الخسائر... اتّجاهات وأرقام
ركَّز العدو في عدوانه منذ البداية على المناطق السكنية الآهلة، كأنه يستأنف بذلك ما اعتمده في حربي 1993 و 1996، لكن مع تعديل جوهري جدير بالذكر. في العدوانين السابقين كان هدف الاحتلال الضغط في آن على المقاومة عبر استهداف حاضنتها الاجتماعية وبيئتها الخاصة، وعلى الحكومة التي كانت تدعم، أو على الأقل تتعايش مع مشروع المقاومة عبر ضرب البنى التحتية، وكان القصد من الاستهدافين توجيه رسالة للمجتمع والدولة، أن من غير الممكن الجمع بين الدفاع عن السيادة من جهة والاستقرار والبناء من جهة أخرى.
في حرب تموز 2006 كان الأمر مختلفاً، لم يكن الضغط على السلطة هدفاً بحد ذاته، بل لعل المطلوب هو ترجيح كفتها، وفيما كثف العدو من استهداف البنية السياسية للمقاومة وبيئتها الحيوية، تم تحييد البنى التحتية والمرافق العامة نسبيّاً، التي لم تتجاوز خسائرها 10% من إجمالي الخسائر.
هذه الحرب هي أقرب إلى اجتياح عام 1982 منها إلى أي عدوان إسرائيلي آخر، فالعمليات الحربية كانت تهدف في حينه إلى تتويج الإنجازات الأمنية والعسكرية، بإنجاز سياسي كبير تمثل آنذاك في قيام سلطة موالية لتل أبيب، ويتمثل الآن في التأثير على موازين القوى الداخلية لتطبيق البند الثالث من القرار 1559 وضمّ بيروت إلى عواصم حلف الاعتدال. وهذا الأمر ليس عابراً، فالمقاومة التي دفعت العدو إلى مغادرة لبنان عام 2000 كانت قد أجبرته قبل ذلك على الخروج سياسياً منه والتركيز فقط على الوظائف الأمنية للاحتلال. لكن تحولات السلطة في لبنان والسياسة الأميركية المتطلبة في المنطقة، تعيد إحياء سياسة التدخل الإسرائيلي بقصد التأثير على سير الوقائع السياسية في
البلد.
ثم إن تركيز العدو على ضرب البنى العسكرية والاجتماعية والسياسية للمقاومة على حد سواء، يتضمن اعترافاً بأنه يواجه تركيبة متماسكة ومتطورة، إدراكاً منه أن من مصادر قوة المقاومة العلاقة التفاعلية والجدلية بين بعديها العسكري والمدني، فأي إنجاز عسكري يتحول إلى مكسب سياسي واجتماعي والعكس بالعكس، وهو يعلم جيّداً أن الأمر لا يتعلق بقوة عسكرية تعيد توجيه المجتمع رغماً عنه نحو أهدافها الخاصة، أو بمجتمع يمكن عزله عن التأثير المتصاعد لديناميات المقاومة.