الخيام نسخة تجريبية · Khiyam v2
أخبار وذاكرة ومجتمع
← الأرشيف

عودة جميل السيد... بمواكـــبة مــن حـــزب اللّـــه

2010/9/18 · · المقال رقم 10080
ارتفع مستوى التوتر في البلاد أمس إلى حدود تنذر بما هو أبعد من التراشق عبر الإعلام. حزب الله وحلفاؤه لن يتركوا اللواء جميل السيد عرضة للاستجواب أو التوقيف. أما رئيس الحكومة، فيحذّر من فتنة «لا يعرف الحزب إلى أين ستصل به» بينما سجل للمرة الاولى دخول سوري رسمي على الخط تمثل بموقف اطلقه السفير السوري في بيروت على عبد الكريم علي تعليقا على المواقف الاخيرة لرئيس الحكومة سعد الحريري. وقال السفير علي، إن «سوريا تتفاءل بأن ينتقل لبنان خطوات إلى الأمام على صعيد معالجة ملف شهود الزور، وخاصة بعد الحديث الذي أدلى به رئيس الحكومة سعد الحريري إلى صحيفة الشرق الأوسط، الذي يعدّ خطوة مهمة يجب أن تُستكمل لجلاء الحقيقة في هذا الموضوع وإعادة الأمور إلى نصابها، بما يتصل بالمواقع والأشخاص الذين تأذّوا من شهود الزور وشهاداتهم». وأضاف إن «هذا الأمر ممكن في حال التعاون الجاد من المعنيين». وذكر في حديث إلى مجلة الانتقاد أن بلاده تنظر أيضاً «بعين التفاؤل إلى مستقبل الأوضاع في لبنان، في ظل وجود غيرة وحرص لدى شخصيات وطنية وسياسية، ابتداءً من رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة سعد الحريري، وطبعاً السياسة المسؤولة التي تنتهجها المقاومة بقيادة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله». ورفض الردّ على بعض الحملات التي طاولت سوريا أخيراً، وقال إن «هذه الحملات لا تستحق الرد»، مشيراً في الإطار العام إلى «أن أي حديث اتهامي لسوريا يعبّر عن ضيق من قبل مجموعات يحاصرها الإحباط جرّاء فشل مراهناتها على مشاريع أثبتت فشلها ووصلت إلى طرق مقفلة، وبعض الأصوات تعبّر عن ضيق، أما سوريا فهي في غاية الوضوح، وموقفها لا يحتاج إلى محام عنه، وهي كانت ولا تزال حريصة على أمن لبنان وسلمه وكل ما يحصّن الوضع اللبناني، والكلام غير المسؤول نحن لا نردّ عليه». ورداً على سؤال عمّا يشاع عن اهتزاز التفاهم السوري ـــــ السعودي بشأن لبنان، أكد علي «أن التنسيق السوري السعودي جيد ومستمر، وسوريا تنظر بعين التفاؤل إلى مستقبل الوفاق الوطني اللبناني والحفاظ على تكامل الجيش والشعب والمقاومة ودعم المقاومة، لما تمثّله من ضمانة لاستقلال لبنان وردع الأطماع والتهديدات الإسرائيلية»، مشدداً على «أن سوريا حريصة على كل ما يعزّز الوفاق في لبنان، ودعم المقاومة هو تعزيز للسيادة اللبنانية والأمن اللبناني، والأمن اللبناني والسوري». وأردف أن «المقاومة ضمانة للبنان وقوة الردع في مواجهة الأطماع الإسرائيلية، ومعادلة الجيش والشعب والمقاومة هي ثالوث ذهبيّ يجب الحفاظ عليه، لأن تغييره هو عكس المصلحة اللبنانية والعربية». استقبال حاشد للسيد يصل المدير العام السابق للأمن العام اللواء جميل السيد إلى بيروت اليوم، في ظل مشهد انقسام سياسي لم تشهده البلاد منذ ما قبل الانتخابات النيابية الأخيرة. حزب الله، ومعظم حلفائه، أعلنوا صراحة وقوفهم إلى جانب السيد. وأبعد من ذلك، فإن عدداً من نواب الحزب ووزراءه ومسؤوليه سيستقبلونه على المطار، إلى جانب عدد من شخصيات المعارضة السابقة. إلا أن ما رفض الحزب تأكيده رسمياً أو نفيه هو المعلومات التي تحدّثت أمس عن أنه سيوفر المواكبة الأمنية للسيد، خلال انتقاله من مطار رفيق الحريري الدولي إلى منزله، سواء من خلال المواكب السيارة، أو من خلال نشر مئات الأفراد المدنيين التابعين للحزب على طول الطريق. أما رئيس الحكومة الذي لا يزال معتصماً في المملكة العربية السعودية، فيصرّ على المضيّ في ملاحقة السيد الذي رجح بعض عارفيه أن يكون مستعداً للمثول أمام القضاء والضابطة العدلية، في حالة واحدة فقط، عنوانها أن يتنحى القاضي سعيد ميرزا عن القضية. السفير السوري يطالب الحريري باستكمال حديثه عن شهود الزور بخطوات وبعد يومين على بدء التحرك القضائي في حق السيد، وبعد مشاورات شملت معظم أطراف المعارضة، ووصلت إلى العاصمة السورية، أصدر حزب الله بياناً أمس دعا فيه إلى التراجع عن القرار باستدعاء السيد للمثول أمام المباحث الجنائية المركزية، والتحقيق معه بجرم تهديد الدولة ورئيس الحكومة والمس بالقضاء وتعكير صلة لبنان بدولة شقيقة. ورأى الحزب أن قرار تحريك النيابة العامة هو «سياسي بامتياز وعنوان للقمع والترهيب لكل مظلوم يصرح بالحقيقة». أضاف البيان إن الحزب كان «ينتظر من الجهات المعنية في القضاء اللبناني أن تبادر الى استدعاء الذين تفاخروا بعمالتهم للإسرائيلي وتحالفهم معه والتحقيق معهم، وكنا ننتظر أن تتحرك هذه الجهات القضائية دفاعاً عن كل الرئاسات التي أهينت وهتكت على مدى سنوات بتعابير لا تقبل التأويل ليحافظ القضاء على هيبة الدولة ورموزها (...) لكننا فوجئنا باستخدام القضاء، في خدمة الصراع السياسي من خلال ما أعلن عنه من قرار يتعلق باللواء السيد». وختم بيان الحزب بأن «الحرص على مؤسسات الدولة يوجب عدم الزج بجهازها القضائي خدمة للزعامات السياسية». وفي أول رد من تيار المستقبل على بيان حزب الله، خرج النائب عمار حوري ليضع الخلاف في إطار مذهبي، قائلاً إن حزب الله، «ورغم لونه المذهبي، لم يتورّع عن دعم من هدّد زعيم السنّة في لبنان». وفيما أكد مقربون من رئيس الحكومة أن كلام حوري يعبّر عن رأيه الشخصي ولا يمثل الحريري، لفتوا إلى أن أفضل من يعبّر عن رئيس الحكومة هو النائب عقاب صقر الذي أصدر بياناً حمل لهجة تحذيرية (إن لم تكن تهديدية) لحزب الله، دعاه فيه «إلى تلقف اليد الكبيرة الممدودة بمثلها، كي لا يدخل البلد أزمة يعرف (الحزب) جيداً كيف يفتعلها، لكننا على يقين بأنه لا يعرف إلى أين ستصل به وإلى أي مستوى ستنتهي». وأسف صقر لأن «بيان حزب الله الذي غطى ممارسات جميل السيد مواجهاً القضاء والمؤسسات، جاء ليردّ على اليد الممدودة من الرئيس سعد الحريري بصفعة للمؤسسات الأمنية والقضائية. والخطير هو أن يقرأ الموقف الشجاع والاستثنائي للرئيس الحريري على أنه ضعف وعجز، ربما لأن البعض يعجز عن قراءة مثل هذه المواقف، فتغريه عناصر قوته لتعميه عن إدراك حساسية اللحظة وحراجة الموقف وكبر التضحيات التي تبذل حفاظاً على السلم الأهلي ومكونات الدولة». ودعا صقر حزب الله إلى «التراجع عن هذا البيان السابق الذي يشكل منعطفاً خطيراً في حياتنا السياسية وغطاءً مكشوفاً وغير مسبوق لتهديد علني لرئيس حكومة لبنان». ورأت أوساط رئيس الحكومة أن بيان صقر يسحب الكلام المذهبي لحوري، ويركز على سياسة اليد الممدودة! السيد يطلب تنحّي ميرزا قانونياً، تقدم اللواء السيد بمراجعة قانونية، عبر وكيله المحامي أكرم عازوري، إلى محكمة التمييز الجزائية، طالباً «تنحية المُدّعي العام للتمييز سعيد ميرزا عن منصبه ووضعه بالتصرف»، بسبب «الخصومة الشخصية» بين السيد وميرزا، لكون الأخير مُدّعى عليه من الأول لدى القضاء اللبناني، وذلك في محاضر التحقيق الرسمية التي أحالها ميرزا إلى لاهاي، إضافة إلى كون ميرزا مُدّعى عليه أيضاً في الدعوى الشخصية المقدمة من السيّد أمام القضاء السوري «في جريمة مؤامرة شهود الزور». وأشار بيان أصدره المكتب الإعلامي للسيد إلى أن من نتائج هذه المراجعة أيضاً «إقصاء» اللواء أشرف ريفي والعقيد وسام الحسن عن منصبيهما، لكونهما «الضّابطة العدلية التي تتبع لميرزا، وكونهما مُدّعى عليهما في جريمة شهود الزور». وبعد ساعات على صدور البيان، اتصلت «الأخبار» بالقاضي ميرزا وسألته عن رأيه بما جاء في المراجعة، فرفض التعليق «لأني بصراحة لم أقرأ المراجعة المذكورة ولم أطّلع بعد على ما جاء فيها». ولم تقتصر المراجعة على طلب رفع يد القاضي ميرزا، إذ تضمنت طلب منعه من إعطاء أيّ أمر إلى أيّ نائب عام آخر يكلف بالإشراف على هذا التحقيق، نظراً إلى «خضوع جميع النيابات العامة لإمرته، وإن لم يكن له شخصياً حقّ الادعاء»، وبالتالي إبطال أو وقف تنفيذ أيّ إجراء يكون قد اتخذه بحقّ اللواء السيّد في هذه القضية، وخصوصاً أيّ مذكرة جلب أو إحضار. وختم السيد مراجعته، طالباً تكليف قاض مستقلّ بمهمات النيابة العامة للتحقيق في القضية، «على أن لا يكون خاضعاً للإمرة القانونية لحضرة النائب العام التمييزي». خطوة في لاهاي على طريق محاسبة شهـود الزور في بيروت عمر نشابة لم ينجح المدّعي العام الدولي دانيال بلمار في مجابهة طلبات اللواء جميل السيّد بالحصول على وثائق تتيح له ملاحقة المسؤولين عن اعتقاله تعسّفياً لنحو 4 سنوات. ففي الجولة الثانية قرّر قاضي الإجراءات التمهيدية تأكيد اختصاص المحكمة النظر في طلبات السيّد، وفتح جولة ثالثة من السجال تمتدّ عشرة أيام يحسم بعدها الأمر تلقى دانيال بلمار، المدعي العام في المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وفريق عمله، صفعة قوية من قاضي الإجراءات التمهيدية دانيال فرانسين. فالقاضي البلجيكي لم يكتف بعقد جلسة استماع علنية في 13 تمّوز الفائت للبحث في قضية كان بلمار قد أصرّ على أنها من خارج اختصاص المحكمة، بل أصدر قراراً أمس بشأن طلب اللواء الركن جميل السيّد من المحكمة الحصول على المواد الثبوتية الخاصة بالافتراء والاحتجاز التعسّفي الذي تعرّض له، أعلن فيه أن المحكمة مختصّة للفصل في أساس الطلب، ومنَح السيّد صفة الادعاء أمام المحكمة بغية تحصيل طلباته. وكان المحقق العدلي اللبناني القاضي إلياس عيد قد أمر باعتقال السيّد واللواء علي الحاج والعميدين ريمون عازار ومصطفى حمدان في 30 آب 2005، بناءً على توصية ديتليف ميليس رئيس لجنة التحقيق الدولية المستقلة الذي استند بدوره إلى إفادات شهود زور. واستمرّ الاعتقال بعد تولي القاضي صقر صقر (الذي يشغل اليوم منصب مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية) التحقيق العدلي. ولم يفكّ القضاء اللبناني احتجاز الضبّاط الأربعة إلا بعد صدور أمر بذلك عن القاضي فرانسين من لاهاي في 29 نيسان 2009. وبالتالي أُطلق الضبّاط مع انكفاء السيادة القضائية الوطنية اللبنانية لمصلحة جهة دولية. ما أضافه فرانسين إلى ذلك عبر الحكم الذي صدر عنه أمس، هو تسهيله فتح ملف محاسبة المسؤولين عن ذلك الاعتقال التعسّفي في القضاء اللبناني. فرئيسا لجنة التحقيق الدولية سيرج براميرتس ودانيال بلمار كانا قد ذكرا في كلّ تقاريرهما الدورية لمجلس الأمن الدولي أنهما قدّما للمدعي العام لدى محكمة التمييز القاضي سعيد ميرزا آراءهما بشأن الاستمرار باعتقال الضباط الأربعة، وما يطلبه اللواء السيّد اليوم هو تسليمه نسخة عن تلك الآراء. فإذا تبيّن أن القضاء اللبناني خالف آراء اللجنة بشأن استمرار الاعتقال، يمكن أن ينكشف التدخل السياسي في القضية، إذ إن اللجنة، بحسب مذكرة التفاهم الموقعة بينها وبين الدولة اللبنانية، يفترض أن تكون مطّلعة على كامل مضمون ملفّ التحقيق. لماذا إذاً يكون موقف القضاء اللبناني مخالفاً لموقفها بشأن استمرار الاعتقال؟ هل تعرّض القاضيان سعيد ميرزا وصقر صقر لضغوط سياسية حثّتهما على عدم إطلاق الضبّاط؟ ما يطلبه السيّد اليوم، على ما يبدو، هو أن يُطرح هذان السؤالان في محكمة عادلة. ولم يكن أمام القاضي فرانسين خيار إلا ملاقاته في المطالبة بحقه في الوصول إلى العدالة بشأن اعتقاله التعسّفي. استند القاضي إلى اجتهادات محكمة العدل الدولية والمحاكم الجنائية الدولية للحسم بأن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان تتمتّع بسلطة الفصل في مسائل لا تدخل في اختصاصها الأصلي، لكن تتصل به اتصالاً وثيقاً، ومن بينها تسهيل وصول الأشخاص الذين اعتقلوا تعسّفاً إلى العدالة عبر توفير المستندات والوثائق التي يحتاجون إليها لتحقيق ذلك. لماذا يكون موقف ميرزا مخالفاً لموقف براميرتس بشأن اعتقال الضباط؟ يذكر أن القاضي فرانسين كان قد أقرّ في قراره الصادر في 29 نيسان 2009 بأن الشهود الذين استند إلى إفاداتهم لاعتقال الضباط غيّروا إفاداتهم، وأحدهم سحبها بالكامل (الفقرة 37)، وذكر كذلك أن المعلومات التي احتجز الضباط على أساسها «لم تكن موثوقة بما فيه الكفاية» لاتهامهم بالجريمة (الفقرة 12). وبالتالي طلب السيّد الحصول على المستندات الآتية: ـــــ صورة طبق الأصل مصدقة من محاضر إفادات الشهود التي تدل على تورطه المزعوم على نحو مباشر أو غير مباشر في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ـــــ التقارير المحالة على النائب العام اللبناني بشأن تقويم الإفادات المذكورة أعلاه، وبالتحديد تقرير براميرتس المؤرخ في 8 كانون الأول 2006. ـــــ رأي المدعي العام بلمار في احتجاز السيّد وسائر الموقوفين، الذي بلّغه إلى النائب العام اللبناني. ـــــ وأية أدلة أخرى في حوزة الرئيس قد تكون ضرورية لملاحقة مرتكبي المخالفات. وجاء قرار القاضي فرانسين، أمس، بتأجيل الفصل في أساس الطلب لحين تأكده من أن تسليم تلك المستندات والوثائق لا يؤثر سلباً في تحقيق جار أو لاحق، أو يتنافى ومصالح أساسية كسلامة الأشخاص المعنيين بهذه المواد، أو يمسّ بالأمن الوطني أو الدولي. ولتبيان إذا ما كانت تلك الشروط قائمة أو لا، دعا القاضي فرانسين أمس كلاً من اللواء السيّد والمدعي العام بلمار إلى الإجابة عن أسئلة تتعلّق بالمواد التي يطلبها السيّد من الناحية القانونية واللوجستية والإجرائية في غضون عشرة أيام. قرار القاضي دانيال فرانسين نعرض في الفقرات الآتية أجزاءً من مضمون قرار القاضي فرانسين. (يمكن الاطلاع على الوثيقة الكاملة عبر موقع «الأخبار»). بعد شرح الخلفية الإجرائية (أولاً: الفقرات من 1 إلى 6) وعرض موضوع الطلب (ثانياً: الفقرة 7) واستعادة حجج المستدعي (السيّد) والمدّعي العام (بلمار) (ثالثاً: الفقرات من 8 إلى 22)، انتقل القاضي فرانسين إلى بيان الأسباب (رابعاً) حيث ورد الآتي: «28. يمكن طرح السؤالين الأولين الموجهين إلى قاضي الإجراءات التمهيدية على النحو الآتي. أولاً، هل تتمتع المحكمة بالاختصاص للفصل من طلب المستدعي الحصول على مواد الملف الجزائي الخاص به؟ ثانياً، هل يتمتع المستدعي بالحق في اللجوء شخصياً إلى المحكمة بهدف الحصول على هذه المواد؟ إضافة إلى ذلك، على قاضي الإجراءات التمهيدية الإجابة عن سؤال ثالث ينبثق من السؤالين الأولين، ألا وهو: هل يتمتع المستدعي، في هذه الحالة، بالحق في الحصول، ولو جزئياً، على الملف الجزائي الخاص به؟ باء ـــــ اختصاص المحكمة: 29. قبل النظر في أساس القضية، يجب تحديد ما إذا كانت المحكمة تتمتع بالاختصاص للفصل في طلب المستدعي الحصول على البعض من مواد الملف الجزائي الخاص به. 30. يُحصر الاختصاص المادي للمحكمة حصراً تاماً، كما لحظ المدعي، بالاختصاص القضائي الذي تمنحه إياه المادة 1 من الاتفاق بين الأمم المتحدة والجمهورية اللبنانية المُرفق بقرار مجلس الأمن الرقم 1757 (2007) والمادتان 1 و2 من النظام الأساسي، أي مقاضاة الأشخاص المسؤولين عن الاعتداء الذي وقع في 14 شباط/ فبراير 2005 وأدى إلى مقتل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري وآخرين، وعند الاقتضاء، مقاضاة مرتكبي اعتداءات أخرى متلازمة. لذا، لا يمكن المحكمة تجاوز هذا الاختصاص قانوناً من دون خرق مبدأي القانونية والاختصاص الأساسيين. 31. لكن، وفقاً للاجتهاد المستمر لمحكمة العدل الدولية والمحاكم الجنائية الدولية، وغيرها من المحاكم الدولية، تتمتع كل محكمة دولية بسلطة الفصل في مسائل لا تدخل ضمن اختصاصها الأصلي بحد ذاته، لكن تتصل به اتصالاً وثيقاً، ما يحتّم دراسة هذه المسائل ضماناً للإنصاف في الإجراءات ولحسن سير العدالة. بمعنى آخر، تتمتع المحكمة، في إطار تأديتها لمهماتها الرسمية، باختصاص ضمني للفصل في مسائل فرعية تتعلق بمهماتها، أو قد يكون لها وقع عليها، ويجب الفصل فيها خدمة لمصلحة العدالة. 32. تجدر الإشارة في هذا الإطار إلى أن النظام الأساسي للمحكمة والقواعد لا يمنحان المستدعي صراحة صفة تخوله الحصول على مواد الملف الجزائي الذي اتهم واعتقل بموجبه. لكن موضوع الطلب يدخل ضمن السلطة الضمنية للمحكمة إذ إنه يتصل بصورة وثيقة باختصاصها المادي والأصلي، وإن الفصل فيه ضروري ضماناً للإنصاف في الإجراءات، ولحسن سير العدالة (...). 34. على صعيد آخر، يقوم الطلب على أحد الجوانب الأساسية لحقوق الدفاع كما ينص عليها القانون الدولي، أي حق المتهم في الحصول على مواد الملف، وهو حق يجب أن تضمنه المحكمة خدمة لمصلحة العدالة. 35. لذا، نظراً لاختصاصها الحصري، إذا قضت المحكمة بعدم اختصاصها للفصل في هذا الطلب، تحرم المستدعي إمكان نظر قاضٍ في مطالبه بإنفاذ أحد الحقوق الأساسية، فتجرده بذلك من حقه في الاستفادة من حماية قانونية فعلية. 36. ختاماً، وبناءً على ذلك، تتمتع المحكمة بالاختصاص للفصل في الطلب. جيم ـــــ صفة المستدعي للادعاء أمام المحكمة: فرانسين: لا يسقط الحق في الحصول على ملف جزائي بمجرد إخلاء سبيل الشخص المعني به 37. بعد تبيان اختصاص المحكمة للفصل في الطلب، يجب تحديد ما إذا كان المستدعي يتمتع بصفة الادعاء أمام المحكمة. 38. في هذا السياق، يلحظ قاضي الإجراءات التمهيدية أن المستدعي لا يُعتبر فريقاً كالمدعي العام والدفاع وفقاً للمادة 2 من القواعد، ولا متضرراً مشاركاً في الإجراءات وفقاً للمواد 2 و17 و86 من القواعد، ولا حتى طرفاً ثالثاً أو صديقاً للمحكمة بحسب المادة 131 من القواعد. وكما أحسن المدعي العام الإشارة، لا ينص صراحة الاتفاق ولا النظام الأساسي للمحكمة ولا القواعد على إمكانية شخص من غير الأشخاص السالفي الذكر تقديم طلبات إلى المحكمة. 39. لكن بالرغم من ذلك، لا يعتبر المستدعي غير معني بالإجراءات المقامة والمتواصلة أمام المحكمة، إذ تنص المادة 4، الفقرة 2 من النظام الأساسي على أن ينقل الأشخاص المحتجزون من قبل السلطات القضائية اللبنانية رهن التحقيق في قضية الحريري إلى عهدة المحكمة. كما تقضي المادة 17 من القواعد بأن يفصل قاضي الإجراءات التمهيدية في مواصلة احتجاز هؤلاء الأشخاص ضمن مهلة معقولة بدءاً من تاريخ نقلهم إلى عهدة المحكمة. والحال أن المستدعي هو أحد هؤلاء الأشخاص (...). 41. وتجدر الإشارة هنا إلى أن المدعي العام لم يوجّه تهمة إلى المستدعي منذ تاريخ نقله إلى عهدة المحكمة، لكن يصدر قرار بمنع محاكمته. وفي هذا الإطار، ينبغي التذكير بأن إخلاء سبيل المستدعي قد تم من دون المساس بملاحقات محتملة قد تلجأ إليها المحكمة الخاصة لاحقاً، كما ينص عليه قرار قاضي الإجراءات التمهيدية الصادر بتاريخ 29 نيسان/ أبريل 2009. 42. في ضوء هذه الظروف، يتمتع المستدعي بصفة الادعاء أمام المحكمة بشأن المسائل المتعلقة بحرمانه من حريته. دال ـ الحق في الحصول على الملف الجزائي وشروط إنفاذه 43. بما أن للمحكمة اختصاصاً للفصل في الطلب وللمستدعي صفة للادعاء أمامها، يتعين الآن تحديد ما إذا كان من حق المستدعي، نظراً لوضعه المبين في الفقرات 39 إلى 41 أعلاه، الحصول على الملف الجزائي الخاص به. وفي حال الإيجاب، يجب النظر في كيفية إنفاذ هذا الحق وتحديد، عند الاقتضاء، نطاقه وشروطه. 44. تجدر الملاحظة أن الحق في الحصول على الملف الجزائي هو حق يمنحه القانون العرفي الدولي لكل شخص متهم. ويشكل هذا الحق إحدى أبرز الوسائل لضمان إنفاذ فعال لحقوق الدفاع، ولا سيما لغرض الطعن بقانونية الاحتجاز وبطبيعته التعسفية (...). 46. وينبغي التذكير في هذا السياق بأن لبنان صدّق، في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 1972، على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي دخل حيز النفاذ بتاريخ 23 آذار/ مارس 1976(...). 49. تكرس المادة 110 من القواعد بصورة غير مباشرة حق المتهم في الحصول على مواد الملف الجزائي الخاص به. إذ تنص أحكام هذه المادة على أن يتسلم المتهم نسخاً عن الأدلة المؤيدة التي أرفقت بقرار الاتهام عند طلب تصديقه، وأيضاً جميع إفادات المتهم التي تلقاها المدعي العام، وذلك في غضون 30 يوماً من مثوله الأول أمام المحكمة أو في أي مهلة أخرى يحددها قاضي الإجراءات التمهيدية. كذلك ينبغي أن يحصل ضمن المهلة التي حددها قاضي الإجراءات التمهيدية أو غرفة الدرجة الأولى على نسخ عن إفادات جميع شهود الادعاء، وكل الإفادات الخطية، ونصوص الإفادات، أو سواها من النصوص التي تم تنظيمها. 50. أما في ما يتعلق بالاتهام، فينبغي التعاطي مع هذا المفهوم بمرونة كما أشارت إليه المحكمة الأوروبية، إذ يجب ألا يفهم بمعناه الصارم، بل بما يعني إبلاغاً رسمياً صادراً عن السلطة المختصة يوجه اتهاماً بارتكاب جرم، وبما يتطابق أيضاً ومفهوم ترتب انعكاسات جسيمة على وضع المشتبه به. 51. أخيراً، تظل حقوق الدفاع قائمة حتى إذا لم يعد الشخص الخاضع لتحقيق جزائي متهماً بصورة رسمية أو إذا صدر قرار بمنع محاكمته. ويطبق ذلك أيضاً على الحق في الحصول على الملف الجزائي، فلا يمكن أن يسقط هذا الحق بمجرد إخلاء سبيل الشخص المعني. إذ ينبغي أن يكون الحق في الاطلاع على المواد المستخدمة في الإجراءات بمثابة النتيجة الطبيعية للحق الأساسي في الحصول عند الاقتضاء على تعويض عن الضرر الناتج من احتجاز غير قانوني، وهو حق مكرس في الصكوك الرئيسية لحماية حقوق الإنسان، وإلا بقي هذا الحق حبراً على ورق، وذلك لعدم التمكن من إثبات عدم قانونية الاحتجاز. 52. لذا، مع أن المحكمة لم توجه اتهاماً رسمياً إلى المستدعي، ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار تبلغه، في مذكرة التوقيف الصادر عن السلطات القضائية اللبنانية، الجرم المسند إليه وما ترتب عنه من انعكاسات جسيمة على وضعه، وخصوصاً بسبب احتجازه، بالرغم من انتهاء هذا الاحتجاز. وفي هذا الصدد، يجب أن يستفيد المستدعي من الحقوق الأساسية للدفاع المماثلة لتلك الممنوحة لأي شخص متهم كالحق في الاطلاع على ملفه الجزائي. 53. أما في ما يتعلق بمسألة إنفاذ الحق في الحصول على الملف الجزائي، فيتبين وفقاً للتشريعات والاجتهادات الوطنية والدولية أن هذا الحق ليس مطلقاًَ، إذ قد يخضع لبعض القيود، ولا سيما أن تسليم المواد المعنية قد يؤثر سلباً في تحقيق جارٍ أو لاحقٍ، أو يتنافى ومصالح أساسية كسلامة الأشخاص المعنيين بهذه المواد، أو يمس بالأمن الوطني أو الدولي. ويمكن أن ترتبط هذه القيود بالصعوبات الملازمة لإجراء التحقيقات في مجال الإرهاب. في بعض الحالات، ومن أجل تذليل هذه الصعوبات، تم التسليم باحترام هذا الحق حتى لو لم يُمنع الحق في الاطلاع على الملف إلا لمحامي المتهم. (...) 56. بما أنه تم التسليم باختصاص المحكمة وبتمتع المستدعي بصفة الادعاء بغية إنفاذ حقه في الحصول على الملف الجزائي، لم يعد موضوع اندراج إشكالية القيود أو الحدود لهذا الحق ضمن أساس الملف مطروحاً. لكن في هذه المرحلة من الإجراءات، ينبغي السماح للمدعي العام وللمستدعي بعرض ملاحظاتهما وحججهما في هذا الصدد. 57. من هذا المنطق، يدعو قاضي الإجراءات التمهيدية كلاً من المستدعي والمدعي العام، وهو الوحيد الذي يحوز الملف الخاص بقضية الحريري، إلى الإجابة عن الأسئلة الآتية وفقاً للشروط المُهل المبنيّة في هذا التقرير. في المرحلة الراهنة للتحقيق: 1) هل تدخل كل المواد التي يطلب المستدعي الحصول عليها في الملف الجزائي الخاص به، وهل هي في حوزة المدعي العام؟ 2) هل تُطبّق القيود والحدود المذكورة في الفقرتين 53 و54 أعلاه على هذه الحالة المعيّنة؟ 3) هل تُطبّق قيود وحدود أخرى؟ 4) في حال وجود قيود وحدود أخرى، هل تُطبّق على كل المواد التي يطلب المستدعي الحصول عليها أو على البعض منها فقط، وفي هذه الحال، على أي منها؟ 5) في حال منح المستدعي الحق في الحصول على الملف، كيف يتم ذلك، بمعنى آخر، هل يجب أن تُسلّم المواد أو النسخ عنها إلى المستدعي أو لن يحق له سوى الاطلاع عليها؟ وهل يجب أن يُحصر الحق في الاطلاع عليها على محاميه فقط؟ 6) هل تُطبّق آليات المساعدة المتبادلة الدولية في الشؤون القضائية، وفي هذه الحال، ما الذي يترتب عنها من نتائج بالنسبة إلى طلب المستدعي؟ خامساً ـــ الحكم لهذه الأسباب (...) إن قاضي الإجراءات التمهيدية، يعلن أن المحكمة مختصة للفصل في أساس الطلب، ويعلن أن المستدعي يتمتع بصفة الادعاء أمام المحكمة بغية الحصول على مواد الملف الجزائي المتعلّق بقضية الحريري الخاص به. ويقرّر، قبل الفصل في أساس الطلب، أن تودع المذكرات الخطية للمستدعي والمدعي العام التي تضم إجاباتهما عن الأسئلة المطروحة في الفقرة 57 من هذا القرار لدى قلم المحكمة ضمن مهلةٍ أقصاها الأول من تشرين الأول/ أكتوبر 2010. ويقرّر أن تُسلّم المذكرات إلى المستدعي والمدعي العام في الوقت نفسه بعد ترجمة مذكرة المدعي العام إلى الفرنسية. ويقرّر أن يودع المستدعي والمدعي العام إجاباتهما لدى قلم المحكمة في غضون 10 أيام من تاريخ التسليم المتزامن للمذكرات». انقلابيّو 14 آذار يحنّون إلى زمن ميليس وبرنامجهم تجديد جريمة الـ 2005 ابراهيم الأمين قبل خمس سنوات تقريباً، كان المشهد اللبناني مأسوياً. زعران من «14 آذار» يحتلون الشوارع والساحات والشاشات. والانتهازيون يزحفون من كل حدب وصوب باتجاه قريطم والسفارتين الأميركية والفرنسية. كان المعبر الحدودي بين لبنان وسوريا يفتح للعمال السوريين الفارّين من جحيم العنصرية اللبنانية. وكانت ميليشيا ديتليف ميليس وعصاباته اللبنانية والمتعددة الجنسيات، تطارد خصوم الانقلابيين في مؤسسات الدولة وفي الأمكنة الخاصة والعامة. لا حرمة لشيء. مجموعات بدت تختزن حقاً تاريخياً خرجت من خلف الجدران أو من خلف أقنعة كانت تغطي وجوهها، وصارت تنهش في الجسد اللبناني. حملة مذهبية وترهيب فكري وإعلامي وسياسي واجتماعي لا سابق له. قليلون نجوا من لعبة الإرهاب في حينه. وكثيرون سقطوا في فخ الرعب. من كل أصناف المؤسسات، أمنيون وسياسيون وموظفون وعمال، رجال دين وقضاة وأطباء، مهندسون وعمال وبائعو الخضر واليانصيب أيضاً، سائقو الحافلات والسيارات العمومية الصغيرة، المزارعون في الأرياف ونساء على أشكالهنّ تقع الكارثة. إعلاميون ومثقفون لبسوا خلال وقت قصير ثوب الأساتذة، طاردونا في الصحف والإذاعات والتلفزيونات وفي المنتديات، وهم يشرحون لنا التغيير الذي يعصف بالمنطقة. لم يكن يجمع بين كل هؤلاء سوى شركات الإعلان الأميركية التي جاءت بمهمة جديدة بعد رحلة أوكرانيا، لافتات رفعت وشعارات حلّت مكان تحيات الصباح، ومفردات باتت تفتتح بها ليالي الحانات الحمراء. تلك التي انتشر فيها عسس 14 آذار، بجديده الفاجر، أو قديمه الذي نقل البارودة من كتف الى كتف. لكن السواد يلف العقول والأعين، وصار التافهون نجوم لبنان. قبل خمس سنوات تقريباً، كان أمر العمليات قيد التنفيذ: اعتقال قادة الأجهزة الأمنية وعزل الرئيس إميل لحود. محاصرة «حزب الله» ومطاردة كل من يتمسك بعلاقته مع سوريا، وترهيب كل صاحب صوت مختلف، فيما كانت ماكينة ميليس لا تتوقف عن ابتداع ما يجب لحجز حرية من يجب كتم صوته، أو إرهاب الآخرين باعتقاله، أو دفع آخرين للرضوخ كي لا يأكلهم الغول بعدما أكل ثورهم الأبيض. وفي تلك الفترة، كان ممنوعاً على أحد الاعتراض، أو التشكيك، لأن في ذلك انتماءً الى مجموعة قتلة الشهيد. كان يجب تحمّل «زناخات» كل المارين على قريطم بحجة أنهم محزونون. كان يجب أن تُترك لهم المنابر ليشتموا ويقرّعوا ويهينوا من يريدون بحجة أنهم في حالة غضب مبرر. كان يجب الصمت على موبقات التنصت على هواتف الناس ومراقبة بيوتهم وملاحقة سياراتهم ومساءلة موظفيهم والتدقيق في جوازات سفرهم وقوائم المسافرين منهم، لأن في ذلك ما يبرر استنفارهم الأمني كي لا يهرب القتلة. مناورات التوّابين في مراحلها الأخيرة برغم انتظارهم القرار الاتهامي بعد شهرين على الأكثر قبل خمس سنوات تقريباً، وعلى مدى ثلاث سنوات من العهر، كان على الجميع القبول بالأمر الواقع، وبأن الانقلابيين الذين استولوا على ما تيسّر من سلطات نافذة وعلى تعطيل ما لم تصله أيديهم، هم أبناء الرجل الصالح الذين يريدون بناء الدولة، ومنذئذ، لا مجال للسؤال عن الإنفاق المالي من خزينة المواطنين، ولا عن المليارات الإضافية التي تكدست فوق الدين العام، ولا عن الاستباحة الكاملة للبلاد والعباد بحجة البحث عن القتلة. وكان ممنوعاً مساءلة أي أحد في الحكم عن سبب وضع لبنان تحت الانتداب الدولي من جديد. ولماذا تقرر فئة انقلابية أن تعطي لاستخبارات العالم فرصة الدخول الى حيث ترغب في لبنان، وصاروا، هؤلاء الصغار، يرصدون سيارات وشاحنات تخص رجال المقاومة بحجة أنه ربما يكون فيها القتلة. وصاروا يهددون الإعلاميين بحجة أن أي انتقاد هو إثارة للفتنة الطائفية. حتى عندما قرر أبرز قطب شعبي في حركة 14 آذار العماد ميشال عون التنبيه الى خطر الفتنة، وصم بالخائن وبأنه أرسل كحصان طروادة، فتقرر عزله ولو بمؤامرة اسمها التحالف الرباعي. قريب من رئيس الحكومة سعد الحريري، يروي أنه عندما حصلت الانتخابات النيابية عام 2005، حمل فؤاد السنيورة بطاقة الائتمان الخاصة بالأغلبية النيابية. قال إنه لم يعد يحتاج الى أحد. أغلبية نيابية بيده، ومعه السعودية ومصر والأردن ودول خليجية وعربية أخرى، ومعه أوروبا والعالم، وجورج بوش يذكره في كل صلاة وتصريح، وبأنه سينفذ اتفاق الطائف الذي يجعل منه ملكاً فوق ملوك الطوائف. ومن لا يعجبه فيلضرب رأسه بالحائط. أخفى السنيورة البطاقة في جيبه، ولم يعد يرد على أحد. صار معنياً بتثبيت زعامته، متكلاً على أقلية مسيحية تآمرت لقلع إميل لحود من قصر بعبدا. لكن سرعان ما اكتشف أن صاحب الرصيد الفعلي ليس موافقاً. سحب وزراء حزب الله وأمل من الحكومة، فتعطلت ماكينة الصرف الأولى، أغلق المجلس النيابي، فتعطلت ماكينة الصرف الثانية، أقفل الشارع فتعطلت ماكينة الصرف الثالثة. فجأة، انتبه السنيورة بأن بطاقة الائتمان لا تزال في جيبه، لكنها غير صالحة للعمل. وفوق ذلك كان قد خسر الأغلبة المسيحية والأغلبية الشيعية حتى صار مع الوقت أسير أقلية مسيحية وأقلية درزية، يبتزّه وليد جنبلاط فيقبل، ويبتزّه مسيحيّو 14 آذار فيقبل، الى أن جاء أيار بعواصفه، فأطاح كل شيء دفعة واحدة. ولما حاول أسياده في البلد والمنطقة والعالم إنقاذ سعد الحريري من بعده، بذلوا كل جهد من أجل حصوله على أغلبية نيابية في انتخابات عام 2009، لكن الحريري اكتشف بعد أيام قليلة، أنها أغلبية هشة، غير قادرة على رفعه الى مستوى رئيس للحكومة، فاضطر خلال شهور الى التنازل هنا وهناك والعودة الى التوازن الفعلي الذي لا تغيّره انتخابات مزوّرة بالمال والعصبيات، وقبل شراكة تمنعه من الحكم منفرداً. ترهيب جميل السيّد رسالة تشبه غزوات ميليشيا ميليس الليليّة وسط قهقهات فيلتمان كانت جريمة حرب تموز 2006 قد فشلت في تحقيق هدفها، فصار الانقلابيون في وضع أكثر صعوبة، ولما تقرر خارجياً التفاهم مع سوريا على تنظيم الأمور في لبنان، سحب من الدرج لغم اتهام حزب الله بالتورط في جريمة اغتيال رفيق الحريري. ومنذ ذلك الحين، عاد الانقلابيون في الخارج كما في الداخل الى تنظيم صفوفهم في معركة تعدّ بالنسبة إليهم المعركة الفاصلة والأخيرة، وهم الذين لم يخجلوا يوماً في استخدام أي سلاح في معركتهم السابقة، باتوا اليوم أكثر توتراً، ولم يعد يمنعهم شيء من اللجوء حتى الى الانتحار الجماعي، لكنهم يشعرون بأنهم لا يقدرون على البقاء في هذا الموقع، وأن عليهم العودة الى الإمساك بزمام المبادرة والعودة الى تثبيت نتائج انقلابهم السابق. وهم يفترضون، كما يشجعهم الغرب، أن إنجاز القرار الاتهامي خلال شهرين من الآن، سوف يتيح لهم الفرصة للانقلاب من جديد، حتى إذا نجحوا في خلق أرضية صلبة، تتدخل إسرائيل لتساعدهم في الإجهاز على المقاومة. ولذلك هم لا يتحملون أي مراجعة توجب عليهم الالتزام بدفع أثمان الأخطاء الكبرى. فتراهم الآن يريدون لنا الاكتفاء بتصريحات وليد جنبلاط عن أهمية الاستقرار وضرورة حفظ سلاح المقاومة، أو أن نهلل لأن سعد الحريري أقرّ بأنه أخطأ حين اتهم سوريا، وأن نكتفي بأنه أقرّ بوجود شهود زور، لكن من دون محاسبتهم أو من كان خلفهم، وبأن يأخذ في المقابل حرية الحركة في إدارة اقتصاد البلاد بنفس السياسة التي أدّت الى الإفقار والنهب العام المنظّم. واضح أن في بقية الانقلابيين من لا يريد العودة الى الخلف قليلاً، وإعادة قراءة الأمور بطريقة مختلفة. ومن وجد أن الفرصة سانحة لإعادة اعتقال جميل السيد لأنه صرخ بوجه الحاكم مطالباً بحقه، فهو واحد من اثنين، إما متورط في لعبة تجديد الانقلاب، وإما غبي لا يعرف في السياسة والتاريخ شيئاً. وفي الحالتين، يعتقد كثيرون أن إثارة ملف شهود الزور والتسييس الذي يطبع عمل المحكمة الدولية، إنما هي مناورة لا أكثر ولا أقل، وأن بالإمكان الرد عليها بمناورة مقابلة مثل تأجيل إعلان القرار الاتهامي شهرين أو أكثر، أو الحديث عن مسعى لمناقشة ملف شهود الزور دون الولوج إليه. وفي الحالتين، فإن العودة الى الانقلاب من جديد، ليست ممكنة بأي ظرف ممكن، وإن ناراً كثيفة سوف تحول دون حصول ذلك، وإن زمن الترهيب والتخويف والاعتداء على كرامات الناس وإذلالهم، سقط في 7 أيار من عام 2008. فهل من يتذكر، ما دام هناك من رفع شعاراً أعلى من قامته يوم قال: ما بننسى والسما زرقا؟ ميتشــل يتذكــر القــرار 1701 فــي لبنــان فقــط بماذا يختلف لبنان عن غيره من الدول، وهل السر يكمن في زوّاره أم في مسؤوليه؟ الموفد الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط جورج ميتشل شارك في جولة القدس المحتلة من المفاوضات الإسرائيلية – الفلسطينية المباشرة، فقط لا غير، والتقى في دمشق الرئيس السوري بشار الأسد في حضور وزير الخارجية وليد المعلم والمستشارة في رئاسة الجمهورية بثينة شعبان، وليس أكثر. أما في لبنان فبدأ زيارته مساء أول من أمس بلقاء الرئيس نبيه بري، ثم جال أمس على رئيس الجمهورية ميشال سليمان، الوزير الياس المر وقائد الجيش العماد جان قهوجي، ولو كان الرئيس سعد الحريري، في لبنان، لكان التقاه حتماً. ولم يكتف باللقاءات، وإنما زار المقر العام لقوة اليونيفيل في الناقورة، وبحث مع قائدها بالنيابة العميد سانتي بونفانتي وكبار الضباط الدوليين «في مهمة اليونيفيل وأنشطتها على أرض الواقع»، كما ذكر الناطق الرسمي باسم هذه القوة نيراج سينغ. ثم تفقد «الخط الأزرق» جواً على متن طوافة دولية. «هناك من عقد العزم على عرقلة السلام والتطبيع بين إسرائيل وجيرانها» وما يبرّر التساؤل أكثر عن سبب توسيع ميتشل دائرة لقاءاته وجغرافية جولته الجنوبية وطبيعتها، هو ما أعلنه الموفد الأميركي نفسه من قصر بعبدا، من أن الغرض من زيارته هو إطلاع «كبار المسؤولين اللبنانيين على تطوّرات محادثات السلام الفلسطينية - الإسرائيلية، وللتشاور مع القيادة اللبنانية وكبار المسؤولين في الأمم المتحدة في شأن مسائل حفظ السلام والتنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن 1701»، خصوصاً أن حفظ السلام وتنفيذ الـ1701 يتطلبان طرفين لا طرفاً واحداً، فلماذا لم يبحث في القدس المحتلة في «التنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن»؟ وانتظر وصوله إلى بيروت ليتحدث بانتقائية عن الـ1701، متذكراً من بنوده فقط: الدعوة إلى وقف دائم لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، وأن تكون المنطقة الواقعة جنوبي نهر الليطاني خالية من المسلحين والمعدات والأسلحة إلا تلك التي تخص حكومة لبنان واليونيفيل. وأتبع ذلك فوراً، بالحديث عن رغبة أميركية قوية «في الحفاظ على علاقة وثيقة بالجيش اللبناني الذي هو رمز للبنان واحد وموحد، ويؤدّي دوراً كبيراً في آمال الشعب اللبناني وتطلعاته». وبما أن أحداً ممن التقاهم، لم يسأله على ما يبدو، عن سبب حصره مسؤولية حفظ السلام بلبنان فقط، فإن ميتشل ردّد أمام مستقبليه ما يحبّون سماعه، وما يريد ترويجه عن السلام الشامل و«التطبيع الكامل للعلاقات بين إسرائيل وجيرانها» لأن البديل «أسوأ بكثير»، دون أن ينسى التحذير المبطن من «الذين عقدوا العزم على العرقلة»، مغرياً سامعيه بأن بلاده تحترم سيادة لبنان وأنها «لا ولن تدعم توطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان»، وأن «النقطة المركزية تبقى أنه من دون لبنان لا يمكن أن يكون هناك سلام شامل في هذه المنطقة». من جهته أبلغ رئيس الجمهورية، الزائر الأميركي رفض لبنان للتوطين «على أرضه»، وعدم قبوله «بالتفريط بأي حق من حقوقه من الأرض والمياه والنفط وغيرها تحت أي ذريعة»، وفي الوقت نفسه تحدث عن «أهمية» مواصلة الولايات المتحدة مساعدة الجيش «ليتمكن من القيام بواجبه في الحفاظ على الحدود والسلم الأهلي في الداخل». والانتقائية في التعاطي مع لبنان، لم تقتصر أمس على ميتشل، وإنما برزت أكثر في الجلسة العلنية الشهرية لمجلس الأمن عن الحالة في الشرق الأوسط (نزار عبود)، حيث تجاهل منسّق عملية التسوية في الشرق الأوسط روبرت سيري، تماماً، شكوى لبنان عن شبكات التجسس الإسرائيلية، واختار الحديث في مطالعته عن اشتباكات برج أبي حيدر الأخيرة بين من وصفهم بـ«أنصار حزب الله والأحباش، مجموعة سنية»، قائلاً إن الأمر يحظى باهتمام الحكومة اللبنانية، وأشار إلى زيارة الرئيس الحريري لدمشق نهاية آب الماضي. ولفت إلى أن الوضع في لبنان اتسم خلال الأشهر الأخيرة بالتوتر السياسي المتزايد مع كثرة التكهنات حول صدور محتمل للقرار الاتهامي عن المحكمة الدولية. كذلك أشار إلى اجتماع هيئة الحوار في 19 آب الماضي والاتفاق على عقد جلسة الشهر المقبل. وذكرت مصادر أن مندوب لبنان نواف سلام أثار موضوع الشكوى داخل المشاورات المغلقة، لكنه لم يلق أي تجاوب. (الأخبار)