هربت السلطة السياسية.. فحسم الجيش أمره جنوباً
فاجأ قائد الجيش العماد ميشال سليمان، القيادة العسكرية في الجنوب بتجاهل كل التحذيرات والنصائح. قرر الذهاب الى الجنوب في عز «حرب تموز»، وعلى طول الطريق من بيروت الى صور، مروراً بالدامور وصيدا والقاسمية، كان يفاجئ العسكريين برمي التحية عليهم، داعياً لمواجهة العدوان بما يمتلكون من عزم وإرادة وإمكانات وأن يقفوا الى جانب المقاومين وأهل الجنوب.
لم ينتظر الجيش اللبناني أمرا يأتيه من السلطة السياسية لكي يقاتل العدوان ولا حتى يتوجه الى الجنوب. حصل ذلك بقرار من القيادة العسكرية.
أدمنت الحكومات المتعاقبة منذ الرابع عشر من شباط ,2005 لعبة الهرب في مواجهة الاستحقاقات السياسية أو رمي المسؤولية على الجيش.
حتى لحظة نصب «كمين البارد»، كان الخط البياني للجيش اللبناني على مدى سنتين، يتصاعد تدريجياً. تم اختبار العسكر في عدد من الاستحقاقات الداخلية المتتالية، وجاءت الوقائع لكي تقول إنه للمرة الأولى منذ منتصف الستينيات أصبح الجيش اللبناني عنصر إجماع وطنياً.
ثمة عناصر عدة ساهمت في هذه النقلة النوعية، أبرزها العقيدة القتالية للجيش اللبناني. وثانيها دور قيادته العسكرية بمعزل عما يمكن أن يعطى لها من من توصيفات او علامات. ولعل هرب السلطة السياسية من اتخاذ القرار السياسي جعل القائد في الميدان يتحمل مسؤوليته الوطنية. مسؤولية فوق السياسة والسياسيين. الثامن من آذار مرّ بهدوء، وبعده الرابع عشر من آذار. اعتمد ميشال سليمان قاعدة ذهبية ربما تتحول الى عرف في عمل المؤسسة العسكرية ودائماً ضمن التركيبة اللبنانية المعقدة: الدستور اقوى من السياسة وإذا كان ينص على حماية حرية التعبير، فواجبي ان احمي من يعبّرون حتى لو كان موقفي مخالفا لإرادة السلطة السياسية!
من قطوع الشوارع والساحات الى قطوع الاغتيالات والتفجيرات وإقفال الحدود اللبنانية السورية والمواقع الفلسطينية وحادثة الاشرفية وبعدها «بس مات وطن» وظاهرة الصواريخ «الطائشة» في الجنوب، وصولا الى الاستحقاق الكبير في «حرب تموز»... قبل أن يأتي لاحقاً «كمين البارد».
«لن يقف الجيش مكتوف الأيدي في مواجهة أي اعتداء اسرائيلي يتعرض له لبنان من أي نوع كان». بهذه الكلمات خاطب قائد الجيش هيئة الاركان في الأيام الأولى من «حرب تموز»، وأردف «كل سلاح موجه ضد اسرائيل ليس سلاحاً عدواً بل هو سلاح صديق». كان ميشال سليمان يقرأ من وحي العقيدة العسكرية والقتالية للجيش اللبناني.
ثمة صفحات كثيرة، سيأتي اليوم المناسب من أجل روايتها حول تناغم دور المقاومة والجيش اللبناني في «حرب تموز». الوقائع العسكرية والاستخباراتية كثيرة لكنها محفوظة ضمن الأرشيف العسكري.
على سبيل المثال لا الحصر، عندما أحكمت اسرائيل بالنار حصارها على مناطق شمال وجنوب الليطاني وحظرت انتقال الآليات المدنية على انواعها، بعثت عبر الأمم المتحدة برسالة الى الجيش اللبناني مفادها الآتي: يمكن استثناء آليات الجيش اللبناني وخاصة تلك التي تنقل التموين للعسكريين شرط أن تضع العلم اللبناني في الجهة الأمامية وتحديداً من جهة اليمين. سرعان ما جاء الجواب من قيادة الجيش «اذا قبلنا بذلك، نخون وطننا. هل يعقل أن نحول علم بلدنا الى نقطة علام للطائرات الاسرائيلية لكي تستثني آلياتنا. هذا أمر مرفوض نهائيا».
عندما تبلغ الاسرائيليون قرار الجيش، عبر الأمم المتحدة، سارعوا الى إرسال اقتراح آخر: أرسلوا لنا عبر «اليونيفيل» مواعيد تحرك آلياتكم ونعطي الأوامر للطائرات بعدم استهدافها. وكان الجواب بالرفض، وقررت قيادة الجيش صرف مبلغ يومي لكل العسكريين في الجنوب لكي يؤمنوا طعامهم من دون أن يصار الى ابرام اي اتفاق سري أو علني مع الاسرائيليين.
ثمة رواية شائعة، أنه في اللحظة التي حطت فيها وحدة الكوماندوس الاسرائيلية اقدامها على شاطئ صور الرملي، من جهة الشمال، حتى كان أحد ضباط الاحتلال يبادر للاتصال بالعامل على سنترال الهاتف في ثكنة صور العسكرية ويقول له «قواتنا على شاطئ صور الآن، ونطلب منكم الوقوف على الحياد». سرعان ما أعطيت الأوامر للجيش بالتعامل مع اي إنزال وهذا ما حصل عندما اشتبك جندي لبناني مع قوة «الكوماندوس» وأفشل محاولة اسرائيلية لأسر عدد من الكوادر المقاومين، حيث ردت اسرائيل سريعاً باستهداف موقع الجيش ما ادى الى سقوط شهداء وجرحى بين العسكريين والمقاومين على حد سواء.
لا يتوقف الشريط عند هذا الحد، لكن النقطة الأهم، أن قرار نشر الجيش اللبناني في الجنوب، اقترحته القيادة العسكرية في زحمة الانشغال الدبلوماسي والسياسي بقضية إرسال قوات متعددة الجنسيات أو قوات تابعة للامم المتحدة سواء تحت الفصل السادس أم السابع أو «الستة ونص».
بعد 28 عاماً من الغياب، تمركز 15 الف جندي لبناني في الجنوب الى جانب حوالى 15 الف من جنود «اليونيفيل»، وتزامن ذلك بعد فترة وجيزة مع نشر أكثر من ثمانية آلاف جندي على طول الحدود البرية بين لبنان وسوريا.
عاد العلم اللبناني يرفرف شامخاً فوق تلة اللبونة بعد غياب قسري ناهز الثلاثين عاماً.
لقد تعذر على الجيش بسبب «الكمين البارد» أن يكرم شهداءه الخمسين وجرحاه الذي وصلوا الى أربعمئة وخمسين جندياً إبان «حرب تموز»، لكن قيادة الجيش شددت في المناســـبة على «ان أي اعتداء مماثل للعدوان الاسرائيلي ضد لبنان في المستقبل لن يكون سهلاً على الإطلاق»، مؤكدة بقاء الجيش في الجنوب وعدم تراجعه امام أي تهديد.