر مكعّب. لكن سوء إدارة هذه الثروة المائية الهائلة يجعل اللبنانيين يعانون من شح المياه ومن غيابها عن المنازل، خاصة في فصل الصيف، ويدفعون كلفةً كبيرة للحصول عليها.
ويؤدي قيام مؤسسات المياه الحكومية بحفر الآبار الأرتوازية إلى سحب المياه الجوفية من دون أن يؤمِّن الحاجة الكافية، بل إنه يرتِّب كلفة كبيرة نتيجة حفر الآبار وصيانتها وتشغيلها. أما الشركات الخاصة فإنها تحقِّق أرباحاً هائلةً نتيجة استثمارها بحفر الآبار وبيع المياه بكلفة عالية.
موارد لبنان المائية
تخضع موارد المياه في لبنان لتأثيرات وعوامل عدة، هي:
- موقع لبنان في شرقي البحر الأبيض المتوسط.
- طبيعة تضاريسه الجبلية والساحلية.
- نوعية أرضه.
وهكذا، فإن حجم هذه الموارد مرهون بكميات المياه التي تسقط وبالثلوج وما يتبقى منها في الأنهار على سطح الأرض، أو تسرباً في جوفها، أو متفجراً في ينابيعها. وما يرافق كل ذلك من تبخرٍ أو ضياعٍ في البحر.
ويختلف معدل هطول الأمطار بين سنة وأخرى تبعاً للعوامل المناخية. كما أنه يختلف بين منطقة وأخرى. وهو يتراوح بين 660 ميلليمتراً وألف وثلاثمئة ميلليمتر سنوياً. ويقدَّر حجم الأمطار الهاطلة بين 8,600 مليون متر مكعب و9,200 مليون متر مكّعب سنوياً يذهب نحو نصفها تبخراً.
وتقدَّر كمية المياه الجوفية الإجمالية بنحو ثلاثة آلاف مليون متر مكعب. يتبخّر منها عبر الينابيع أو يذهب خارج الحدود نحو 1,835 مليون متر مكعب وتخزَّن الكمية الباقية - أي نحو 1,165 مليون متر مكعب.
وتقدَّر كميات المياه المتاحة والتي يمكن استثمارها بـألفين وثلاثمئة مليون متر مكعّب موزعة كما يلي:
- 820 مليون متر مكعّب وهي كميات تصريف مياه الينابيع والأنهار.
- 880 مليون متر مكعّب وهي الكميات التي يمكن خزنها من خلال السدود، والكميات التي يمكن تخزينها. وهي حالياً لا تزيد عن 250 مليون متر مكعّب معظمها في سدّي القرعون وشبروح في حين أنّ الخطة تلحظ إنشاء 41 سداً في مختلف المناطق اللبنانية.
- الكميات المخزنة من خلال السدود الموجودة لا تزيد عن 250 مليون متر مكعّب.
- ستمئة مليون متر مكعّب من المياه الجوفية التي يمكن استثمارها.
اللاعبون الأساسيون
تعمل في قطاع المياه أربع مؤسسات حكومية، هي:
ـ وزارة الطاقة والمياه من خلال المديرية العامة للموارد المائية والكهربائية والمديرية العامة للاستثمار ومؤسسات المياه الأربع في كلٍّ من بيروت وجبل لبنان، والجنوب، والشمال، والبقاع والتي تتولى إنشاء السدود، حفر الآبار وتطوير مصادر المياه ومد الشبكات وصيانتها. وقد بلغت قيمة المشاريع الملحوظة في مشروع موازنة عام 2009، 39 مليار ليرة وهي لتأمين موارد مائية إضافية تضاف إليها موازنات مؤسسات المياه الأربع.
ـ مجلس الإنماء والإعمار وبلغت قيمة المشاريع التي نفّذها المجلس منذ عام 1992 حتى عام 2009 نحو 630 مليون دولار وتناولت إنشاء وصيانة شبكات مياه الشفة بشكلٍ أساسي.
ـ وزارة الزراعة من خلال توفير مصادر وشبكات الري.
ـ البلديات من خلال تمويل إنشاء وصيانة الشبكات داخلها وكذلك القيام بحفر وصيانة وتجهيز آبار ارتوازية.
وغالباً ما يحصل تداخل في المشاريع بين هذه الجهات الأربع لا سيما بين مجلس الإنماء والإعمار ووزارة الطاقة والمياه فتقوم إحداها بتنفيذ مشروع كانت الجهة الأخرى تخطط لتنفيذه.
بيع مياه الشرب سوق رائجة
نتيجة «الشك» أو «اليقين» لدى معظم اللبنانيين بمدى سلامة ونظافة مياه الشرب التي تصلهم عبر قساطل المياه من الينابيع والآبار التابعة لمؤسسات المياه الحكومية، فإن أصحاب القدرة المالية منهم أو حتى متوسطي الحال وذوي الدخل المحدود يعمدون إلى شراء المياه المعبأة والتي يختلف سعرها وطريقة تعبئتها تبعاً للشركة التي تبيعها.
لكن الطلب المتزايد على هذه المياه دفع بالعديد من الأفراد والشركات إلى الانخراط في سوق بيع المياه نظراً للأموال الكبيرة التي يجنونها، فهم يدفعون ثمناً زهيداً للدولة (60 قرشاً لليتر الواحد) ويبيعونه بأضعاف مضاعفة لهذا السعر (نحو 400 في المئة) - وطبعاً تترتب كلفة كبيرة لقاء حفر البئر وشراء وسائل التعبئة وتجهيزات الضخّ وكلفة المحروقات والكهرباء، لكنها تبقى أدنى بكثير من سعر البيع.
وإذا كانت وزارة الطاقة والمياه هي صاحبة الاختصاص والسلطة بمنح أذن بالترخيص باستعمال مياه البئر لأغراض صناعية فإن وزارة الصحة العامة - مصلحة الهندسة الصحية هي صاحبة الاختصاص والسلطة بالترخيص باستخراج مياه الشرب وبيعها من العموم.
وقد حدد المرسوم الاشتراعي الرقم 108 تاريخ 16 - 9 - 1983 (تنظيم استثمار المياه والمرطبات المعبأة في أوعية)، محدداً مواصفات وخصائص هذه المياه والعديد من الشروط الفنية الأخرى. ويظهر الجدول الرقم 2 كمية المياه المسموح بتعبئتها يوميا بالمتر المكعب.