الخيام نسخة تجريبية · Khiyam v2
أخبار وذاكرة ومجتمع
← الأرشيف

شهادات في عساف أبو رحال بعد عام على رحيله

2011/8/6 · · المقال رقم 12082
عساف أبو رحال: «المراسل الفلاح» لم يخن شرفاء بلاده عفيف دياب الزميل عساف أبو رحال. عام مرّ، وكلّ استعادة لقصة تحوّل عساف إلى صحافي تؤكد ارتباط هذه المهنة بالناس. ارتباط نسيه الكثيرون في زمن التحوّلات الذي نعيشه. «الأخبار»، التي تفتقده، وتوجه إليه تحية في الذكرى الأولى لاستشهاده، تدعو مع عائلته إلى قدّاس يقام على راحة نفسه عند الساعة العاشرة من صباح غد في بلدته الكفير لم يكن عساف أبو رحال شخصاً عابراً. لقد ترك أثراً كبيراً في يوميات أسرته ورفاقه ومعارفه الكثر على امتداد مساحة البلاد. كان يفاخر بتاريخه النضالي من زمن جورج حبش في راشيا الفخار والعرقوب، إلى زمن جبهة المقاومة الوطنية وأذرعتها السياسية والتنظيمية والتعبوية واللوجستية، وصولاً إلى العمل الإعلامي منذ أواسط ثمانينيات القرن الماضي في صحافة الحزب الشيوعي اللبناني، ثم عبوره لاحقاً بعد أفول صحافة الحزب في وسائل إعلامية لبنانية وعربية من دون أن يحقق الاستقرار المهني والاقتصادي الذي كان ينشده ويطمح اليه، إلى أن استقر في «الأخبار» حتى لحظة استشهاده. كيف أصبح عساف أبو رحال مراسلاً صحافياً؟ يقول الزميل طوني فرنسيس الذي واكب أبو رحال منذ بداياته في «النداء» وصولاً إلى «المستقبل»، إن عساف نموذج مميّز للمراسل المناطقي. كان يسميه تودّداً «المراسل الفلاح»، لأن «ارتباطه بالأرض أهم خبر سياسي عنده، بمعنى أن خبراً مثل الموسم كان أهم بالنسبة إليه من خبر حرب كونية». اما عن علاقة عساف بالنداء، فيقول فرنسيس إنها بدأت بوصفه مناضلاً في الحزب الشيوعي، «كان يرى أن من واجبه أن يوصل لجريدة الحزب أخبار منطقته». مع توقف «النداء» عن الصدور، غاب عساف عن المراسلة لفترة قصيرة قبل أن يستعيد نشاطه مراسلاً لجريدة المستقبل في البقاع الغربي وراشيا. ويقول فرنسيس إنه حين تولى الإشراف على الإعداد لإطلاق الجريدة وتولي مهمة المراسلين: «فكرت فوراً بعساف». وقد برز الأخير فيها وكان مميزاً بين زملائه. في هذه المرحلة شهدت المنطقة التي يغطيها عساف أحداثاً مهمة، أبرزها تحرير الجنوب عام 2000. وقد نشط عساف في التغطية.. حتى كان يعتبر أن قمة عمله الإعلامي مراسلاً مناطقياً قد تحققت خلال مواكبته عملية التحرير، إذ نفذ تغطية ميدانية على مدار الساعة لعدة وسائل إعلامية لبنانية وبعض محطات التلفزة التي كانت تنهل من معلوماته مجاناً. ويقول فرنسيس إن عساف كان «أبا المراسلين المواكبين لعملية تحرير الجنوب والمعتقلين من سجن الخيام، والتحرير أعطى عساف حقه المهني بعد تعب طويل». بروز عساف أبو رحال مراسلاً في منطقتي حاصبيا ومرجعيون بعد التحرير، حوّله الى مرجع لعدد من الزملاء في بيروت الذين كانوا يعدّون منزله في الكفير ممرّهم الإلزامي وقاعدة انطلاق لهم نحو إجراء تحقيقات صحافية في المناطق المتاخمة لمزارع شبعا والخط الأزرق، موفراً لهم سبل الراحة والمواد الاخبارية الأساسية لإنجاز تحقيقاتهم وفتح خزانة أرشيفه لهم بكل رحابة صدر، لا سيما أن عمله مراسلاً «أصبح نوعاً من الالتزام المهني بعدما كان مهمة نضالية سياسية». لم يضع عساف أبو رحال خطوطاً حمراء لعمله. كان ينقل الخبر بأمانة وبوقائعه المطلقة. كان يقول: «أنا رح أبعت الخبر كما هو. هيك صار، ليش بدنا نخبي عن الناس؟». كان وفياً لمبادئه، ولم يخن يوماً طبقته الاجتماعية وفقراء بلاده النائية. أرهقته أشكال تعاطي الأجهزة الأمنية وأنواعها معه خلال عمله في منطقة البقاع الغربي وراشيا. لم يكن يفقه ما يسمى «الرقابة الذاتية» وقد تسبّب له الأمر في بعض المتاعب مع أمنيين وسياسيين كان ينتقدهم من دون حرج أو خجل. وهنا لم يعد جائزاً إخفاء السر حين ضغطت شخصية أمنية على مرجعية سياسية لإزاحة عساف ابو رحال من وسيلة إعلامية لصالح آخر كان مخبراً «شاطراً» عند الأمني غير الوطني. لم يكترث «أبو مازن» لهذا الضغط ولم يعطه قيمة تذكر. تابع عمله مراسلاً في منطقة نائية ووجد في جنوبه المحرّر لاحقاً ما يعطيه الأمان في مهنة وقعت أسرارها بين يديه صدفة. صدفة غيّرت مجرى حياته وحياة عائلته التي تحولت إلى خلية نحل من أجل نصر إعلامي لرجل متعدّد المهن والمواهب قبل أن يسقط بصمت تحت فيء شجرة. ... .. . حبر قلمه يغرفه من دمه كامل جابر عام يمرّ بين مواجهة الجيش اللبناني للمعتدين من الجنود الإسرائيليين على الحدود اللبنانية في العديسة (الحدودية)، يوم حادثة الشجرة، في 3 آب 2010، وبين التصدي الأخير للاعتداء على الحدود اللبنانية في الوزاني (الحدودية)، يوم عيد الجيش، في مطلع آب الجاري. هو فعل العدوان عينه الذي ما انفك العدو الإسرائيلي يرتكبه بحق لبنان، شعباً وأرضاً. ربما لو لم يسقط عساف أبو رحال شهيداً في مواجهة العديسة، حتماً كنا سنراه «يرابط» بعينه وقلمه، ليكتب من الوزاني مجريات ما يجري، أو أنه كان سيسقط في الوزاني أو في العرقوب. لم يزل عساف يربض ها هنا، في العديسة التي ربحت «مواجهتها»، لكنّ الراعي الدولي لم يتوان عن تجريدها من «شجرتها»، موضوع النزاع وشرارة المواجهة. هنا في العديسة اسم عساف أبو رحال بات محفوراً في الذاكرة الوطنية والشعبية، وكذلك المهنية، حيث يستشهد الإعلاميون مثل الجنود، من أجل كلمة الحق والصورة الحقيقية، ومن أجل الوطن. عام يمر، والمشهد لا يغيب. لم يزل هنا، هذا الجندي الإعلامي، الباحث عن الحقيقة التي باتت جزءاً لا يتجزأ من قوته اليومي. منها يمنح عائلته المتواضعة خبزها، كفاف يومها، ومنها مداد قلمه يغرفه من دمه، ويكتب ما تراه العين حرفاً حرفاً. هي العين المصوّبة نحو الحقيقة دفعت عساف نحو موته الأول وحياته الأبدية. من أجلها رأيتك هنا تفرد طلتك الأخيرة قبل امتطاء جواد الرحيل. نعم يا صديقي لم تزل في العديسة، بين ركام البيوت «المتوالدة» بيتاً إثر بيت، كلما دكّها حقد العدو، عينك «كاميراك» تشهد على الحقيقة، مجبولة بشظايا دمك، وصورتك الأخيرة التي تؤرّخ مثل قلمك، للحقيقة، لذاك العدوان غير المنتهي. «ترى ولدتك أمك في العديسة قبل أن أعرفك؟ سؤال ردّدته سعاد وهي تشيّعك. من رأى عساف يتجاوز معاناة المهنة وخطورة الوصول إلى العديسة، تماماً مثلما كان يفعل في مرتفعات العرقوب، عند تخوم كفرشوبا وشبعا، العباسية والوزاني، يؤمن بأن عساف ولد في العديسة، عند بوابة الوطن، الممتدة من الناقورة حتى مزارع شبعا. في المشهد الأخير، من فصل مواجهتك، الذي دوّنته بحبر دمك، رأيتك تعتلي المنصة بخطوات واثقة هادئة. أتيت من الساحة نحو التلة سيراً على الأقدام، تصوّب نحو تلك الزاوية من حاجز الجيش في العديسة، تلقي على الجنود تحيتك المعهودة التي طالما ألقت حنانها على المقاومين المرابضين عند حدود الوطن، تعانق الجنود بنظرات أسهمت في اختيار «رفقة» الشهادة. في تلك الزاوية، قبل دوي الصوت وانفجار الدخان والركام، حضرت بكل سني عمرك، وتجربتك وخبرتك، وجهادك في الحياة والمهنة، بجسدك النحيل، بدفتر ملاحظاتك، بعدستك «التعيسة» بحسب ما كان يحلو لك التعبير، وأنت تطالب المرة تلو المرة باقتناء كاميرا تستطيع التقاط التفاصيل وقذائف العدو. حضرت بلحمك الحي، لتكتب خبرك. في هذا المشهد كنت أنت مثل عادتك، بطيبتك وتواضعك وسماحتك وهدوئك، تعانق الأرض والجنود لتصير معهم الصوت والدخان، لتصير الشهادة و«الشجرة». في العديسة كما في حولا والوزاني، كلنا نحيا هنا وكلنا نسقط هنا، حيث سقط عساف أبو رحال والرقيبان في الجيش اللبناني عبد الله محمد طفيلي وروبير العشي. من أشلائهم وصورهم، بنادقهم وعيونهم، من جراح قدم الزميل علي شعيب ومن جراح نفوسنا الشاهدة على فقدان أحبتنا، نستمد وجودنا. من ذاكرتنا الحافلة بصور الضحايا والشهداء والأشلاء والبيوت المدمرة، نبقى ونستمر هنا. هنا في العديسة يحمل «الشاهد» اسم عساف، إكليل غار على جبين الوطن، لكي يبقى الوطن. ... .. . روحك ترافقنا عند كل مفترق علي شعيب سلام إلى صمتك المهيب، إلى سكونك وصخب وقارك، يا صديقاً بعمر سنوات التحرير .. ويا شهيداً دون توديع في أيام الانتصار. عساف أبو رحّال.. هل تدري أني لم أعرفك مسيحياً إلا قبل شهر من استشهادك؟ لأنك كنت من كل الطوائف وإليهم.. هل تعلم أني كنت أهاب هدوءك عندما كان يصغر أمامي كل الضجيج؟ لأن حبرك كان رصاصاً بحجم قلمك المدوي. كنت شغوفاً بصداقتك لأنك الصدق بعينه من دون مداهنة. وكنت ألوذ إلى وريقاتك الصغيرة لأغرف منها بضع كلمات لأغني بها سطور دفتري الحزين. افتقدتك العباسية وساحة كفرشوبا. واشتاقت إلى عينيك ولعدسة كاميرتك الصغيرة بوابة بركة النقار وقرى العرقوب، كما الخلوات وحاصبيا. وها هي بوابة فاطمة ومعتقل الخيام ومرجعيون تنتظر عودتك ثانية. لكنك ما زلت هناك. قرب الشجرة والحاجز والسياج، تحمي عنوان كرامتها بلون دمائك. المرة الأخيرة التي رمقتك فيها مع رفيقة دربك كانت قرب نفير المقاومين هناك عند مرتفعات مليتا. كنت أرى في نظراتك الحب لكل هذا المدى من التضحيات. دوّنت كل أجوبة أردتها من أحدهم زاداً لمشوارك الجهادي ليحيا الوطن. أعود إليك. إلى ذلك الحائط المدمّر بحقد طواغيت زمنك. أردت أن تقول لهم بالحبر والصورة: لا. فكان دمك أبلغ تعبيراً. رأيتك يا عساف فتهيّبت صمتك الأبدي مجدداً إلى جانب من كان برفقتك من جنود جيش الوطن. هل تدري أني لم أجرؤ حتى على ذكر اسمك على الهواء مع كل رصاصة وقذيفة؟ لأني خشيت أن أتطاول على قدسية تضحيتك. لكني كنت أصرخ برسالتك التي أردت أن توصلها وقرأتها من حيث توقف نبض عطائك. لم أشأ ترك المكان الذي تجثم على ترابه المجبول بدمك الوردي. لكن عذراً منك يا صديقي الشهيد، فغدر الصهاينة أصابني بشظية غطرستهم أيضاً، وها أنا أعود بجراحي مرة جديدة مع ذكراك إلى حيث افترشتَ الأرض قرب الحدود. أحمل قلمك وأملك بإنجاز التحرير الكامل، وعين على روحك التي ما زالت ترافقنا عند كل مفترق وكل مواجهة. عساف أبو رحال. شهيد الصحافة. سلام إليك في عليائك مع الشهداء.