انتفاضة برّي: شهود الزور أو الانسحاب من الحكومة
كادت حكومة سعد الحريري الأولى، تلقى مصير الحكومة الأولى لفؤاد السنيورة، لو أصرّت حكومة الأول على تأجيل بحث ملف شهود الزور، مثلما أصرّ الثاني على إمرار مشروع المحكمة الدولية بدون انتظار ملاحظات المعارضة
تسارعت التطورات بعد ظهر أمس، إلى درجة كادت تعيد أجواء عام 2005، حين اعتكف وزراء المعارضة احتجاجاً على الاستعجال في إقرار بند المحكمة الدولية؛ إذ هدد وزراء حركة أمل بالانسحاب من جلسة مجلس الوزراء أمس، وتضامن معهم وزراء حزب الله، إذا لم يناقش المجلس تقرير وزير العدل إبراهيم نجار عن شهود الزور.
وقد مهّد لموقف وزراء أمل، ما يمكن تسميته «انتفاضة» رئيس مجلس النواب نبيه بري، التي كانت قد بدأت قبل أيام، عبر مواقفه الداعية إلى الإسراع في بتّ ملف شهود الزور. وقد بلغت ذروتها أمس، بعدما وصل إلى مسامعه ما عمّمته أوساط رئيس الجمهورية ميشال سليمان عن اتفاق بين «الرؤساء الثلاثة» على تأجيل بحث «الملفات الخلافية، وبينها ملف شهود الزور، إلى ما بعد زيارة الرئيس الإيراني». وقد انزعج بري من هذا التعميم، لأن التواصل بينه وبين سليمان كان شبه يومي، ولم يحصل هذا الاتفاق، بحسب مقربين من رئيس المجلس. لذلك قصد أمس قصر بعبدا للقاء رئيس الجمهورية. ورغم أن الوكالة الوطنية للإعلام ذكرت أن مدة اللقاء كانت 45 دقيقة، فإن مصادر معنية أكدت أن المدة لم تتجاوز عشر دقائق، تحدث خلالها بري، «بصراحة تامة» عن ملف شهود الزور، وكان موقفه حازماً، مؤكداً أن وزراء حركة أمل لن يقبلوا بإرجاء بحث هذا الملف.
وأتبع بري خطوته باتجاه بعبدا باجتماع مع وزراء كتلته، وقال أمامهم: «علينا أن نقود مشروعنا بحسب وجهة نظرنا السياسية، لأنه خلال الأحداث والتطورات الأخيرة منذ حادثة برج أبي حيدر، وقفت الحكومة على الحياد كمراقب، فيما الأحداث تحولت إلى كرة ثلج تكبر». وشدد على ضرورة طرح الخلافات في المؤسسات، لا في الشارع، قائلاً: «أصبح هناك خطوط حمر في بعض الملفات، وهي تنعكس خطراً وقلقاً على الساحة، لذا يجب مناقشتها (الملفات) في المؤسسات الدستورية». ورأى أن هناك مماطلة في طرح تقرير وزير العدل إبراهيم نجار عن شهود الزور «وهذه المماطلة أنتجت تداعيات وباتت الحكومة تعالج تداعيات المماطلة لا الأحداث بحد ذاتها».
ولأن «تأجيل بحث الملفات الحساسة سيمدد حالة الاحتقان في البلاد»، بحسب مقرّبين من بري، أعطى الأخير توجيهات لوزرائه أمس، بطرح ملف شهود الزور. وبالفعل، لدى بدء الجلسة، رفع الوزير علي عبد الله يده طالباً الكلام، فتدخل سليمان قائلاً إنه لا يريد أي نقاش في السياسة في بداية الجلسة، ويمكن تأخير ذلك إلى نهاية الجلسة. وبعد مناقشة بندين أو ثلاثة من جدول الأعمال، قال الوزير محمد جواد خليفة لسليمان: «من حقي يا فخامة الرئيس إبداء رأيي، ورأينا أن ثمة خطراً داهماً، وأتمنى عليك المباشرة في مناقشة ملف شهود الزور»، وأعاد ما قاله بري أمام وزراء كتلته.
وهنا وافق سليمان على أن طرح الموضوع ممكن، وطلب توزيع تقرير نجار على الوزراء. وعلق وزراء من قوى 14 آذار على إعادة إثارة الأمر قبل انتهاء الجلسة، وقال الوزير سليم الصايغ إن موقف خليفة «فيه تحدّ للرئاسة وعدم احترام ويزيد الطين بلة»، فرد خليفة: «بحسب الأصول الدستورية، من حقنا طرح بنود للمناقشة».
وطلب وزراء، بينهم الوزير غازي العريضي مهلةً للاطلاع على التقرير. فكان الاتفاق على رفع الجلسة، على أن يدرج بند شهود الزور على جدول أعمال الجلسة المقبلة، وخصوصاً أن خليفة أكد أن وزراء كتلة بري لن يشاركوا في أي جلسة لا تتضمن مناقشة هذا الملف، وتضامن معهم وزراء حزب الله، فيما بدا أن وزراء تكتل التغيير والإصلاح فوجئوا بالطرح، ولم يعلّقوا على الموضوع. وقد أكدت مصادر كتلة بري أنه لم يجر أي تنسيق قبل الجلسة بين وزراء أمل ووزراء المعارضة السابقة.
هناك مماطلة، والحكومة تقف على الحياد، فيما الأحداث تحوّلت إلى كرة ثلج تكبر
واستكمل بري يومه بإصدار بيان مساءً، استهله بالقول: «حاولنا العمل بصمت ورويّة، وباتصالات هادئة على طريقة: وتعاونوا على قضاء حوائجكم بالكتمان وكظم الغيظ، علماً بأن الجو العام في كل لبنان يعيش قلقاً بالغاً والفتنة تشرئبّ أعناقاً لا عنقاً واحداً»، مشيراً إلى أن مجلس الوزراء كلف نجار في 18 آب الماضي، أي «منذ أكثر من شهر ونصف شهر بدراسة موضوع شهود الزور، علماً بأن الأمر ليس بحاجة إلى أي دراسة، والجريمة واقعة وحاصلة، وسبق للنيابة العامة أن لاحقت أحدهم، ما يوجب ـــ إذا لم تحرّك النيابة عفواً ـــ اتصالاً من السلطة التنفيذية لا أكثر ولا أقل». وبرر ما قام به أمس، بأن «هذا التمادي في وضع لبنان في عين الخطر وحشره في عنق الأزمة، لا بل الفتنة، لم يعد يحتمل». لذلك، بعدما تحدث مع سليمان «في هذا الموضوع، وفي هذا الموضوع فقط»، طلب من وزراء كتلة التنمية والتحرير «أن يحثّوا مجلس الوزراء على البدء في مناقشة ملف شهود الزور، وهو الملف المطروح على جدول الأعمال منذ التاريخ الذي تحدثت عنه، وإلا فإننا سنمتنع عن حضور أي جلسة لا تخصص لمناقشة هذا الموضوع وإقراره قبل أي شيء آخر».
وإذ نفى وزير الإعلام، طارق متري، أن يكون أحد قد هدد بالانسحاب من الجلسة، أكد أن المجلس قرر متابعة البحث في قضية شهود الزور، في جلسة تعقد يوم الثلاثاء المقبل. وعندما سئل عما إذا وزّع تقرير نجار على الوزراء، أجاب: «هو قيد التوزيع حالياً»، أي أثناء تلاوته المقررات الرسمية، لكن نفى وزراء حصولهم عليه أمس، مرجّحين أن يوزع اليوم، مع الإشارة إلى أنه بعد جلسة الاثنين الماضي، أعلن متري أن مجلس الوزراء طلب توزيع التقرير على الوزراء «تمهيداً لمناقشته في جلسة مقبلة للمجلس»، لكن ذلك لم يحصل.
وقد نقل متري عن رئيس الحكومة سعد الحريري، تأكيده في جلسة أمس «ضرورة أن يسود الهدوء، ومعه الحكمة وروح الحوار، وقبل ذلك وبعده، الالتزام بدرء الفتنة كي نبحث بجدية كبيرة ووفقاً لما التزمنا به قضية شهود الزور».
وقال النائب وليد جنبلاط لـ«الأخبار» إن الحريري اتخذ في جلسة أمس موقفاً «جريئاً وممتازاً ومهماً لجهة كشف شهود الزور، وذلك بالاتفاق مع الرئيس نبيه بري والسيد حسن نصر الله»، دون أن يعطي تفاصيل.
إلى ذلك، وافق مجلس الوزراء أمس، على توصيات اللجنة المكلفة بدرس الإجراءات والتدابير الأمنية في المطار. وفي نهاية الجلسة، طمأن رئيس الجمهورية إلى أن الوضع الأمني إجمالاً لا يدعو إلى القلق «ولا يبرر المخاوف التي يثيرها البعض». وأكد عدم وجود معلومات جدية لدى الأجهزة المختصة عن احتمال حصول اضطرابات أمنية واغتيالات، ولا معلومات عن التسلح.
وكان الوزير حسين الحاج حسن قد تطرق، قبيل دخوله إلى الجلسة، إلى موضوع المحكمة الدولية، مشيراً إلى أن طلب الأمم المتحدة من رئيس هذه المحكمة أنطونيو كاسيزي «عدم تزويد اللواء جميل السيد الوثائق التي سجن على أساسها، أكبر دليل على أن هناك أموراً يمكن طلبها من المحكمة»، وأضاف متهكماً «هذا أكبر دليل على العدالة».
وأمس جدد الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، بمختلف العبارات، دعم المنظمة الدولية للمحكمة الخاصة بلبنان، وقال: «أجدد تأكيد اقتناعنا بأهمية هذه المحكمة»، مضيفاً: «لديها تفويض ولها دورها. وسنقوم بكل ما في وسعنا حتى تتمكن من متابعة عملها». وكرر القول بأن «هذه المحكمة مستقلة، وأدعو جميع اللبنانيين إلى عدم التدخل في عملها»، مشدداً على أنه «يجب ألّا نتدخل في عمل هذا الكيان القضائي المستقل. ولا أحد يستطيع التدخل أو استباق» نتائج عمل المحكمة.