الخيام نسخة تجريبية · Khiyam v2
أخبار وذاكرة ومجتمع
← الأرشيف

مركبـا: «يـا صاحـب الأمـر»

2007/7/31 · · المقال رقم 1264
سمى نفسه «أبو علي». لكن «موقعه» يثير الاستغراب، فهو «مسؤول المقاومة في قرية مركبا» ولكنه يبدو عشرينياً. «هذا صحيح»، يقول، «عمري 26 سنة». لكن الاستغراب ينتفي حين يبدأ بالكلام. فالشاب يبدو من الطلاب المجتهدين في هذه المدرسة، هؤلاء الذين لا تفوتهم شاردة ولا واردة خلال شرح الدروس. يحفظ درسه العسكري والسياسي عن ظهر قلب. منذ اليوم الأول، ذهب كل صاحب مهمة الى مهمته. أعدت الكمـــائن ونقاط الاستـــطلاع وغيرها. صار المقاومون في حالة جهوزية كاملة منتـــشرين في نقاط القرية كافة. غير أن معارك القطاع الأوســط تأخرت حتى الأسبــوعين الأخيرين من الحرب. في اليوم الثامن عشر من الحرب اشتد القصف، وظل متواصلاً لأربعة أيام. المجموعة التي كانت في الحي الشرقي صمدت طيلة هذه الأيام العصيبة بالرغم من القصف «الماحق». البيت الذي كانت فيه أصيب مراراً، لكنها صبرت. خرج الاسرائيليون من «وادي هونين» متجهين الى مركبا عند منتصف الليل. لم يعترض طريقهم أحد. «لكننا كشفناهم بطبيعة الحال». وكيف ذلك؟ «هم، لخوفهم، يثيرون جلبة مثل تلك التي تصدر عن مشي الغنم. خرجت المجموعة الى الكمين وانتظرت وصولهم. وصلوا بالطبع. نادراً ما فوتوا فرصة لإسقاط أنفسهم في كمين. ولو ذهبوا من طريق أخرى لخرجت اليهم مجموعة أخرى. زرعت المقاومة الأرض بالرجال. لا تسألوا عن العدد». يبدو أن عدد المقاومين لم يكن مهماً في حرب تموز. النوعية كانت المهمة، و«الجنود الإسرائيليون كانوا من نوعية رديئة، مع ان واحدهم يحمل على ظهره عتاداً لا يشيله جحش. ستون كيلوغراماً فيها كل ما يحلم فيه جندي في حرب. هذا لم يكن مفيداً لهم». اشتبكت المجموعة التي يتحفظ أبو علي عن ذكر عدد أفرادها مع الجنود العشرة. بعد ثلاث دقائق من الاشتباكات، استشهد مقاوم هو أحمد حمزة. وتابع الباقون لسبع دقائق أخرى انتهت بالجنود العشرة مطروحين أرضاً. انسحبوا بعدها الى نقطة خلفية. وجاء «جيش الدفاع الإسرائيلي» يمارس ما صار روتيناً بالنسبة له: قصف شديد على القرية يغطي إخلاء الجرحى والقتلى تاركاً عتاد عسكره. وبالطبع، فلا وقت لدى الإسرائيليين للبحث عن المقاومين المطلوبين أحياء أو موتى. جثمان حمزة ظل مكانه حتى نهاية الحرب. بعد أسبوع، قرروا احتلال مركبا نهاراً! رصدت مجموعة مقاومين هدير دبابة ميركافا وصوت تحطيم أبواب. عناصر المجموعة صبروا ليومين من القصف التمهيدي. طلعوا الى الكمين. بات يفصلهم جدار عن الطريق النازلة صوب مركبا. أتى جبل الحديد بأطنانه الخمسين يتهادى ويحيط به ثمانية جنود عند الساعة ,16 بتوقيت ابي علي العسكري، أي الرابعة عصراً بتوقيتنا. على جهاز اللاسلكي قال أبو علي: «يا صاحب الأمر افتح النار». اهتم مقاتلان بالدبابة، واهتم رفاق لهما بالمشاة. لم يستخدم الـ«مضاد للدبابات» العتيد هذه المرة، لأن مداه لا يسمح. استخدم المقاتلان الـ«بي سبعة» التقليدي. رميا ثلاث مرات. عند القذيفة الثالثة كانت الدبابة قد انفجرت. يشرح ابو علي: قذيفتان فجرتا «الدرع الردي»، أي مربعات المتفجرات الملصقة على هيكل الدبابة وتنفجر بالقـــذائف المصوبة اليــــها فتمنعها من الوصول الى الهيكل. بعدها تصير الــدبابة عارية إلا من سماكتها الأصلية التي يسهل اختراقها. أخبر أحد المقاومين «ابو علي» ان الدبابة تحترق والجنود على الأرض بين قتيل وجريح. طلب ابو علي من المجموعة الانتظار وعززهم بعنصرين يحملان مضادين للدروع. لثلاث ساعات بقي الجنود على الأرض ولم تأتهم أي نجدة. بعضهم كان يئن، ثم تلاشى أنينه لاحقاً. أعاد الشبان تموضعهم وابتعدوا نحو مئتي متر. جاء الإسرائيليون يمارسون هوايتهم في سحب قتلاهم وجرحاهم. لم يجربوا ثالثة مع مركبا. أمضى ابو علي ورفاقه حرباً كانوا ينامون خلالها ساعتين في اليوم. أصيب بعض الشبان بعوارض صحية ورفضوا المغادرة. سقط بالقرب من أحدهم صاروخ أدى الى ارتجاج في فقرات ظهره سببت له ألماً فظيعاً. غادر الى بيروت ليومين تعالج خلالهما وعاد. رفاق السلاح هؤلاء ما كانوا يتركون بعضهم البعض، وما كانوا يتركون القرى. «ماذا تنتظر منا؟ كنا نرى أهلنا يطلبون من الله أن يحمينا نحن، فيما كانت بيوتهم تهدم وأطفالهم يقتلون. قمنا بأقل واجباتنا تجاههم. وكان من العيب علينا ألا نصمد وألا نقاوم». حين انتهت الحرب، رتب ابو علي أمور شبابه. أخفوا السلاح ورجعوا مدنيين وأعادوا جثمان الشهيد الى قريته الجميجمة. فرح ابو علي لأنه كان واحداً ممن «أفرحوا قلب سماحة الأمين العام قائد هذه المسيرة، بل قائد كل شي، ابو هادي». بقي لمدة ثلاثة أيام بعد الحرب في مركبا قبل أن يغادرها عائداً الى قريته على متن دراجته النارية. حين وصل، ذهب الى مدافن القرية ليزور شهيداً سقـــط منها. ثم زار أهل الشهيد. بعد هذا الواجب، وبعد أكثر من ستة وثلاثين يوماً من الابتعاد، عاد الشاب الى بيته. هناك، كانت زوجته وطفلاه بانتظاره. عمر الأول ثلاثة أعوام، والثاني عمره سنة. كانت زوجة «أبو علي» تقول للكبير حين يسأل عن والده: «عم يقاتل إسرائيل». حفظ الطفل هذه الكلمات، وكان كلما سأله أحدهم عن والده، يقول: «عم يقاتل إسرائيل».