UNDP إدارة رديفة.. مكتب يتحكّم بمفاصل وزارة المال وهو خارج المساءلة
في وزارة المال أشخاص يتمتّعون بامتيازات جمّة، يتحكّمون بالمفاصل الأساسية من دون أن يكونوا خاضعين لرقابة مجلس الخدمة المدنية، ولا لرقابة هيئات الرقابة، كالتفتيش المركزي وديوان المحاسبة، يتقاضون رواتب أعلى بكثير من رواتب زملائهم المحسوبين في ملاكات الإدارة العامّة، أحدهم صار وزيراً وآخر يمارس دور الوزير الرديف... إنهم العاملون في مكتب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي
يجري تقديم بعض العاملين الرئيسيين في وزارة المال بصفتهم «هبة» منحها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP، لمساعدة الحكومة اللبنانية على تطوير أوضاع الإدارة العامّة وتحسين إنتاجيتها ورفدها بالكفاءات اللازمة... إلا أن الحقيقة ليست كذلك إطلاقاً، فمكتب UNDP، المهيمن على وزارة المال لا يعدو كونه إدارة رديفة أُحدثت لحشو الأزلام والأتباع والزوجات، في واحدة من أهم الإدارات العامّة وأكثرها حساسية، ولغاية في نفس يعقوب، بدأت تنفضح في سياق سيل الفضائح الذي يُغرق هذه الوزارة.
تمويل من المال العام
يتولى العاملون في مكتب UNDP وظائف أساسية ويشرفون على تنفيذ مهمات ذات طابع «سيادي»، تتصل بإدارة الضرائب والدين العام ونظام المعلوماتية والأرشيف وغيرها... إلا أنهم غير خاضعين لأي نوع من أنواع المساءلة، ما عدا التي تنص عليها عقودهم شبه السريّة... وكل ذلك من دون أي مساهمة فعلية من جانب الأمم المتحدة لتمويل كلفتهم، ما عدا تقديم الستار الذي يتخفّى خلفه هؤلاء ومن وراءهم، وهذا «التستير» يمثّل فضيحة حقيقية قد تصيب المسؤولين في المنظمة الأممية، التي ما انفكت ترفع شعار الشفافية ومحاربة الفساد، فيما هي تغطّي في لبنان أطراً غير نظامية ومخالفة للقانون جملة وتفصيلاً.
فقد كشفت مناقشات لجنة المال والموازنة النيابية أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لا يساهم في تمويل مكتبه في وزارة المال إلا بمبلغ زهيد لا يتجاوز 50 ألف دولار سنوياً، فيما الموازنة العامّة، أي أموال الضرائب التي يسددها المقيمون، تساهم بنحو 1.4 مليون دولار سنوياً، ولا تقف الفضيحة عند هذا الحد، بل إن البرنامج يتقاضى نسبة 10 في المئة من مساهمة الموازنة (نحو 140 ألف دولار) لإدارة الأموال المحوّلة إليه، بمعنى أنه يسدد مبلغ الخمسين ألف دولار من هذا الاقتطاع، ويبقى له 90 ألف دولار!
نقاش بلا نتيجة
هذه الوقائع حفّزت سجالاً حامياً بين النوّاب، إلا أنه لم يبلغ حدود تعليق الاعتماد المرصود، وهو اعتماد يجري صرفه منذ سنوات عدّة، من دون أن تكون هناك قوانين موازنات في الأصل، وهو يدخل في إطار الإنفاق الذي صنّفه فريق من السلطة كإنفاق غير قانوني حصل بين عامي 2006 و2009 ويستمر بلا توقّف حتى الآن.
فقد تبيّن للنوّاب أن مشروعي الموازنة العامة والموازنات الملحقة لعام 2010 و2011 لحظا مساهمات مخصصة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP، بقيمة 2.1 مليار ليرة، في الجزء الأول من موازنة وزارة المال، وضمن وظيفة «الإدارة المالية وإدارة الخدمات الإحصائية»، فطلب هؤلاء النوّاب من ممثلي الوزارة تزويدهم بموازنة البرنامج المفصّلة مع نفقات عامي 2008 و2009 المفصّلة أيضاً، مع تقديم بيان بالعاملين في البرنامج وجنسياتهم والمهمات المنوطة بكل منهم.
الهدف من هذه الطلبات محاولة فهم سبب خلق مكتب باسم الأمم المتحدة تموّله الموازنة العامّة ويعمل فيه متعاقدون لبنانيون، إذ يخشى النوّاب أن يكون هذا النوع من المساهمات الممنوحة لمكتب UNDP مخصصاً لإجراء عمليات توظيف داخل القطاع العام، بحجة دعم الإدارة اللبنانية في إنجاز مهماتها، فيما الغاية الكامنة وراء ذلك هي العكس، إذ إن هذه المساهمات يقصد منها دعم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لأنه يقتطع نحو 10 في المئة من المبلغ لإدارة الأموال المحوّلة إليه.
متعاقدون بلا أي رقابة
ورأى النوّاب أن عمليات التوظيف التي تجري من خلال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تنطوي على تحايل كبير على القوانين والأنظمة:
ـــ فهي لا تخضع لرقابة مجلس الخدمة المدنية، ولا لرقابة هيئات الرقابة كالتفتيش المركزي وديوان المحاسبة.
ـــ وهي لا تخضع لقانون سلسلة الرتب والرواتب، إذ إن المتعاقدين الذين يجري التعاقد معهم، وغالباً لسنوات طويلة، بموجب هذه المساهمات المموّلة من المال العام، يتقاضون رواتب تفوق أعلى الرواتب الملحوظة في سلسلة الرتب والرواتب، وهذا الأمر أدّى الى عملية نزف حقيقية، باعتبار أن الموظفين الأكفاء في الإدارة العامة اللبنانية، وأمام هذا الواقع وجدوا أنفسهم مضطرّين: إما الى الاستقالة بهدف التعاقد مع البرنامج، وإما الى الهجرة كي يتمكنوا من إيجاد فرص عمل تسمح لهم بتقاضي رواتب شبيهة بالرواتب التي يتقاضاها المتعاقدون مع مكتب UNDP، وإمّا الى الانخراط في منظومة الفساد في الإدارة من قبل الموظفين غير الآمنين بهدف الوصول الى الراتب نفسه الذي يتقاضاه المتعاقدون مع UNDP.
نتائج خطيرة
2.1 مليار ليرة قيمة مساهمة الموازنة في تمويل مكتب UNDP في وزارة المال
في النهاية، ساهم مكتب UNDP بإفقاد الإدارة العامة اللبنانية عنصر الكفاءة والخبرة وإمكان تراكمها، وبالتالي باتت الإدارة اللبنانية تعاني من تفشّي ظاهرة الفساد، ووجود أشخاص غير كفوئين، الأمر الذي ساهم أيضاً في عرقلة عملية بناء المؤسسات وإصلاح الإدارة اللبنانية وإدخال التغيير المرجو، وعزّز ميل الموظفين نحو تقديم الولاء الكامل لمرجعياتهم المذهبية أو الحزبية بهدف الحصول على الحماية، ولا سيما أن المتعاقدين من خلال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP لا يخضعون لرقابة الإدارة، وبالتالي شكّلوا إدارة رديفة للإدارة العامة الأصيلة، موضوعة بتصرف وزير المال وتحت سلطته الاستنسابية.
حاول بعض النوّاب أن يتجاوزوا الخلاف الذي يمكن أن يترتّب على طلب إلغاء هذا المكتب في وزارة المال، وغيرها من الوزارات، فاشترطوا إخضاع المتعاقدين مع UNDP، والمموّلة عقودهم من المال العام، الى رقابة الإدارة اللبنانية، وإلى المبادئ التي ترعى التسلسل الإداري، ولا سيما المنصوص عليها في المرسوم الاشتراعي رقم 111/1959 والمرسوم الاشتراعي رقم 112/1959، كما اشترطوا أن تكون رواتب هؤلاء المتعاقدين مشابهة لسلسلة الرتب والرواتب، والملحوظة بموجب القانون رقم 717/1998 وتعديلاته، فضلاً عن إخضاع عمل هؤلاء المتعاقدين لسلطة هيئات الرقابة كالتفتيش المركزي ومجلس الخدمة المدنية وديوان المحاسبة.
إلا أن وزيرة المال ريا الحسن، مع فريقها الأكثري، لم تقبل بهذه الشروط، وأصرّت على مواصلة عمل مكتب UNDP كما كان، وهذا يرسم علامات استفهام كثيرة، ليس حول موقف الوزيرة الحسن، بل حول موقف من يدّعي التصدي للظواهر الشاذة المتراكمة في الإدارة اللبنانية، فصمت هؤلاء مريب جداً.
(الأخبار)
90 في المئة
هي نسبة تمويل مكاتب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في الإدارات العامّة من الموازنة، بحسب تصريح لرئيس لجنة المال والموازنة إبراهيم كنعان، الذي تساءل «لماذا لا تُعزز الكفاءات في هذه الإدارات وتُملأ الشواغر فيها بدلاً من صرف مبالغ طائلة على إدارات رديفة؟
لا أثر للمكتب
ليس هناك أي أثر لمكتب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP بصيغته القائمة في الوثائق الرسمية للأمم المتحدة، بل هناك مشروع محدد تحت عنوان «تطوير القدرات على الإصلاح الضريبي والإدارة الضريبية»، ويتضمن ثلاثة محاور رئيسة: (1) تعزيز الإصلاحات الضريبية التي حُقّقت بموجب القرار 92/017 ومأسستها. (2) تحديد جيل جديد من الإصلاحات وتنفيذها بالتماشي مع رؤية وزارة المال للقرن الواحد والعشرين. (3) تلبية جدول الأعمال الاقتصادي الخاص بالحكومة اللبنانية بعد مؤتمر باريس 3 والرامي إلى إعادة لبنان إلى موقعه الاقتصادي على أرضية سليمة من الناحيتين الضريبية والاقتصادية.