سير الشهداء على ألسنة رفاقهم
تحضر سير الشهداء في جلسات شباب صريفا المنضوين في «الحزب الشيوعي». يتذكرونهم كأنهم لم يرحلوا عن هذه الدنيا بعد، أو كأن رحيلهم عن هذه الدنيا شهداء جعلهم أقرب إليهم من السابق. الشهادة عندهم تعني «حب الحياة إلى حدودها القصوى» أي إلى حدود التضحية في سبيلها. «نموت لنحيا بكرامة» هو شعار الذين بقوا على قيد الحياة، مصرّين على بقائهم لخوض أي مواجهة جديدة مع العدو. يعرفون مدى جهوزية حزب الله، وأن خوض المعركة يحتاج إلى سلاح متطوّر كالذي استخدمته المقاومة، «لكننا نبقى وإياهم يداً بيد في انتظار العدو حتى تطأ أقدامه أرض قرانا لنعلّمه كيف يكون القتال».
الاستشهاد فتح المجال لرواية قصص مضى عليها زمن طويل، كيف واجه هؤلاء العدو في حروب سابقة، وكيف كانوا يدرّبون الشباب على استخدام السلاح ضمن هاجس الحفاظ على الذخيرة لصعوبة الحصول عليها اليوم بسبب الحصار الذي يعيشه هذا الحزب.
أحمد سليم نجدي أو «أبو سهى»، يبلغ من العمر أربعة وأربعين عاماً، بدأ عمله المقاوم مع بدايات «جبهة المقاومة الوطنية» بعد نداء الشهيد جورج حاوي ومحسن إبراهيم في 16 أيلول 1982. التصق بالسلاح، من دون أن يُخبر أحداً قصص المواجهات، رغم أن الذين عملوا معه في المجموعة العسكرية يروون عنه الكثير. فهو شارك في عددٍ كبير من العمليات النوعية، منها عملية «أسرى ديرسريان» عام 1989 التي كان من المفترض أن تأسر جنوداً للعدو لمبادلتهم بالأسرى اللبنانيين، فأُسرت مجموعة مقاومة على بُعد 20 متراً منه، لكنه بقي في موقعه، حتى استطاع إنقاذ مجموعته. ويُعرف عنه أنه والد حنون جداً، وهو كان يحمل صور أبنائه الثلاثة، وقال لرفاقه: «مش حرام استشهد بلا ما شوفهم». اليوم، يزيّن سلاح «أبو سهى» الشخصي مكتب الأمين العام لـ«الحزب الشيوعي اللبناني» الدكتور خالد حدادة، فهو كان قائد المجموعة التي استشهدت.
محمد علي نجدي، المعروف بـ«العين الراصدة» أو «جهاز الرادار» الذي تعوّد أن يمد «جبهة المقاومة بالمعلومات»، أو «العصفور»، نجا من الموت المحتم في عدوان تموز 1996 عندما سقطت قذيفة في قنوات الصرف الصحي على بُعد ثلاثة أمتار منه. توقف عمره عند السابعة والثلاثين، أمضى معظمها مقاوماً في صفوف جبهة المقاومة الوطنية. المعروف عن «العصفور» دقّته وحضوره في النقاط الضرورية، فهو من أهم الكوادر الشيوعية التي عملت في رصد تحركات العدو وعملائه طيلة فترة الاحتلال.
أما الشهيد علي نجدي، المولود في الأول من آذار 1976. فقد استحم في صباح يوم المجزرة. ارتدى ثياباً يحبها، ووضع «الجل» على رأسه. عندما رآه «الرفاق» سألوه عن سرّ «هذه البرزة» فأجابهم: «مش أفضل استشهد أنا ومرتب هيك».
علي الناشط والنشيط في «اتحاد الشباب الديموقراطي» منذ سنوات، معروف بتهذيبه الفائق. يقول أحد أصدقائه مستذكراً: «لم أسمعه يوماً يقول كلاماً بذيئاً». قبل استشهاده عمل جابياً في شركتي الكهرباء والماء، ولذلك كان لاستشهاده وقع على أبناء القرى المجاورة الذين تعوّدوا عليه.
يتذكّر أحد رفاقه في الاتحاد، أنه رافق خلال انعقاد المؤتمر السادس للاتحاد، علي إلى منزل أحد الرفاق للمبيت لديه. وصل علي وغسّل ثم مدّ «المصلية» وصلّى. فوجئ هذا الرفيق قبل أن يدرك أن علي مؤمن ويُمارس شعائره الدينية بانتظام، ولو كان شيوعياً.