بعد البقاع الغربي.. الزمن يعود براشيا إلى «السراج والفتيلة»
لطالما كانت مآسي اللبنانيين عموماً وأهالي قرى قضاء راشيا تحديداً، أداة تجاذب في يد معظم القوى السياسية، إذ تُستغَل لتصويب الأهداف إلى مرمى «الأعداء». والمدهش في هذا الإطار، هو أن كل قوة تستطيع «تجيير» هذه المأساة لمصلحتها، فيصبح في النتيجة الجميع «متهمين»، ولكن نظرياً. وهذا ما يحدث اليوم في أزمة الكهرباء، المواطنون «يموتون» برداً في الشتاء، بعد أن ضاقوا ذرعاً بحرّ الصيف، أما السياسيين فيتناحرون في «وادٍ آخر»، فيما يغيب انتباه نواب المنطقة عن أزمة انقطاع التيار الكهربائي بشكلٍ أقرب إلى الانقطاع التام، والبلديات عاجزة، ولا مبالية، تاركين أبناء المنطقة يتكبدون معاناتهم في صراع «قدري».. يعود بهم إلى القرون الغابرة، زمن «السراج والفتيلة»!
المآسي بالجملة، استغلال معاناة الكهرباء، انقطاع تام في بعض قرى راشيا، وأصحاب المولدات يرفعون التعرفة بشكلٍ جنوني، من دون توحيدها أو خضوعها للرقابة من قبل أي جهة، تاركين جنون «مافيا» المولدات تتحكم بالعباد وقرى المنطقة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
لاءات ثلاث تطبع الحياة اليومية لدى أبناء راشيا المكتوين بنكبة الإهمال، التي تحكي عن حاجتهم إلى «المياه، والكهرباء، والمازوت»، في منطقة لا تجد من يغيثها، في ظل «تلاشي» الصرخات الاحتجاجية التي أطلقوها عبر إقفال الطرق والاعتصامات.
في حضرة الظلام الدائم
ففي منطقة راشيا، يعيش المواطنون في عدد من قرى هذه المنطقة، منذ أكثر من عشرة أيام، في حضرة الظلام المطبق، وفقراء المنطقة الذين جهزوا «مؤونة الشتاء» في بداية الشهر الماضي، كانوا أكثر المتضررين من تلف هذه «المؤونة» بسبب انقطاع الكهرباء، وقد دفع البرد الشديد ليلاً الأسر والشبان في هذه المنطقة ومحيطها إلى الشارع، ملتزمين الصورة النمطية للاعتراضات: إحراق إطارات واعتصامات وإقفال الطرق الدولية والرئيسية ومناوشات مع القوى الأمنية واعتراضات ولافتات منددة بالسياسة المتبعة وعتب وانتقدات لنواب المنطقة الذين اتهموهم بـ«المتفرجين» و«اللامبالين» لمعاناتهم. فقطعوا الطريق الدولية التي تربط راشيا بالجنوب اللبناني على خطين وبالعكس. والحالة هذه تنطبق على غالبية قرى وبلدات البقاع الغربي، التي عادت إلى «الشمعة واللوكس»!
الخيارات السلبية
الكهرباء وإن كرمت «المعترين» بحضورها، تأتي بقوة 60فولت كما حصل أمس، لتحرق الأدوات الكهربائية في عدد كبير من منازل المنطقة! حتى إن بعضهم تمنى لو أنها لا تأتي! فقد خلفت لهم كارثة مضافة إلى «بلواهم».
اللافت، أن مسلسل الأزمات المتلاحقة، أخذ يحفز المواطنين ويدفع بهم لركوب موجة الخيارات السلبية، من أجل لفت أنظار المسؤولين إلى الحال المزرية التي بدأت تهدد الاستقرار الحياتي والأمن المعيشي، علّ وعسى المسؤولين يعون حجم الكارثة، فيتدخلون لوقف مفاعيل ذلك المسلسل قبل فوات الأوان. فإذا كانت الطبيعة حلت أزمة انقطاع المياه، فإن الدولة ظلت عاجزة عن توفير أبسط مقومات العيش الكريم للمواطن، فمن مادة المازوت الملتهبة الأسعار، إلى التقنين العشوائي، والانقطاعات المتواصلة في الكهرباء، يبقى المواطن وحده منهك القوى، يعوم على وجه المستنقع المليء بما يصفه الكثيرون بـ«المؤامرات»، و«العناوين الجوفاء»، التي «تفبركها» الدولة عن حلول منتظرة لتفاقم المشاكل.
انقطاع متواصل
انقطاع التيار الكهربائي بشكل شبه متواصل، وازدياد ساعات التقنين، وعشوائية التطبيق المعمول بها في منطقتي راشيا والبقاع الغربي، دفعت أمس أهالي قرى كوكبا، ومجدل بلهيص، وكفرمشكي، وجب فرح، والنبعات، ولبايا، وعز العرب، وحوش القنعبة، والسماح، التي تتغذى من محطة مركبا، وقبلها أهالي بلدتي القرعون ومشغرة، للنزول إلى الشارع وتنفيذ اعتصامات، رافقها قطع طرق لبعض الوقت، عند مثلث كوكبا ـ كفرمشكي ـ راشيا ـ مرجعيون، احتجاجاً على ما أسموه بـ«المؤامرة التي تنفذها الدولة بحق مواطنيها»، حيث يغيب التيار الكهربائي بشكل شبه يومي عن تلك القرى وغيرها من البلدات، متسبباً بوقوع أضرار جسيمة في القطاعات الإنتاجية، والمعدات والمشغلات والآلات الكهربائية، نتيجة ضعف التيار الكهربائي، الذي لا تزيد قوته عن 120 فولت في أحسن الحالات.
رسائل تحذيرية
رئيس بلدية كوكبا، عقل مغامس، تحدث باسم البلديات، فأكد أن «الاعتصام هو رسالة لوزير الطاقة جبران باسيل والمدير العام لكهرباء لبنان، من أجل الإيفاء بالوعود التي قطعت لتزويد المنطقة بمحطات تقوية، وإصلاح الطوربينات القديمة، التي لم تعد تتحمل الضغط المتزايد من استهلاك الطاقة»، محذراً من «اللجوء إلى خطوات تصعيدية، وصولاً إلى الاعتصام المفتوح، إذا لم تتعاط وزارة الطاقة بجدية مع المشكلة»، التي شبهها بـ«مسلسل القهر اليومي»، معلناً باسم البلديات «اللجوء إلى عدم دفع فواتير الكهرباء، خصوصاً أن هذه القرى تدفع الجباية بنسبة 10 %».
أما رئيس بلدية العقبة رشيد حماد، فاعتبر أن «ما يطالب به مواطنو المنطقة هو حق لهم وواجب على وزارة الطاقة، وهو الحق الأدنى الذي يطالب به أي مواطن في أي دولة، من كهرباء وماء وبنى تحتية التي تفتقدها منطقة راشيا»، مشيراً إلى أن البلديات تقدمت بطلبات إلى وزارة الطاقة لتزويد محطة مركبا بطوربينات ومحطات جديدة وأكبر من الموجودة حالياً التي تجاوز عمرها الـ25 سنة، من شأنها أن تساعد على تغذية المنطقة بالكهرباء، وأكد «عدم الاستجابة مع مطالب الأهالي حتى اللحظة، لا سيما أننا منطقة شاسعة جغرافياً، وأن القرى والأحياء تشهد توسعاً عمرانياً وتزايداً سكانياً، وإذا لم يصار إلى التجاوب مع مطالبنا فإننا مضطرون إلى التصعيد».
رشوة
حمود حمود من بلدة مجدل بلهيص قال: «الكهرباء لم نرَها منذ فترة، وموظفوا الكهرباء (الصيانة) لا يقومون بإصلاح الأعطال إلا إذا قبضوا أموالاً لقاء اصلاح الأعطال(أي رشوة)»، متسائلاً: «أين الرقابة والتفتيش؟.. موظفون جالسون في مكاتب المؤسسة، ليقبضوا رواتبهم الشهرية فقط، قطعت الكهربا أم لم تقطع، وجدت أم لم توجد، فالأمر سيّان، رغم أننا ندفع فواتيرنا كاملةً و100%، ولا كهرباء، فيما المسؤولون يجلسون على كراسيهم ولا يعنيهم الأمر بشيء»، مهدداً بـ«استمرار التظاهر والاعتصامات إذا لم تتأمن الكهرباء والمياه. فقد أتوا بأعمدة الكهرباء إلى بعض القرى ثم عادوا وأخذوها دون معرفة الأسباب».
معامل ومناشر الحجر
فيصل أبوشهلا، رئيس بلدية العقبة السابق، طالب المسؤولين «النزول على الأرض ليتأكدوا من معاناتنا، لا أن يجلسوا خلف مكاتبهم، فقرانا في هذه المنطقة، لا يوجد فيها سرقات وتعليقات كما يدّعون، وندفع فواتيرنا100%، كما أن منطقتنا تفتقر إلى المعامل ومناشير الحجر، ورغم ذلك، قاموا بقطع التيار الكهربائي عن قرانا قبل عيد الأضحى بأربعة أيام ولا نزال نعاني، واليوم فقط عندما علموا باعتصامنا، لم يقطعوا الكهرباء وبقيت 24ساعة».
تقوية محولات التغذية
كمال عساف قال: «معاناتنا مع الكهرباء سنوية، فمحولات التغذية في مركبا قوتها خفيفة، مقابل تزايد عدد السكان والتوسع العمراني في المنطقة، فيما الدولة غائبةعن معالجة هذا الموضوع».
أضاف: "لقد سبق وبعثنا برسالة مطلبية إلى وزارة الطاقة، لتقوية المحولات في مركبا، وحتى اليوم لم نحصل على جواب، وسط انقطاعٍ كبير في التغذية، فهذا أمر يحتاج إلى معالجة جذرية قبل أن تتأزم الأوضاع، فهدفنا حضارية الاعتصام، ومنعاً لتجاوز الأمور وقطع الطرق، نريد المصلحة العامة لا الاستغلال وقطع الطرقات، فعلى الدولة أن تلتفت لهذه المنطقة، وأن تعمل على تقوية المحولات لتفادي الأزمة واستغلالها".
اتهامات متبادلة
من جهتها، مصادر مسؤولة في مؤسسة الكهرباء عزت زيادة معدل ساعات التقنين، والانقطاعات المتكررة، إلى «عدم قدرة المحولات الكهربائية على تحمّل الاستهلاكات المحلية المتزايدة، والتي تفوق معدلها الأساسي». وحمّلت المصادر المواطنين المسؤولية، نتيجة «استخدام الدفايات، بدلاً من المدافئ العاملة على المازوت أو الحطب، بعد الارتفاع الذي تشهده أسعار هاتين المادتين اللتين تستخدمان للتدفئة في المناطق الجبلية».
لكن المواطنين يصفون تلك التبريرات بـ«الحجج الواهية، التي تختلقها مؤسسة كهرباء لبنان للتهرب من مسؤولياتها»، مؤكدين أن «عملية إقدام المؤسسة على زيادة ساعات التقنين، وتنفيذ مسلسل الانقطاع بشكل شبه يومي، هو غير مشروع وغير مبرر». وأعرب الشيخ أبو بديع عن استياء الأهالي نتيجة الأضرار التي أصابت القطع الكهربائية في المنازل، لافتاً إلى أن «التقنين يؤدي إلى رفع قيمة فاتورة اشتراك المولدات الخاصة، نظراً للزيادة في استهلاك الطاقة الكهربائية التي تتطلّبها مصالح المواطنين وحاجاتهم المنزلية، ما يعني أن مدفوعات المواطنين الشهرية ارتفعت إلى أضعاف مضاعفة».
تعطّلت مصالحنا
يتخوف أبناء راشيا من تراكم هذه الأزمات، إلى حد الانفجار، حتى أنهم لا يتسبعدون وجود مؤامرة محدقة بأمنهم الاجتماعي، وفق ما قاله راشد نوفل في لقاء مع «البناء» وهو من سكان بلدة كفرمشكي في راشيا، ويملك محطةً لتوزيع المحروقات في المنطقة.
ويضيف: «بعد أزمة المياه تأتينا أزمة التيار الكهربائي، حيث ترزح عشرات القرى والبلدات في المنطقة تحت وطأة أزمة عتمة خانقة منذ أكثر من شهر، وذلك نتيجة توقف عملية التغذية لهذه القرى بالتيار الكهربائي من معمل مركبا ـ الليطاني الذي يغذّي عشرات القرى في البقاع الغربي وراشيا، فتوقفت عملية التغذية كلياً، وأغرقت هذه القرى بالعتمة الكاملة على مدار الـ24 ساعة المتواصلة، فتعطلت مصالحنا، وأتلفت المونة، وتوقفت عملية تغذية القرى بالمياه، وتعطلت عملية تدريس أولادنا، وأرهقنا بالخسائر المادية في مصالحنا وفي بيوتنا، ولا أحد يسأل..!!».
واللافت في هذا الإطار، أن أصحاب المولدات عادوا لاستغلال حاجة الناس للكهرباء، فرفعوا تعرفة الـ5 أمبير لـ100ألف ليرة، وإلى المزيد، وفق ما يؤكد أبوفادي الذي دفعه هذا الواقع كذلك إلى الشارع!