محمد رعد يفنّد لاقانونية وتسييس المحكمة الدولية في إنشائها ووضعها ومسارها
عقد رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب اللبناني محمد رعد مؤتمراً صحفياً قبل ظهر اليوم في المجلس النيابي قدم خلاله بمعاونة العضو السابق للمجلس الدستوري القاضي سليم جريصاتي مطالعة قانونية موسعة تأتي في سياق الإطلالات السابقة للأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله، ولتكمل الشرح التقني الذي قدمته لجنة الإتصالات النيابية في الحادي والعشرين من تشرين الثاني/أكتوبر المنصرم حول القرصنة الإسرائيلية على شبكة الاتصالات اللبنانية بفرعيها الثابت والخلوي .
وتطرق رعد إلى الشق القانوني للمحكمة الدولية ومسار عملها ومجافاته الأصول والمبادئ القانونية والدستورية، والى الملابسات التي رافقت إقرار نظام المحكمة في مجلس الأمن الدولي تحت الفصل السابع، في تجاوزٍ للدستور اللبناني وللمؤسسات، وخصوصاً رئاسة الجمهورية والمجلس النيابي .
واشار رعد الى موضوع انشاء المحكمة اولاً وقال ان "انشاء المحكمة منذ البداية كان التفافا واضحا على القانون اللبناني والدولي وتجاوزا لسيادة لبنان ومؤسساته الدستورية. ورغم ذلك حصل تشجيع من المجتمع الدولي لحكومة غير شرعية على ممارسة سلطة الامر الواقع ".
وأكد أن "آلية إقرار المحكمة الدولية تخطت الدولة اللبنانية ودستورها وهُربت من قبل حكومة غير شرعية دون أن يتم تصديقها وفقا للدستور وضمن الأطر الدستورية هذا ولم يوقع عليها رئيس الجمهورية ولم يصدقها المجلس النيابي"، معتبراً أن هذا الأمر يشكل "اختزالاً ومصادرة لصلاحيات رئيس الجمهورية من قبل حكومة هي بالأصل فاقدة للشرعية ".
واعتبر ان نظام المحكمة "جاء استجابة لمصالح الدول الكبرى الراعية لمجلس الامن ما يجعل المحكمة اداة لخدمة سياسات الدول صاحبة النفوذ التي تعمل دائما على تصفية حساباتها مع الاطراف او القوى او الدول المعارضة او لمعترضة ".
وقال "ان محكمة مسيسة لا تلتزم باعلى معايير العدالة هي محكمة لا ينتظر منها احقاق حق ولا اقامة عدل بل لن يفاجئنا ان تكون قوس عبور لوصايات دولية على لبنان وعلى امنه واستقراره وسيادته ".
وتوقف رعد عند "تنصل المحكمة من شهود الزور"، فأشار رعد إلى أن "المادة 28 من النظام الأساسي الملحق بالقرار 1757 تنص على أن المحكمة ستعتمد اعلى المعايير الدولية في مجال العدالة الجنائية"، متسائلاً "أي عدالة تلك يكون فيها شاهد الزور محصنا وعصيا على كل مساءلة قضائية؟".
وتحدث رعد عن "انتهاك مبدأ السرية" فلفت إلى أن التسريبات الصحافية والتصريحات الرسمية التي تناولت التحقيق الدولي نقلا عن مصادر فيه لم تعد خافية على أحد وهي التي انتشرت منذ الساعات والأسابيع الأولى للاغتيال. وعدّد رعد أمثلة على ذلك شملت صحيفة "السياسة" الكويتية (21 أيار 2005)، صحيفة "لو فيغارو" الفرنسية (19 آب 2006)، صحيفة "السياسة" الكويتية (28 آذار 2009)، مجلة "دير شبيغل" الالمانية (23 أيار 2009)، موقع "ايلاف" (8 تموز 2009)، صحيفة "لو موند" الفرنسية (14 شباط 2010)، ومؤخرا "سي بي سي" الكندية والعديد من المقالات الاخرى التي تبيّن أن مضامينها مستقاة من مصادر مطلعة في التحقيق الدولي. وخلص رعد إلى أنّ هذه التسريبات لم تحصل بشكل عفوي وإنما هي متعمدة من قبل افراد في التحقيق الدولي والقصد منها هو القدح والذم والافتراء على المقاومة بمعزل عن القرار الاتهامي توقيتا ومضمونا .
وتناول رعد تحت عنوان "المريب في قواعد الاجراءات والاثبات" ما يثيره النظام الاساسي للمحكمة من شكوك حيث انه وبحسب النظام الاساسي للمحكمة الخاصة بلبنان والذي فرض بموجب القرار 1757 المتخذ تحت الفصل السابع فان قضاة المحكمة هم الذين يضعون قواعد الاجراءات والاثبات ويقومون بتعديلها عند الحاجة ما يمسّ بمبدأ استقرار القوانين المرعية الاجراء". واضاف ان القاعدة 5 من قواعد الاجراءات والاثبات تتيح لقضاة المحكمة انفسهم تعديل هذه القواعد لا بل ان بعض التعديلات ممكنة باصوات 7 من اصل 11 وهذا يهمش الدور اللبناني لان القضاة اللبنانيين عددهم 4 فقط ما يعني انهم غير قادرين على فرض او حتى منع اجراء بعض التعديلات.
و لفت رعد إلى أنّ المحكمة الخاصة بلبنان تتجه لاعتماد الادلة الظرفية بدلا من الادلة القطعية كون الادلة القطعية بحسب رئيس المحكمة أنطونيو كاسيزي غير متوافرة في القضايا الارهابية لصعوبة الحصول عليها
وتحت عنوان"القيمة الثبوتية لدليل الاتصالات"، اشار الى ان التسريبات أوحت بأن التحقيق الدولي اعتمد على دليل الاتصالات المتعلق بتزامنات في المكان بين هواتف مشتبهة بارتكاب الاعتداء وهواتف اخرى تعود لافراد محددين.
واشار رعد الى الهواجس والملاحظات حول المحكمة عرض حزب الله جزءاً منها لمندوبي المحكمة في لقاء مباشر في 30 آذار 2010 "وانتظرنا منهم أجوبة لكن دون جدوى، علما أننا كنا نتلقى وعودا بقرب الرد على أسئلتنا فتبين أن في الأمر مماطلة واضحة وتقطيع للوقت ".
القاضي جريصاتي اشار الى ان المحكمة الدولية وتقارير ميليس انتهكت سرية التحقيق، مؤكداً ان هذا من شانه إبطال التحقيق . ولفت الى ان آلية إقرار المحكمة الدولية تجاوزت الدولة اللبنانية والدستور اللبناني كلياً لا سيما المادة 52 منه التي تولي رئيس الجمهورية صلاحية تولّي المفاوضات في عقد الاتفاقات الدولية.
و تحت عنوان "الريبة في صلاحية القضاة وضع وتعديل القواعد" قال جريصاتي ان "الريبة تبدأ في أن قضاة المحكمة الدولية يضعون قواعد الإجراءات والإثبات ويعدلونها ويكيفونها كما يشاؤون. وهذا غير مألوف وغير معتاد على الإطلاق في المحاكمات الجنائية الفردية. وسأل هل من ريبة أكبر من تلك المتأتية من إجراءات محاكمة توضع وتكيف وتعدل باستنساب القضاة أنفسهم بعد توليهم مناصبهم ومباشرة المحكمة عملها.
ولفت جريصاتي الى انه لا يوجد في المذكرات الموقعة مع المحكمة الدولية ما يلزم الدولة اللبنانية تقديم كامل "داتا" معلومات الاتصالات .
وراى جريصاتي ان الادلة المباشرة هي الادلة الاكثر مصداقية وانطباقا مع معايير العدالة .
واعتبر ان المحكمة أغفلت عمداً شهادات الزور متذرعة بأنها أعطيب قبل نفاذ الاجراءات المعتمدة لديها .
جريصاتي قرأ مقتطفا بموضوع تسييس المحاكم الدولية من دراسة منشورة لرئيس المحكمة انطونيو كاسيزي يقول :
"تميل الدول العظمى الى المتناع عن اللجوء الى العدالة الدولية الا في حال توسلها لاغراض ديبلوماسية اي كوسيلة ضغط على الخصم كما هي الحال بصورة ابرز بالنسبة للعقوبات الاقتصادية والتهديد بالضربات الجوية. ان المحاكم الدولية لا يمكن انشاؤها الا نتيجة مفاوضات ديبلوماسية ان العدالة تتولد عن الديبلوماسية إن لدى السياسيين الديبلوماسيين الامكانية التي يلجؤون اليها في ابقاء عمل المحاكم تحت سيطرتهم بواسطة الوسائل المالية أو الضغوط المعنوية، واضاف جريصاتي: أخيرا يخلص انطونيو كاسيزي في مقاله: "في الخلاصة، ان المحاكم الجنائية الدولية هي في مجملها شديدة التبعية السياسية والديبلوماسية، وبتعبير آخر خاضعة لهما أكثر من أية محكمة وطنية بما فيها المحاكم العليا". هذا الكلام هو برسم الرئيس انطونيو كاسيزي.
* نص المؤتمر الصحفي
فهرس
ـ مقدمة عامة
ـ اولاً: إنشاء المحكمة
أـ مقدمة
ب ـ إنشاء المحكمة الخاصة تجاوز الدستور اللبناني
ج ـ مجلس الامن تخطى السيادة اللبنانية
ثانياً: تنصل المحكمة من الشهود الزور
ـ مقدمة
ـ الارتباط بين المحكمة الخاصة ولجنة التحقيق
ـ التذرع بانتفاء الولاية
ـ المحكمة اوجدت توصيفاً جرمياً جديداً لشهادة الزور
ثالثاً: انتهاك مبدأ السرية
ـ مقدمة
ـ سرية التحقيق مبدأ سائد في مختلف القوانين الجنائية
ـ سرية التحقيق منتهكة في التحقيق الدولي
رابعاً: المريب في قواعد الاجراءات والإثبات
ـ مقدمة
ـ الريبة في صلاحية القضاة في وضع القواعد وتعديلها
ـ القاعدة 20 تمثل الوصاية القضائية والسياسية عى لبنان
ـ أمثلة على الثغرات التي تتيح التلفيق وتشويش التحقيق
خامساً: طلب قواعد بيانات كاملة ومتابعة تحديثها بشكل دوري
ـ مقدمة
ـ مخالفة قواعد الاجراءات ومذكرة التفاهم
ـ انتهاك مبدأ السيادة الوطنية
سادساً: اعتماد الادلة الظرفية دون وجود شهود مباشرين
ـ مقدمة
ـ الادلة الظرفية: عرض موجز
ـ الادلة المباشرة: عرض موجز
ـ مقاربة كاسيزي للأدلة الظرفية
ـ مقاربة بلمار للأدلة الظرفية
ـ الادلة الظرفية التي يمكن الركون اليها في معرض تحقيق جنائي
سابعاً: القيمة الثبوتية لدليل الاتصالات
ـ خاتمة
إن المتتبع لمسار الأزمة السياسية في لبنان، منذ صدور القرار الدولي رقم 1559 وما أحدثه من تصدع في الأوضاع العامة للبلاد ومن تدهور للإستقرار على المستوى السياسي والأمني، يلحظ بوضوح أن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي أُنشئت بموجب القرار الدولي رقم 1757 الصادر تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة بتاريخ 30 أيار 2007 قد فاقمت حالة التدهور الداخلي والإنقسام بين اللبنانيين وشرّعت البلاد أمام تدخل فاضح للقوى الدولية الغربية وشكلت مدخلاً واسعاً وغطاءً للتسلل الإسرائيلي الى عمق قطاعات حيوية والسيطرة على بعضها سيطرة كاملة كما ثبت على صعيد الإتصالات وقواعد البيانات الرسمية لكثير من الأجهزة والمؤسسات والمرافق العامة اللبنانية .
وإذا كانت الحقيقة والعدالة مطلباً إجماعياً لبنانياً فإن الآلية التي اعتمدت لتحقيق ذلك، والظروف والتدخلات الدولية المريبة والأداء والتجاوزات الدستورية والقانونية التي أحاطت بها منذ تشكيلها الى وقتنا الحاضر حوّلت المحكمة الخاصة الى أداة وظيفية لتمرير مشاريع دولية على حساب مصلحة لبنان وأمنه وسيادته والى عامل تهديد فعلي للإستقرار فيه .
لقد قيل الكثير حول المحكمة الدولية ودورها والهدف من إنشائها وتركيبتها ونفوذ القوى الدولية فيها وسيُقال ويُكشف الكثير عنها أيضاً في المستقبل .
إلا أن هذا المؤتمر هدفه تسليط الضوء على الجانب القانوني حصراً من عمل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وما يعتري هذا الجانب من إلتباسات وإشكالات في بنيته ومنهجية وقواعد العمل المعتمدة فيه، والتي من شأنها أن تُقوّض الثقة بإمكانية الوصول الى كشف الحقيقة وتحقيق العدالة .
منذ إنطلاقة التحقيق الدولي ومن ثم أعمال المحكمة الخاصة ، تراكمت لدينا جملة من الملاحظات والهواجس والإستفسارات. اُتيح لنا أن نطرح جزءا منها على مندوبي المحكمة في لقاء مباشر جرى بتاريخ 30 آذار 2010 .. وانتظرنا منهم أجوبة طوال الفترة الماضية ولكن دون جدوى ..، علماً بأننا كنا دائماً نتلقى وعوداً بقرب الرد الى أن تبين في النهاية أن الأمر لا يعدو كونه مماطلة واضحة وتقطيعاً مقصوداً للوقت .
اليوم نضع بين يدي الرأي العام بعضاً من تلك الهواجس والإستفسارات التي طرحناها في ذلك التاريخ :
التسريبات التي تناقلتها وسائل إعلام عربية وغربية، هي تسريبات متعمّدة ولها أهداف سياسية واضحة، مكّنت بعض الخصوم السياسيين من توظيفها المغرض وإجراء محاكمات إعلامية وسياسية .
هناك مرحلة سياسية امتدت لسنوات، تأسست في ضوء التحقيقات والتسريبات آنذاك، وأدت إفادات شهود الزور الى تغيير السلطة السياسية في البلاد وترتّب عليها توقيف عدد من الأشخاص لسنوات دون وجه حق ... ورغم أن الموقوفين قد تم الإفراج عنهم لاحقاً، إلا أنه لم تتوضح بعد موجبات التوقيف ومصير الشهود الذين ضللوا التحقيق .
لماذا سلك التحقيق مسار الإتهام لسوريا على مدى أربع سنوات، وتحوّل الآن نحو مسار آخر؟
على أي جهاز أمني في لبنان يعتمد محققو المحكمة؟ وإذا كان الإعتماد عليه سابقاً قد أوصل التحقيق الى نتائج مضللة، فإن الإصرار على الإعتماد عليه فيما بعد، يعني إصراراً على الخطأ في توسل آليات لا يصح الإعتماد عليها؟
5) ما هو الدور الإسرائيلي في التحقيق؟ وهل يُعتبر الكيان الغاصب واحداً من مصادر المعلومات التي اعتمدها المحققون؟ وهل سبق وأن نقلت المحكمة أو لجنة التحقيق الدولية أي معلومات الى لاهاي عبر “إسرائيل”؟
هذه الأسئلة إضافة الى أسئلة أخرى طرحناها على مندوبي المحكمة في 30 آذار 2010 ولم تصلنا الإجابة عليها حتى الآن .
خلاصة القول: إننا أكدّنا في حينه عدة أمور أبرزها: أن ملاحقة شهود الزور هي المدخل الوحيد لإعادة الإعتبار الى صدقية التحقيق وإعادة بناء الثقة به، ولكن دون جدوى، لا بل زاد الطين بلّة: التنظير لأدلة ظرفية غير مباشرة والتلميح بدليل الإتصالات الهاتفية المتزامنة كأحد ركائز التحقيق ...
كل هذا دفعنا لإعادة النظر في كل الجوانب القانونية والقضائية لهذه المحكمة، والتي سنعرضها اليوم بشكل علمي وموضوعي لكي تكون مادةً مبسطة ومفهومة، نضعها أمام الرأي العام في لبنان والعالمين العربي والإسلامي .
وهذه المادة هي نتاج جهد متكامل لفريق من الحقوقيين المختصين وهي تتضمن سبع نقاط سأعرضها نقطة نقطة، متعاوناً في ذلك مع رجل قانون متمرّس ومحامٍ وعضو المجلس الدستوري سابقاً عريق ومعروف، هو الرئيس سليم جريصاتي الذي سيتولى مشكوراً تقديم التوضيحات القانونية اللازمة .
إنشاء المحكمة
إن آلية إقرار المحكمة الدولية تخطت الدولة اللبنانية ودستورها وهُرّبت من قبل حكومة فاقدة للشرعية دون أن يتم تصديقها وفقاً للدستور وضمن الأطر الدستورية، ولم يوقّع على اتفاقيتها فخامة رئيس الجمهورية كما لم يُصدّقها المجلس النيابي .
تم اختزال ومصادرة صلاحيات رئيس الجمهورية ومجلس النواب معاً من قبل حكومة هي بالأصل فاقدة للشرعية .
إن إنشاء المحكمة منذ البداية كان التفافاً واضحاً على القانون اللبناني والدولي وتجاوزاً لسيادة لبنان ومؤسساته الدستورية، ورغم ذلك فقد حصل تشجيع من المجتمع الدولي لحكومة غير شرعية على ممارسة سلطة الأمر الواقع. كل ذلك بغية تحقيق أهداف سياسية كبرى تجاوزت معايير العدالة الدولية .
إن نظام المحكمة أقرته إرادة دولية تجاوزت الإرادة الوطنية والمؤسسات الدستورية اللبنانية، وجاء استجابة لمصالح الدول الكبرى الراعية لمجلس الأمن، بمعزل عن إرادة ومصالح لبنان واللبنانيين، ما يجعل المحكمة أداة لخدمة سياسات الدول صاحبة النفوذ، والتي تعمل دائماً لتصفية حساباتها مع الأطراف أو القوى أو الدول المعارضة أو المعترضة .
إن آلية إقرار المحكمة الخاصة بلبنان تجاوزت الدولة اللبنانية والدستور اللبناني كلياً، لا سيما المادة 52 منه التي تولي رئيس الجمهورية صلاحية تولي المفاوضة في عقد الإتفاقات الدولية وذلك ضمن السياق التالي :
مرحلة المبادرة الى المفاوضة .
إبرام الإتفاقية بالإتفاق مع رئيس الحكومة .
عرضها على مجلس الوزراء لإتخاذ القرار بشأنها (مرحلة الإنبرام الإجرائي ).
عرضها على مجلس النواب حال تضمنت شروطاً تتعلق بمالية الدولة أو في حال عدم جواز فسخها سنة فسنة (مرحلة الإنبرام التشريعي ).
إصدار قانون الإتفاقية ونشره بمرسوم موقّع من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء .
بالنسبة للمحكمة الخاصة بلبنان فقد تم إختزال هذه الآلية من خلال :
تجاوز صلاحيات رئيس الجمهورية في إطلاق المفاوضة في عقد الإتفاقات الدولية، ومن ثم إبرامها بالإتفاق مع رئيس الحكومة، ومن ثم إصدارها ونشرها بمرسوم جمهوري بعد تصديقها من مجلس النواب .
اختزال صلاحيات مجلس النواب الذي تم تغييبه بالكامل عن هذه الآلية .
إعتماد إقرار المحكمة على قيام حكومة فؤاد السنيورة غير الشرعية آنذاك بإرسال كتب رسمية الى أمين عام الأمم المتحدة يطلب فيها أن يصدر قرار عن مجلس الأمن بنفاذ مشروع الإتفاق مع لبنان ونظام المحكمة دون موافقة السلطات الدستورية اللبنانية المختصة .
ذكر الرئيس السنيورة في رسالته (14 أيار 2007) الى الأمين العام للأمم المتحدة أن الأغلبية البرلمانية أعربت عن تأييدها للمحكمة، وكان المقصود هو عريضة النواب وليس الهيئة العامة لمجلس النواب، وهذا يعتبر تزويراً وتوسلاً لأعلى سلطة دولية لغايات سياسية داخلية أو إقليمية مشبوهة، وأشار القرار 1757 في بناءاته نقلاً عن رسالة السنيورة إلى أن الأغلبية البرلمانية أعربت عن تأييدها للمحكمة، وأن رئيس الحكومة التمس عرض طلبه بإنشاء المحكمة الخاصة على مجلس الأمن “على سبيل الإستعجال ”.
إن خمسة أعضاء من أصل 15 عضواً في مجلس الأمن لم يصوّتوا على القرار 1757 (الذي أنشأ المحكمة بموجب الفصل السابع)، لا بل اعتبروا أنه لا يجوز تخطي الأمم المتحدة للسيادة اللبنانية، وأن إقرار المحكمة بهذه الصيغة تجاوز السيادة اللبنانية .
إن القرار 1757 ذاته قد إعتبر ،عطفاً على الإحاطة التي قدمها نيكولا ميشال المستشار القانوني في الأمم المتحدة، أن إنشاء المحكمة عن طريق العملية الدستورية في لبنان يواجه عقبات حقيقية، ما يؤكد أن إنشاء المحكمة لم يتم وفق الآلية الدستورية المعتمدة في إقرار المعاهدات الدولية .
تنصل المحكمة من شهود الزور
المادة 28 من النظام الأساسي الملحق بالقرار 1757 تنص على أن المحكمة ستعتمد أعلى المعايير الدولية في مجال العدالة الجنائية، السؤال: أي عدالة تلك التي يكون فيها شاهد الزور محصناً وعصياً على كل مساءلة قضائية؟
عمل فريق مكتب المدعي العام للمحكمة الخاصة بلبنان (السيد دانيال بلمار) على إيجاد الفتاوى القانونية التي تُبرر عدم ملاحقة شهود الزور وليس العكس، وهي تبريرات واهية يتضح منها وجود نية مسبقة لعدم الملاحقة، في حين أن الحريص على معرفة الحقيقة يعمل على إيجاد التبريرات التي تُتيح له الملاحقة وليس العكس على اعتبار أن مُساءلة شهود الزور تحمل قيمة تحقيقية تخدم في كشف المضلِّلين والمستفيدين وربما الفاعلين أيضاً .
الارتباط بين المحكمة الخاصة ولجنة التحقيق
ورد في نص القرار 1757: “تبدأ المحكمة الخاصة عملها في تاريخ يحدده الأمين العام بالتشاور مع الحكومة اللبنانية، مع مراعاة التقدم المحرز في أعمال لجنة التحقيق الدولية المستقلة”، وهذا ما ورد أصلاً في نص الإتفاق المرفق بالقرار 1757 (المادة 19- بدء نفاذ ومباشرة المحكمة الخاصة أعمالها ).
ورد في نص النظام الأساسي للمحكمة (المادة 19): تتلقى المحكمة الأدلة التي تم جمعها فيما يتصل بقضايا خاضعة لنظر المحكمة الخاصة، قبل إنشاء المحكمة، وقامت بجمعها السلطات الوطنية في لبنان أو لجنة التحقيق الدولية المستقلة وفقاً لولايتها المحددة في قرار مجلس الأمن 1595 (2005) والقرارات اللاحقة، وتقرر دوائر المحكمة مقبولية هذه الأدلة عملاً بالمعايير الدولية المتعلقة بجمع الأدلة. ويعود لدوائر المحكمة تقييم أهمية هذه الأدلة .
هذا يعني أن تقييم الأدلة التي جمعتها لجنة التحقيق الدولية هي من اختصاص دوائر المحكمة ولذا بالإمكان ضمها الى قرارات الإتهام .
وعملاً بذلك يقول قاضي الإجراءات التمهيدية دانيال فرانسين في نص القرار الذي صدر عنه في 29 نيسان 2009 (الفقرة 12) إن “المعلومات التي بحوزته (المدعي العام) حالياً ليست موثوقة بما فيه الكفاية لتبرير توجيه الإتهام إلى الأشخاص الموقوفين ”.
بناءً عليه يتضح وجود ارتباط عضوي بين صلاحية المحكمة في قضية اغتيال الرئيس الحريري وبين ملاحقة الشهود الزور الذين برزوا أثناء المسار التحقيقي الأول لهذه القضية، أي خلال مرحلة عمل لجنة التحقيق الدولية .
التذرع بانتفاء الولاية
القاعدة 152 من قواعد الإجراءات والإثبات )شهادة الزور بعد حلف اليمين( تصف جرم شهادة الزور أمام الغُرف وبعد حلف اليمين وتحدد إجراءات محاكمته وعقوبته .
القاعدة الأولى من قواعد الإجراءات والإثبات تنص على أن كل القواعد تبدأ حيز التنفيذ في 20 آذار 2009 .
النتيجة :
شهادات الزور السابقة لتلك القواعد لا تتناولها أحكامها بصورة رجعية لأن المحكمة منذ البداية التزمت 20 آذار 2009 كتاريخ لبدء نفاذ القواعد، وأغفلت هذه الشهادات المعنية بهذا الجرم والتي أتت في معرض التحقيق الدولي السابق لهذا التاريخ ، وهذه التجزئة الزمنية غير جائزة نظراً لتلازم مراحل التحقيق الدولي وترابطها واستتباعها حكماً بمرحلة المحاكمة .
لم تكتفِ المحكمة بهذا التبرير بل تم التذرع أيضاً بأن هذا الملف خارج عن ولايتها المقتصرة بحسب القرار 1757 (2007) ومرفقاته على محاكمة الأشخاص المسؤولين عن اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه والهجمات المتلازمة، حيث تذرع المدعي العام أنه لا يُمكن النظر في غير الجرائم المنصوص عليها في النظام الأساسي (المادتان1-2)، والتي يجب تفسير أحكامها تفسيراً ضيقاً (مذكرة المدعي العام حول اختصاص المحكمة الفصل في طلب اللواء السيد المؤرخ 17 آذار 2010 ).
علماً بأن ولاية المحكمة هذه تشمل حكماً وبارتباط عضوي ملاحقة الشهود الزور لأن شهادة الزور تندرج في هذه الولاية حكماً كون المسألة هي بطبيعتها مسألة اعتراضية .
إلا أن بلمار وقضاة المحكمة ومن منطلق التهرب من ممارسة هذه الولاية والنظر بهذه الجريمة تحصّنوا بقواعد الإجراءات والإثبات .
المحكمة أوجدتتوصيفاً جرمياً جديداً لشهادة الزور
إن المادة 2 من النظام الأساسي تحت عنوان "القانون الجنائي الواجب التطبيق" تنص على أن المرجعية النصية للملاحقة القضائية والمعاقبة على الجرائم هي أحكام قانون العقوبات اللبناني المتعلقة بالملاحقة والمعاقبة على الأعمال الإرهابية والجرائم والجنح التي ترتكب ضد حياة الأشخاص وسلامتهم الشخصية والتجمعات غير المشروعة وعدم الإبلاغ عن الجرائم والجنح بما في ذلك القواعد المتعلقة بالعناصر المادية للجريمة والمشاركة فيها والتآمر لارتكابها .
المواد 407 الى 411 من قانون العقوبات توصّف هذا الجرم وتحدد عقوبته سواء أديت شهادة الزور في أثناء تحقيق جنائي أو محاكمة جنائية, بعد حلف اليمين أو بدونه (فإذا لم يتم حلف اليمين قبل الشهادة, تخفض العقوبة الى النصف فقط , دون أي تغيير في الوصف الجرمي ).
لذلك فإن قيام المحكمة بمحاولة الفصل بين شهادة الزور بعد حلف اليمين (القاعدة 152) وتحقير المحكمة حال الإدلاء بشهادة كاذبة أثناء التحقيق (القاعدة 60مكرر) هو بمثابة استحداث توصيف جرمي جديد لشهادة الزور يخالف التوصيف الوارد في المادة 408 عقوبات ( قانون العقوبات اللبناني ).
كل ذلك كان للتنصل من مسؤولية ملاحقة الشهود الزور الذين ضللوا التحقيق في هذه الجريمة .
إنتهاك مبدأ السرية
لم تعد خافيةً على أحد، التسريبات الصحفية والتصريحات الرسمية التي تناولت التحقيق الدولي نقلاً عن مصادر فيه، منذ الساعات والأسابيع الأولى للإغتيال :
“السياسة ” الكويتية بتاريخ 21 أيار 2005 . * “لوفيغارو” الفرنسية بتاريخ 19 آب 2006 .
“السياسة” الكويتية بتاريخ 28 آذار 2009. * “دير شبيغل” الألمانية بتاريخ 23 أيار 2009 .
موقع “إيلاف ” بتاريخ 8 تموز 2009 .
“لوموند” الفرنسية بتاريخ 14 شباط 2010، ومؤخراً الـCBC الكندية والعديد من المقالات الأخرى التي تبين أن مضامينها مستقاة من مصادر مطلعة في التحقيق الدولي .
وبناءً عليه فإن هذه التسريبات لم تحصل بشكل عفوي، وإنما هي متعمدة من قبل أفراد في التحقيق الدولي، والقصد منها هو القدح والذم والإفتراء على المقاومة بمعزل عن القرار الإتهامي توقيتاً ومضموناً، وهذا استثمار واضح لحركة قضائية يُفترض بها أن تُحافظ على قرينة البراءة حتى تثبت الإدانة، لا بل هو انتهاك لمبدأ سرية التحقيق الذي هو من أبسط المعايير الدولية للعدالة .
إن مبدأ سرية التحقيق هو مبدأ سائد في مختلف قوانين أصول المحاكمات الجزائية، على غرار مبدأ شمولية التحقيق .
المادة 53 من قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني لحظت صراحةً مبدأ سرية التحقيق، فنصّت على أن التحقيق يبقى سرياً حتى إحالة الدعوى على قضاء الحكم، باستثناء ما يتعلق بالقرار الظني الذي هو قرار علني، بحيث يتعرض كل من يُفشي سرية التحقيق للملاحقة أمام القاضي المنفرد الجزائي ويُعاقب بالحبس من شهر الى سنة أو بالغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين .
إن من شأن انتهاك مبدأ سرية التحقيق عند اعتماد أعلى معايير العدالة الجنائية الدولية أن يُبطل التحقيق لا سيما إذا ما تم استخدامه لغايات سياسية محلية أو اقليمية من شأنها تقويض السلم الأهلي أو الإقليمي وهو ما يتعارض مع مقاصد ميثاق الأمم المتحدة .
سرية التحقيق منتهكة في التحقيق الدولي
إن مبدأ سرية التحقيق منتهك بالنسبة للتحقيق الدولي على عدة مستويات :
المستوى الأول: ألزمت قرارات مجلس الأمن ذات الصلة لجنة التحقيق الدولية المستقلة بنشر تقارير عن تقدم أعمالها، وهذه التقارير بذاتها – مهما بلغ مستوى الإحتياط فيها – تنتهك مبدأ سرية التحقيق، والتقارير الأولى لديتليف ميليس خير شاهد على ذلك .
المستوى الثاني: إن العديد من الصحف العربية والأجنبية والإعلام المرئي والمواقع الإلكترونية تناول منذ سنوات مسائل التحقيق المختلفة، والتي تبين مع الوقت، من حيث مضمونها وإستهدافها أنها مستقاة من مصادر التحقيق، وفي هذا إنتهاك واضح لسرية التحقيق .
المستوى الثالث: قام العديد من المسؤولين اللبنانيين والإقليميين والدوليين وقادة عسكريون في كيان العدو الصهيوني بإلإدلاء بتصاريح عن مضمون القرار الإتهامي المرتقب وموعد صدوره .
المستوى الرابع: إن تسريب بعض مفاصل التحقيق تم استخدامه لأغراض سياسية محلية، فأصبح كأنه حلقة من حلقات مشروع سياسي كبير .
المريب في قواعد الإجراءات والإثبات
بحسب النظام الأساسي للمحكمة الخاصة بلبنان والذي فُرض بموجب القرار 1757 (2007) المتخذ تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، فإن قضاة المحكمة هم الذين يضعون قواعد الإجراءات والإثبات ويقومون بتعديلها عند الحاجة ما يمس بمبدأ إستقرار القوانين الإجرائية الجزائية المرعية بمعرض محاكمة جنائية .
القاعدة 5 من قواعد الإجراءات والإثبات تُتيح لقضاة المحكمة أنفسهم تعديل هذه القواعد، لا بل أن بعض التعديلات ممكنة بأصوات 7 من أصل 11، وهذا يُهمش الدور اللبناني لأن القضاة اللبنانيين عددهم 4 فقط، أي أنهم غير قادرين على فرض أو حتى منع إقرار بعض التعديلات، وهذا بذاته يفتح باب الإستنساب والتكيّف خصوصاً حين تتزايد التدخلات السياسية والإستخبارية في قواعد عمل المحكمة وإجراءاتها وهو ما لا يستطيع أحد تنزيه المحكمة عنه .
فما هي أبرز الثغرات في قواعد الإجراءات والإثبات؟
الريبة في صلاحية القضاة وضع وتعديل القواعد
الريبة تبدأ في أن قضاة المحكمة الدولية يضعون قواعد الإجراءات والإثبات ويعدّلونها ويكيّفونها كما يشاؤون، وهذا غير مألوف وغير معتاد على الإطلاق في المحاكمات الجنائية الفردية. فهل من ريبة أكبر من تلك المتأتية من إجراءات محاكمة توضع وتُكَيّف وتُعدّل باستنساب القضاة أنفسهم بعد توليهم مناصبهم ومباشرة المحكمة عملها .
إن هذه القواعد مقتبسة عن أنظمة محاكم جنائية دولية أُنشئت للنظر في جرائم ضد الإنسانية جرت في دول مندثرة وغائبة عنها القوانين المرعية، علماً بأن الجرائم ضد الإنسانية غير ملحوظة في قوانين وضعية وطنية، ما يُفسّر الحاجة إلى قواعد إجراءات وإثبات لتلك المحاكم .
أما في واقعنا فلدينا قانون يطبق وهو قانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية الذي يسترشد منه القضاة قواعد الإجراءات والإثبات عند وضعها أو تعديلها (المادة 28 من النظام الأساسي)، في حين أنه كان المطلوب أن تأخذ المحكمة بالأحكام المرعية في القانونين المذكورين وتستثني عقوبة الإعدام, وليس أن تبتدع في مقابلهما قواعد إجراءات واثبات وتضع الأحكام القانونية اللبنانية دونها .
القاعدة 20 تمثل الوصاية القضائية والسياسية على لبنان
تُعطي هذه المادة المحكمة الحق في إحالة أي طلب أو أمر وجهته إلى لبنان ولم تقتنع برده عليه, بإحالته بالنتيجة الى مجلس الأمن للإطلاع وإتخاذ إجراءات لاحقة وفقاً لما يراه مناسباً .
هذه المادة تضع لبنان بأكمله تحت سلطة مجلس الأمن من الناحيتين السياسية والقضائية, وهي تؤكد أن المحكمة الدولية هيئة غير مستقلة بل مرجعيتها مجلس الأمن أي الدول الكبرى ومصالحها. إن هذا الوصف ينطبق على وضع لبنان تحت الوصاية السياسية والقضائية الدولية .
القاعدة 93
(إمكانية سؤال شاهد دون الكشف عن هويته وانتمائه )
إمكانية سؤال شاهد دون الكشف عن هويته في الحالات التي يؤدي فيها كشف هويته إلى تعرضه للأذية الجسدية أو خسران حياته في وقت لا يكفي برنامج الشهود لحمايته، أو في حال وجود خطر جدي قد يمس بالمصالح الأمنية الوطنية الأساسية في حال الكشف عن هوية الشاهد أو إنتمائه .
تعديل هذه المادة أجاز لقاضي الإجراءات التمهيدية بناءً على طلب من المدعي العام أو الدفاع أو الممثل القانوني لأي متضرر مشارك في الإجراءات استجواب الشاهد بصورة سرية بغياب كل الأفرقاء إذا كان هناك خطر جدي يمس بالمصالح الأمنية الوطنية الأساسية في حال الكشف عن هوية الشاهد أو انتمائه .
القاعدة 96
(الإعلان عن الإجراءات التمهيدية )
تُتيح هذه القاعدة للمحكمة بأن تُبقي سرياً كل مستند مودع أو كل أمر أو معلومة تتعلق بالإجراءات التي مهدت لصدور القرار الإتهامي ”ما دام الأمر ضرورياً بسير التحقيق و /أو لحماية أي شخص “.
هذه الإجراءات تشمل طلب تصديق قرار الإتهام المقدم من المدعي العام فيصدر ويُصدّق سرياً .
القاعدة 96
(الإعلان عن الإجراءات التمهيدية )
تُتيح هذه القاعدة للمحكمة بأن تُبقي سرياً كل مستند مودع أو كل أمر أو معلومة تتعلق بالإجراءات التي مهدت لصدور القرار الإتهامي ”ما دام الأمر ضرورياً بسير التحقيق و /أو لحماية أي شخص “.
هذه الإجراءات تشمل طلب تصديق قرار الإتهام المقدم من المدعي العام فيصدر ويُصدّق سرياً .
القاعدة 117
(المصالح الأمنية لإحدى الدول والهيئات الدولية الأخرى )
هذه القاعدة تسمح للمدعي العام – بعد أخذ إذن قاضي الإجراءات التمهيدية في غرفة المذاكرة - بأن يحتفظ بسرية بعض المعلومات إذا كان من شأن إبلاغها أن "يؤدي إلى المساس بالمصالح الأمنية لإحدى الدول أو بإحدى الهيئات الدولية ".
ماذا لو كان الكيان الصهيوني هو الدولة التي يجب حماية مصالحها الأمنية؟
أين تتوافر الشفافية الضامنة لعدم التسييس في هذا المجال؟
كيف يحق للمدعي العام ما لا يحق لسواه من القادة في لبنان بالتحوّط لمصالح لبنان العليا؟
أمثلة على الثغرات التي تتيح التلفيق وتشويش التحقيق
القاعدة 118
(المعلومات التي لا يمكن إبلاغها بدون موافقة مقدمها )
المعلومات المعطاة بشكل سري والتي تؤثر على أمن الدول أو المجموعات الدولية ،
1. لا يتم كشفها حتى لقاضي الإجراءات التمهيدية إلا بعد أخذ موافقة مصادرها (خلافاً للقاعدة السابقة، فالمعلومات الأصلية هنا ومصادرها كلاهما محجوب عن القاضي التمهيدي ) ،
2. وفي حال كشفها لا يحق لأحد طلب استدعاء صاحب هذه المعلومات أو ممثل عنه،
3. كذلك لا يحق لقاضي الإجراءات التمهيدية أو غرفة الدرجة الأولى طلب أدلة إضافية من الشخص أو الجهة المقدمة للمعلومات،
4. إذا طلب المدعي العام شاهداً ما بغية تقديم معلوماته كدليل، فلا يحق لقاضي الأمور التمهيدية أو للغرفة الأولى إجباره على الإجابة عن أي سؤال متعلق بالمعلومات أو مصادرها إذا رفض هو الإجابة بخلفية المحافظة على السرية .
5. حال تلقّي غرفة الإستئناف في هذا المورد استئنافاً لقرار القاضي التمهيدي، فعليها أن تحكم بدون الإطلاع على المعلومات السرية أو على أي معطى متعلق أو يؤشر إلى مصدر المعلومات .
ويندرج مضمون هذه المادة في السياق الآنف الذكر أي استئذان مقدم المعلومات لإبلاغها. فماذا لو كان مقدم هذه المعلومات الرافض للإبلاغ عميلاً أو متآمراً أو عدواً، وأين تكون حقوق الدفاع مؤمّنة؟ !
إن التعديلات الأخيرة الحاصلة في 10 تشرين الثاني 2010 هي الأكثر مدعاة للتساؤل، فكاسيزي يخرج لأول مرة بمذكرة إيضاحية تأسيساً على نص مُلزم أُدخل الى قواعد الإجراءات والإثبات بموجب تعديلها الأخير تاريخ 10 تشرين الثاني 2010 (القاعد 5 – فقرة طاء)، وقد تضمنت مذكرته إقراراً وخطأ .
أما الإقرار، فهو أن الأنظمة التي تتعلق بمحاكم جنائية دولية سابقة، بدءا من محكمة نورمبرغ العسكرية الدولية، قد سمحت للمدعي العام بقبول طائفة واسعة من الشهادات الخطية (وهي أدلة جديدة، أدخلتها التعديلات الأخيرة إلى قواعد الإجراءات والإثبات)، بالنظر إلى أن هذا النوع من الأدلة، إنما يميل إلى إثبات حقائق تشكل جزءا من نمط إجرامي واسع النطاق، ما يفيد أن مثل هذه الشهادات الخطية ، التي هي خروج على مبدأ شفاهة الشهادة وعلانيتها، إنما قد يصح في معرض جرائم ضد الإنسانية، يتعذر معها بل يستحيل الإستماع إلى عدد هائل من الشهود من أهالي الضحايا وما شابه .
أما الخطأ، فهو في القول أن النظام الجزائي اللبناني يميل إلى قبول الأدلة الخطية، من دون إخضاع الشهود المعنيين للإستجواب. ففي هذا الكلام زيف وخلط متعمد بين الشهادة الخطية والدليل الخطي .
إن الأصول المعتمدة لدى محكمة الجنايات في لبنان، تستبعد كليا الإدلاء بالشهادة الخطية حتى في حالتي الشاهد الأصم أو الأبكم الذي عليه أن يحضر إلى المحكمة .
بالإضافة إلى ذلك، إن التعديلات التي أشارت إلى الإعلان عن قرار الإتهام بعد تصديقه من قاضي الإجراءات التمهيدية لم يعد إعلانا بالمفهوم القانوني، بل هو تشهير ووشاية، ما من شأنه تعكير الصفو بين عناصر الأمة .
طلب قواعد بيانات كاملة وطلب تحديثها بشكل دوري
يقوم مكتب المدعي العام بطلب قواعد بيانات كاملة من العديد من الأجهزة الأمنية والمؤسسات الرسمية اللبنانية تطال دون مبرر شرائح واسعة من الشعب اللبناني. ومنها على سبيل المثال داتا الإتصالات الخلوية ورسائل SMS ، كما يحصل بإستمرار على تحديث دوري لها .
أولاً: ما حاجة التحقيق الدولي لداتا كل الشعب اللبناني؟ ولماذا تحديث داتا الإتصالات – بأكملها - بشكل دوري منذ ما قبل وقوع الجريمة (منذ عام 2003) وصولاً الى العام 2010، أي بعد مضي 5 سنوات على الجريمة موضوع التحقيق؟
ثانياً: إن هذا الأمر هو غاية في الخطورة لخرقه السيادة اللبنانية وتهديده الأمن القومي، خاصة وأن في المحكمة وفريق المدعي العام على وجه التحديد عاملين من جنسيات مختلفة (منها الأميركي والبريطاني والألماني والفرنسي والأسترالي والباكستاني والكازاخستاني ...)، أي أنه من غير المعلوم أين ستصبح هذه البيانات ومن سيكون المستفيد الحقيقي منها .
ثالثاً: إنها لمفارقة أن تقوم الحكومة اللبنانية بتقنين مثل هذه الداتا على الأجهزة الأمنية اللبنانية – وهو أمر مطلوب ضمن أطر قانونية– وتُشرّعها بشكل كامل ودون أي ضوابط لمصلحة جهاز دولي متعدد الجنسيات .
فما هو الوجه القانوني لمثل هذه الإجراءات؟
مخالفة قواعد الاجراءات ومذكرة التفاهم
لا يوجد في قواعد الإجراءات والإثبات أو حتى في مختلف مذكرات التفاهم الموقعة مع لبنان ما يُلزم الحكومة اللبنانية بتقديم مثل هذه المعلومات، فكلاهما (القواعد والمذكرة) يتحدث عن التعاون المعلوماتي في القضايا التي لها صلة بتفويض المحكمة، والمقيدة بحسب المادة 1 من النظام الأساسي "بالأشخاص المسؤولين عن الهجوم الذي وقع في 14 شباط 2005" والهجمات المتلازمة بين 1 تشرين الأول 2004 و12 كانون الأول 2005.
نصت القاعدة 16 من قواعد الإجراءات والإثبات على التالي: إذا تبين للمدعي العام أن اعتداءً يُمكن أن يقع ضمن اختصاص المحكمة بموجب المادة 1 من النظام الأساسي هو رهن التحقيق أو الملاحقة الجنائية أمام المحاكم اللبنانية، فله أن يطلب من السلطات اللبنانية المعنية تزويده بكل المعلومات بهذا الخصوص .
كذلك ورد في مذكرة التفاهم الموقّعة بين مكتب المدعي العام بلمار ووزير العدل في حزيران 2009 ما يلي: تضمن الحكومة اللبنانية بأن يكون مكتب النائب العام في المحكمة الخاصة حراً من أي تدخلات خلال قيامه بتحقيقاته في لبنان وأن يتم تقديم كل المساعدة الضرورية له من أجل تحقيق تفويضه وذلك يشمل تقديم كل الوثائق والإفادات والمعلومات المادية والأدلة التي هي بحوزة الأجهزة والإدارات والمؤسسات اللبنانية، في القضايا التي لها صلة بتفويض المحكمة الخاصة بأسرع وقت ممكن، وجمع أي معلومات وأدلة إضافية، حسية وتوثيقية .
انتهاك مبدأ اليادة الوطنية
إن تسليم كامل معطيات داتا الإتصالات ومعلومات خاصة شخصية ومعلومات خاصة متعلقة بفئات واسعة من الشعب اللبناني من شأنه أن يُشرّع خصوصيات شعب بأكمله بحجة جريمة سياسية فردية .
إن تلك الخصوصيات والحرمات هي من الحريات العامة المصانة في مقدمة الدستور ومتنه، وهذا انتهاك فاضح لأبسط قواعد السيادة الوطنية حيث يُكشف شعب بأكمله على جهات غير منضبطة تحت سلطة الدولة اللبنانية .
إن في هذا التصرف أيضاً انتهاكاً للقوانين التي أحال إليها الدستور لتنظيم ما يسمى بـ "الحقوق الأساسية“ و"الحريات العامة”، لاسيّما قانون اعتراض المخابرات حيث يتم استئذان السلطات المختصّة باعتراض مخابرات محدّدة في معرض تحقيق قضائي, بقرار قضائي معلّل ومحدّد الموضوع أو الشخص المطلوب التنصت على أقواله. بمعنى أن لا استنابة مفتوحة في هذا المجال على الإطلاق, ذلك أن القانون بحد ذاته استثناء على المبادئ الدستورية العامة (الحقوق الأساسية والحريات العامة) وإن كل استثناء بطبيعته يفسّر حصراً ولا يجوز التوسّع فيه .
المحكمة الخاصة بلبنان استباحت المبدأ والإستثناء
ومن غير الخافي أن إنكشاف البلد بدأ منذ موافقة الحكومة اللبنانية على انطلاق بعثة تقصي الحقائق في شباط 2005 إذ سمحت رسمياً للمحققين التابعين لبيتر فيتزجيرالد ومن ثم الى لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشخص كل من ديتليف ميليس وسيرج براميرتز ودانيال بلمار التحرك في لبنان والإطلاع على وثائق ومستندات بطريقة لا يمكن أن تسمح بها أي دولة مستقلة تتمسك بسيادتها الوطنية .
والأخطر أن بعثة تقصي الحقائق أعلنت عجز الأجهزة الأمنية والقضائية في لبنان عن التحقيق الجدي، فتحولت الخبرة الأمنية الدولية المادية الى اتهام سياسي لدولة ذات سيادة .
كذلك فإن جميع الدول التي طُلب منها توقيع إتفاقيات تعاون مع المحكمة رفضت ذلك حفاظاً على سيادتها الوطنية، ولا غرابة في ذلك إذ أن الأمر يتجاوز الحفاظ على السيادة الى الخوف من المساءلة بدليل أن دولاً كالولايات المتحدة وإسرائيل والتي تُظهر حماساً لافتاً ونافراً للمحكمة الخاصة بلبنان لم توافق على محاكم جنائية دولية تمأسست بمعاهدات دولية (معاهدة روما)، فذهبت جرائم غوانتانامو والعراق وأفغانستان وسواها بجريرة مجازر إسرائيل في لبنان وفلسطين، وعُلّقت صلاحية المحكمة الجنائية الدولية للنظر فيها، والكل يعرف مصير قضية مجزرة صبرا وشاتيلا لدى القضاء البلجيكي الذي كان يعاقب على الجرائم ضد الإنسانية، فتم تعديله لتفادي المُساءلة .
إعتماد الأدلة الظرفية دون وجود شهود مباشرين
إن المحكمة الخاصة بلبنان تتجه الى اعتماد الأدلة الظرفية بدلاً من الأدلة القطعية كون الأدلة القطعية – بحسب رئيس المحكمة انطونيو كاسيزي ـ غير متوافرة في القضايا الإرهابية لصعوبة الحصول عليها، كما أكد المدعي العام دانيال بلمار سلوك هذا المسار أيضاً، الأمر الذي يجعل لبنان، البلد الذي لم ينعم بالإستقرار الداخلي منذ العام 2005، مسرحاً للتجارب والإجتهادات والبدع القانونية والقضائية .
الأدلة الظرفية: عرض موجز
الأدلة الظرفية هي: معلومات وشهادات يُقدمها طرف في دعوى مدنية أو جزائية تسمح بالتوصل لإستنتاجات تُثبت وجود أو عدم وجود واقعة أو حدث ما .
تُعرف أيضاً بالأدلة غير المباشرة .
وهي تتعلق باستخدام سلسلة من الوقائع لإثبات واقع معين، على خلاف الأدلة المباشرة التي تُثبت وجود واقع معين دون أي استنتاج أو افتراض .
الأدلة المباشرة هي التي تؤكد صحة أمر ما بشكل مباشر ودون توسط شيء آخر، أي هو الدليل الذي يقف بنفسه لإثبات إدعاء معين .
على سبيل المثال: رؤية المُدعى عليه وهو يُطلق النار على الضحية، أو الحصول على فيلم صوّر في المكان وفيه تفاصيل حادثة ما .
لذلك فإن الدليل المباشر هو أكثر موضوعيةً وإثباتاً من الدليل الظرفي .
مقاربة كاسيزي للأدلة الظرفية
نظّر كاسيزي مطولاً في هذا السياق، في تقريره السنوي المنشور في شهر 3/2010، ونذكر على سبيل المثال قوله :
"يؤسس عادةً مرتكبو الجرائم الإرهابية خلايا سرية صغيرة تعمل أحياناً بشكل سري، ما يجعل الكشف عن هوية مرتكبي جريمة محددة صعباً للغاية ".
"طريقة عمل شتى المنظمات (الإرهابية) تختلف الى حد بعيد (عن بنية القوات النظامية أو المجموعات شبه العسكرية المعروفة عند الخبراء)، مما يحول دون إمكانية الإستعانة بشاهد أو أكثر من الشهود المطلعين على الأسرار الداخلية ".
"الأشخاص المشاركون ]...[ تقودهم معتقدات دينية وإيديولوجية مرسخة ]...[ ويصعب كثيراً الحصول على معلومات منهم، فكيف بالأحرى الحصول على أدلة مقبولة ".
"يُعتبر احتمال الوصول الى شهود مطلعين على الأسرار الداخلية ضئيلاً ”.
بتاريخ 30 آب 2010 نظّر المدعي العام دانيال بلمار في مقابلته مع موقع “ناو ليبانون” للأدلة الظرفية فقال أنها “عبارة عن وقائع صغيرة، عندما يُنظر إليها كل واقعة على حدة، لا تعني شيئاً، لكن عندما ينظر إليها معاً، تُصبح الصورة الكاملة غير قابلة للتشكيك”. كما أنه عرض مثالاً لتوضيح ذلك فقال: “تريد أن تثبت أن الإمطار هطلت اليوم، فتثبت أن الرصيف مبلل، وتثبت أنه لا أحد نظف الطريق الخ. هذه الحقائق وحدها لا تعني شيئاً، لكن إذا جُمعت يمكن التوصل الى خلاصة أن الأمطار هطلت بالفعل، هذا ما أعنيه بالأدلة الظرفية ”.
إن هذا العرض يؤكد منهجية الإثبات بإعلان فرضية باتجاه واحد، أي أنه افترض هطول الأمطار وذهب ليبحث عن شيء يُثبتها، وهذه هي تماماً المنهجية التي اعتمدها التحقيق الدولي في قضية اغتيال الرئيس الحريري وغيرها من القضايا بإتجاه واحد .
يُشار الى أن بلمار نفسه كان سبق واعتبر ( في بيان سابق لمكتبه بتاريخ 24 آب 2010 ) أن ما وصله من حزب الله من قرائن ومعطيات ومؤشرات عن احتمال تورط إسرائيل في اغتيال الحريري منقوص .
إلا أنه في حال طبقنا تحفيزه وتحفيز كاسيزي للأدلة الظرفية لتوصلنا إلى النتيجة التالية: تُريد أن تُثبت أن إسرائيل قتلت الرئيس الحريري، فتُثبت أن طائرة أيواكس كانت في المكان وقت وقوع الإنفجار، وتثبت أن عملاء إسرائيل راقبوا المكان. هذه الحقائق منفردة لا تعني شيئاً ولكن إذا ما جُمعت يمكن التوصل الى نتيجة مفادها أن إسرائيل قتلت الرئيس الحريري بالفعل .
لذلك لو سلمنا جدلاً بسلامة اللجوء الى الأدلة الظرفية، فإن التحقيق الدولي قد استخدمها بانتقائية واضحة تجاوز فيها مجدداً أبسط معايير العدالة الجنائية الدولية .
الأدلة الظرفية التي يمكن الركون اليها في معرض تحقيق جنائي
إنطلاقاً من أن قانون أصول المحاكمات الجزائية لم يتطرق الى مسألة القرائن والأدلة الظرفية, يتوجب تطبيق أصول المحاكمات المدنية في هذا المجال عملاً بالمادة 6 منه التي تنص على إتباع القواعد العامة في قانون أصول المحاكمات المدنية إذا وجد نقص في القوانين والقواعد الإجرائية الأخرى .
قانون أصول المحاكمات المدنية يورد التالي :
المادة 299 أـ م.م. تنص على أن: “القرائن هي نتائج تُستخلص, بحكم القانون وتقدير القاضي , من واقعة معروفة للاستدلال على واقعة غير معروفة ”.
المادة 300 أ ـ م.م. تنص على أن: “القرائن نوعان : قرائن قانونية وقرائن قضائية ”.
المادة 302 أـ م.م. تنص على أن: “القرينة القضائية هي التي لم ينص عليها القانون, ويستنبطها القاضي من ظروف ووقائع الدعوى بما له من سلطة التقدير ”.
يتبين من هذه النصوص على ما يشرحه أصحاب الرأي القانوني السليم أن القرينة القضائية هي أمر يستنبطه القاضي من وقائع ثابتة لديه, أي أنها استنتاج لا يكون عن طريق الاطلاع أو المعاينة أو أي طريق آخر من طرق الإثبات المباشرة, فتُعد بالتالي دليل غير مباشر يستلزم أولاً ثبوت بعض الوقائع قضاءً (وهي ما يسمى إمارات Indices ) باعتبار أن ثبوتها لا يسعى إليه بذاته بل لأجل الاستدلال به على سواه .
وهكذا تبدو القرينة القضائية مرتكزة على الاستنتاج الفكري الذي يقوم به القاضي, أي على اقتناعه الذاتي, بحيث تُعد من صنع هذا القاضي بالذات, طالما أن قوتها في الإثبات تعود الى سلطة تقديره المطلق .
لذلك تُعتبر هذه القرائن التي قد يُخطئ بشأنها القاضي ولا يصيب, في مرتبة متدنية (بين طرق الإثبات) عن مرتبة الكتابة والإقرار واليمين وقد أنزلها المشترع منزلة شهادة الشهود أي البينة الشخصية .
فإذا كانت شهادة الشهود عُرضة للخطأ أو للزور, فالقرائن أيضاً كذلك, من حيث أنها أدلة غير مباشرة وقائمة على جهد فكري من القاضي, هي أيضاً عرضة للخطأ والهزل من جراء اختلاق الوقائع الظاهرة التي يستند إليها استنباط القاضي, أو بسبب عدم فلاح القاضي في استنباطه هذا .
وعليه إذا كانت الواقعة, التي يستنبط منها القاضي القرينة, غير ثابتة يقينا بل مجرد واقعة محتملة فإنها لا تصلح مصدراً لمثل هذا الاستنباط .
القيمة الثبوتية لدليل الإتصالات
تحدث الكثير من التسريبات عن أن التحقيق الدولي اعتمد على دليل الإتصالات والروابط الهاتفية المتعلقة بتزامنات في المكان بين هواتف مشتبهة بإرتكاب الإعتداء وهواتف أخرى تعود لأفراد محددين .
وقد أكدت بعض الأوساط الدولية هذا الأمر لا بل أضافت عليه أن دليل الإتصالات هو عمدة الإتهام المرتقب للمدعي العام حيث لا يوجد لديه شهود مباشرون .
وهذا يُفسر إصرار أقطاب المحكمة على التنظير للأدلة الظرفية والتي يُعتبر دليل الإتصالات إحداها .
إن الأدلة الظرفية – كما أسلفنا - تقع في أدنى مراتب الإثبات ذلك أنها عُرضة للخطأ أو الزور, وهي لا تصلح دليلا ثبوتياً قاطعاً, ويمكن دحضها بجميع وسائل الإثبات .
وبالتالي لا يمكن على الإطلاق الركون الى مثل هذه الأدلة الظرفية عند اعتماد أعلى معايير العدالة الدولية الجنائية ، حتى في مرحلة التحقيق الجنائي .
لقد جرى الحديث مؤخراً عن دليل الإتصالات الهاتفية ونية المدعي العام الإستناد اليه في بناءً قراره الإتهامي، وهذا ما ألمح إليه أيضاً دانيال بلمار نفسه في مقابلته الأخيرة مع موقع “ناو ليبانون” بتاريخ 30 آب 2010، حيث أجاب رداً على سؤال عن مدى اعتباره الإتصالات الهاتفية دليلاً حاسماً، فقال: “حسناً، أنا اعتبر الدليل الظرفي حاسماً”، وفي هذا تلميح واضح لصحة ما يتم تناقله من أحاديث في هذا السياق .
لذلك وتفادياً لأي تضليل للرأي العام حول متانة هذا الدليل لا بد من توضيح التالي :
إن دليل الاتصالات هو دليل ظرفي بامتياز، وقد أثبت الخبراء في مجال الإتصالات وجود عدد من الطرق التي تُتيح التلاعب في الداتا وإختلاق وفبركة إتصالات وهمية ومن أماكن جغرافية مختلفة .
وعليه فإن دليل الإتصالات، الذي بات واضحاً أن فريق المدعي العام قد بنى تحقيقه وربما اتهامه عليه، هو دليل غير صالح من الناحية القانونية إنطلاقاً من أن عدم الثبوت اليقيني للواقعة التي يستنبط منها القاضي القرينة يعني عدم صلاحيتها كمصدر للاستنباط .
خاتمة
إذا كانت المحاكم الجنائية الدولية التي تنظر في جرائم إرتكبت بحق الإنسانية غير عصية على التسييس، بإقرار من رؤساء هذه المحاكم والمدعين العامين لديها وقضاتها ومنهم أنطونيو كاسيزي عندما كان رئيساً لمحكمة أراضي يوغوسلافيا السابقة وإذا كان القانون الجنائي الدولي لا يزال في بداياته المتعثرة لا سيما في ضوء إمتناع بعض الدول الوازنة من المساهمة في إنشاء أو تعزيز المحاكم الجنائية الدولية الدائمة، وفي ضوء الإنتقائية التي تسود عمل هذه المحاكم، كيف لنا أن نأتمن محكمة خاصة على الشكل والمضمون الموصوفين في هذا المؤتمر، وهي محكمة تنفرد بخصائص فيها كل عناصر الإستنسابية والتسييس على ما تم إثباته، بدءً من نشأتها، مروراً بعملها وإنتهاءً بإجراءات التحقيق والمحاكمة لديها .
إن محكمة مُسيّسة لا تلتزم بأعلى معايير العدالة، تجاوزت منذ نشأتها الدستور اللبناني وصاغت قرار إنشائها مصالح دولية تخطت إرادة ومصالح اللبنانيين ومؤسساتهم الشرعية القائمة، وتنصّلت من صلاحيتها في ملاحقة شهود الزور وانتهكت تحقيقاتها مبدأ السرية، وأُنيط بها تغيير قواعد الإجراءات والإثبات بشكل مريب واستنسابي، وتجاوزت حدود اختصاصها في طلب قواعد البيانات وتحديثها مما كشف شعباً بكامله على جهات استخبارية ودولية شتى، وأعلنت اعتمادها على أدلة ظرفية قاصرة وغير ذات قيمة ثبوتية، هي في النهاية محكمة لا يُنتظر منها إحقاقُ حق ولا إقامةُ عدل، بل لن يفاجئنا أن تكون قوس عبور لوصايات دولية على لبنان وعلى أمنه واستقراره وسيادته .
*الاسئلة والاجوبة:
السؤال الأول: أود التوجه إلى الرئيس جريصاتي وأود العودة إلى بداية نشأة المحكمة طالما أن رئيس الجمهورية لم يبرم هذه الاتفاقية كما قلتم وان المحكمة أنشئت بموجب عريضة نيابية، هل بإمكان لبنان اليوم أن يتراجع عن توقيعه ويسحب توقيعه من مذكرة التفاهم وهل هذا يحتاج إلى إجماع وألا يضع ذلك لبنان في مواجهة مع الشرعية الدولية.
وسؤال موجه للنائب رعد كيف بإمكان لبنان والسلطة السياسية وانتم جزء منها أن تواجهوا تداعيات المواجهة مع الشرعية الدولية؟
جواب القاضي سليم جريصاتي: أولا لبنان لم يوقّع بطريقة دستورية سليمة على الاتفاق الجاري بين الأمم المتحدة والجمهورية اللبنانية كما لم يوقع بصورة دستورية سليمة على نظام المحكمة وليس هنالك إذاً من سحب توقيع، أما إذا أردتِ أن تضعي في دفتي ميزان السيادة الوطنية مقابل الشرعية الدولية فنحن لم نذهب هذا المذهب أبداً، نحن لسنا في حالة صدام. ما يجب أن أشير إليه هو أن المطلوب ما هو ممكن، والممكن هو المنازعة التي نجري اليوم في موضوع المحكمة. والمادة الثامنة عشرة من هذا الاتفاق تتيح للدولة اللبنانية أن تنازع في المحكمة وهذا ليس محرماً ويجب أن يسقط الكلام من قاموسنا الذي يقول من المحرم الكلام عن المحكمة، ويمكن للدولة اللبنانية أن تنازع في أي حين في موضوع المحكمة وفي تطبيق الاتفاق وفي تفسيره، ومن هذه المنازعة نطلق مشاورة وتشاوراً جديداً مع مجلس الأمن بموضوع المحكمة ونعطي هذه الدراسات بشكل مفصل أكثر ونقول ما قلناه ومن هنا ننطلق إلى الحل المنشود. إمكانية المنازعة متاحة وإمكانية التعديل دون أفق متاحة أيضاً.
جواب النائب محمد رعد: أما على المستوى السياسي لماذا نفترض أن تراجع لبنان عن التزامه بالمحكمة سيضعه في مواجهة الشرعية الدولية.
الشرعية الدولية عندما أقرت المحكمة إنما أقرتها تبعاً لمصالحها آنذاك وهذه المصالح أخذت في عين الاعتبار الموقف اللبناني المنقسم. أما إذا توحّد اللبنانيون وتفاهموا على موقف جديد يحفظ مصلحة لبنان الوطنية ويحفظ ويحمي سيادة وكرامة شعبه فستتغير حتماً المصالح والنظرة الدولية إلى تلك المصالح في لبنان وقد لا نكون أبداً في مواجهة ما تسميه الشرعية الدولية.
السؤال الثاني: ماذا إذا تم انسحاب القضاة اللبنانيين من المحكمة الدولية وهل يمكن انسحاب لبنان من المحكمة دون اللجوء إلى الحكومة اللبنانية لسحب القضاة؟
القاضي سليم جريصاتي: الجواب بسيط. لن ندخل اليوم في الخطوات العملية المطلوبة. كل ما هو مطلوب هو ما أشار إليه سعادة النائب، المطلوب موقف رسمي واحد بإيعاز من رئيس الجمهورية المؤتمن على الدستور، رئيس الدولة، رمز وحدة لبنان، القائد الأعلى للقوات المسلحة، حالف يمين الإخلاص لدستور الأمة وقوانينها، بإيعاز منه يصار إلى خلق دينامية جديدة لموقف رسمي واحد لبناني يعبر عما شرحناه من هواجس، من وقائع محددة وثابتة في القانون، وبالتالي يذهب إلى الشرعية اللبنانية في خطاب رسمي واحد يقول إن هذه المحكمة لا تنتهك فقط دستورنا وسيادتنا الوطنية إنما أيضا تهدد استقرارنا. نحن لا نضع على الإطلاق العدالة والاستقرار في دفتي ميزان. نحن نقول إن الموقف الرسمي الواحد يبرر كل الخطوات العملية التي سوف تتخذها في حينه الدولة اللبنانية مجتمعة بإيعاز من رئيس البلاد.
السؤال الثالث للنائب رعد: طالما كل هذه الملاحظات حول المحكمة من حين إنشائها لغاية اليوم. لماذا وافق وزراء حزب الله على البيان الوزاري الذي تضمن الموافقة على المحكمة الدولية؟
النائب محمد رعد: أولا حرصاً على الاستقرار آنذك وأملا في التوصل إلى الموقف اللبناني الموحد والثابت من المحكمة والذي أشار إليه الرئيس.
السؤال الرابع: بالأمس استمعنا إلى بلمار، عملياً يتعامل مع مجرد طلب ورقة تتعلق بملف شهود الزور بنوع من التهويل وأن هذا الأمر قد يؤدي لخراب البلد ويمس الأمن القومي والوطني.
في المقابل التفنيد واضح لمبدأ تسييس المحكمة وقد ختمه بلمار، وقد يكون له مآثر أخرى في هذا المجال. وعلى مستوى الداخل اللبناني هناك ملف أساسي هو ملف شهود الزور الذي قد يكون بوابة لكثير من الحقائق هو عالق حاليا. كم يمكنكم ان تتحملوا هذه العرقلة الفعلية لعدم البت بملف شهود الزور عبر إحدى المؤسسات الدستورية وهي مجلس الوزراء التي يرئسها رئيس الجمهورية وقال رئيس الحكومة إن ملف شهود زور أساء إلى التحقيق والى العلاقات اللبنانية العربية؟
النائب محمد رعد: لا نريد أن نكرر موقفنا من هذا الموضوع. ملف شهود الزور الآن في ملعب رئيس مجلس الوزراء وهو نقطة أولى مدرجة على جدول أعمال أي جلسة لمجلس الوزراء حين يدعى الوزراء إليها. المطلوب أن يبت في هذا الملف ويحسم الذي يستنكف ويؤخر انعقاد مجلس الوزراء هو الجهة التي يخولها الدستور أن تدعو حصرا إلى انعقاد جلسة مجلس الوزراء؟
السؤال الخامس: بعدما تردد أن القرار الإتهامي قد سلمه بلمار إلى القاضي كاسيزي. نتيجة هذا المؤتمر الصحافي هل نعتبر ان فرص التسوية المطروحة قد انتهت وعلى ماذا تقوم هذه التسوية. وما هي العناوين الرئيسية لهذه التسوية التي يمكن أن تؤدي إلى الخروج من الأزمة التي نعيشها في لبنان؟
النائب محمد رعد: طالما أن هناك جهد عربي يبذل من أجل التوصل إلى تفاهم يحقق موقفاً لبنانياً إجماعياً جديداً من المحكمة (ففرص التسوية موجودة). وتقوم التسوية حول محور هذا الموقف فنحن لا نعتبر أن الأمور منتهية والجهد مستمر ومتواصل ونأمل أن نصل إلى خير في نهاية المطاف وعساه أن يكون قريباً.
السؤال السادس: لمن تتوجهون بهذه المادة القانونية الموثقة بشكل أولي؟ وهل سينتج عن هذه المادة القانونية التي قدمت اليوم أي مراجعة قانونية ضمن الأطر التي تسير بها المحكمة؟ وبناء على هذه المادة التي قدمت ماذا سيكون مفعول هذه الملاحظات على القرار الظني في حال صدوره قريبا كما يسرب؟
النائب محمد رعد: أولا نحن نناقش بشكل دستوري وقانوني ونقدم ملاحظاتنا على المحكمة تركيبةً وصياغةً ونظاماً. ولعل ما ورد في هذا المؤتمر يسهم ليس فقط في إعادة النظر في كثير من النصوص التي تعتمدها المحكمة بل لعل ما قدمناه في هذا المؤتمر مع الأمم المتحدة والدائرة القانونية فيها لتطوير رؤيتها لتحقيق معايير العدالة في أي محكمة تنشأ في المستقبل. نحن نقدم رؤيتنا وملاحظاتنا وفهمنا وقرءاتنا الدستورية والقانونية إلى الرأي العام المحلي والإقليمي والدولي ونقدم هذا المؤتمر وما تضمنه إلى المهتمين والحقوقيين والمعنيين بتحقيق العدالة في كل مكان.
السؤال السابع: هل تحاولون من خلال المقاربة التي قدمتموها أن تقولوا إن المحكمة فرضت على لبنان كما فرض الانتداب سابقا على لبنان بدون سند دستوري. ما هو تعليقكم على الكلام الذي صدر من خلال وثائق ويكيليكس حول الكلام الذي قاله بلمار وسيرج برامرتس في السفارة الأمريكية بخصوص المحكمة الدولية والوضع السياسي في لبنان؟
النائب محمد رعد: أولا نحن قدمنا ما لدينا وعلى من سمع ويسمع أن يفهم ما يشاء.
أما بشأن ما نشر من وثائق نحن بكل صراحة نقول إن ما نشر هو قطرة من بحر مّما يقال في الكواليس ونحن لا نبني على هذا الأمر لأن ما لدينا هو أكبر وأوسع من ما ينشر موجّهاً من قبل هذا الموقع أو ذك.
السؤال الثامن: ما هو المطلوب من الفريق الآخر اليوم بعد المعلومات التي كشفتموها في المؤتمر الصحافي؟
النائب محمد رعد: نحن لا نطلب من الفريق الآخر شيئاً، هو يعرف واجبه وعلينا أن نترقب كيف سيتصرف.
السؤال التاسع: بعد كل هذه المؤتمرات لسماحة السيد ووزير الاتصالات ومؤتمر اليوم. هل نحن أمام سيناريو فرض الأمر الواقع في النهاية إذا لم يأخذ المعنيون بإنشاء المحكمة بكل ما تقدم من طعون قضائية وتقنية عبر وزير الاتصالات. هل نحن سنكون أمام سيناريو فرض الأمر الواقع لإلغاء مفاعيل المحكمة على الأرض؟
النائب محمد رعد: لا تستبق الأمور.. تابعنا خطوةً خطوة.