الخيام نسخة تجريبية · Khiyam v2
أخبار وذاكرة ومجتمع
← الأرشيف

عديسة: حسين البطل

2007/7/31 · · المقال رقم 1266
إنها التاسعة والربع ليلاً. الجنود الإسرائيليون في ساحة عديسة. أتوا مشياً من «مسكاف عام». عشرات منهم ينقسمون في مجموعات. يُسمع صوت طرق على الأبواب وصراخ بالعربية: «إفتح. جيش دفاع». لا أحد في البيوت. بتنا في مرحلة متقدمة من الحرب، في الأسبوع الأخير منها، وهؤلاء الذين مشوا من المستوطنة حتى قلب عديسة لم يتعرضوا بعد لطلقة نيران واحدة. سبقهم الى القرية قصف تمهيدي شديد. كانوا مرتاحين إلى حد ما. من غير المنطقي أصلاً أن يظل في عديسة مقاتلون. البلدة تقع في الداخل الفلسطيني تقريباً، ومكشوفة على الإسرائيليين تماماً. «إفتح. جيش دفاع». جندي إسرائيلي يصرخ بأعلى صوته، و«أبو حيدر» يهمس في اللاسلكي أن الاسرائيليين باتوا «على بعد خمسين متراً منّا»، أي منه ومن رفاقه الكامنين لعدوهم. «إفتح النار» قال مسؤول المقاومة في عديسة لأبي حيدر. المقاومة التي رصدت المشاة وهم يخرجون من مستوطنتهم فضلت استدراجهم الى كمائنها. فتح الرجال النار من كمينهم. انهمرت القذائف والقنابل والرصاص من عيارات مختلفة على المجموعة الاسرائيلية وقوامها 12 عنصراً. لم يقع اشتباك لأن جنود «جيش الدفاع» الذين كانوا قبل دقائق يستقوون على الأبواب، سقطوا أرضاً. وفي الظلام الدامس، لم يعد يُسمع إلا أصوات عويلهم وشتائمهم. تحقق حلم حسين. فابن التاسعة عشرة، كان ينتظر هذه اللحظة منذ اليوم الأول للحرب. والأكيد أن مخيلته رسمت مشاهد تحاكيها لسنوات بعيدة. وإذا كان من مرة أولى في حياة ما، فهذه هي المرة الأولى التي يرمي فيها حسين قنبلة على جنود إسرائيليين، ويطلق ناراً عليهم. وفي هذه المرة، لم يرتبك حسين ولم يخف. حسين رومل شري. جاء إلى عديسة زائراً قبل أسبوع من بداية الحرب. أنهى لتوه امتحانات الثانوية العامة وقرر أن يمضي أيام عطلة عند رفاقه في البلدة. حل 12 تموز. غادر أصدقاؤه وأهلهم القرية وظل هو فيها. يزور شبان «حزب الله» ويطلب منهم أن يسمحوا له بالانضمام إليهم. رفضوا أكثر من مرة. توجسوا من نقص الخبرة عند هذا الشاب الذي يصر أنه خاضع لدورات تؤهله للقتال. اضطر حسين في نهاية الأمر، أن يتصل بوالده كي يتوسط له. واتصل والد حسين بمسؤول عديسة في المقاومة: «حسين شاب قوي ومتدرب وممتاز. أبقوه معكم، يساعدكم، وما يقع عليكم يقع عليه». نفعت الوساطة وانضم حسين الى المقاومين في عديسة. كان والد حسين يحكي ابو حيدر أحياناً ويسأله عن ابنه: هل هو خائف؟ لا تدعه يخف. انتبه عليه. لكن حسين لم يكن خائفاً، بل كان غاضباً. يسمع عن بنت جبيل وعن عيتا الشعب وعن مارون الراس ويغضب لأن الإسرائيليين لم يحاولوا بعد دخول عديسة. وعدا ذلك كان شاباً مطواعاً. ينام حيث يُطلب منه أن ينام، ويتناول أي طعام يقدم إليه. يقوم بواجبه، وينتظر. ٭٭٭ بعد الجولة الأولى، انسحبت المجموعة الى كمينٍ ثانٍ تحت وابل من القصف الدخاني جعل ساحة عديسة غارقة في ضباب سميك. سمع شبان المقاومة أصوات المروحيات. كانت، على الأرجح، تجلي الإصابات. لعب المقاومون مع الإسرائيليين لعبة بسيطة، مميتة. التفوا على قوة أخرى من الجنود وكمنوا على طرقات تقدمهم. توزعت المجموعة في أربع زوايا. الإسرائيليون ظهروا من خلف حسين. أخذ الشاب قراره العسكري الصائب: عليه أن يعمل على هذه القوة الإسرائيلية كي يؤمن انسحاب رفاقه. تبادل إشارات سريعة مع «ابو حيدر» البعيد عنه. رفض حسين الانسحاب مع رفاقه لأن هذا يعني هلاكهم جميعاً. هذه ساحة حرب. القرارات تتخذ في ثوانٍ ولا تناقش كثيراً. ما لا تراه على هذا الورق هو العتمة والرصاص والدخان وما لا تسمعه هو قرع القلوب. ما لا تراه هو الجنود الإسرائيليون المدججون بالاسلحة. لكن ما لا يراه هؤلاء أنفسهم هو مصادر النيران عليهم. لا يعرفون عدد الذين أمامهم، ولا أماكن خروجهم، ولا أعمارهم، ولا أحلامهم. أنت لا ترى هذا على الورق، تخيل إذاً: مراهق في ليل دامس يتابع معركة ضد عدد غير محسوب من الجنود. يقفز من زاوية إلى أخرى. يرمي عليهم ويتلاعب بهم. تستمر حربه وحده ضدهم لنصف ساعة كاملة. يترك فيهم قتلى وجرحى. ويظل «أبو حيدر» ورفاقه يسمعون أزيز الرصاص وصراخ الجنود. على امتداد نصف ساعة طويلة ظل حسين رومل شري يقاتل، قبل أن يسود بعض السكون. لقد استشهد، لكن ليس قبل أن ينهك الجنود. مراهق يصول ويجول ثم تسقطه طلقات قناص بعيد لا نيران واحد من هؤلاء الذين في أرض المعركة. ظل جسد الشهيد حيث هو حتى نهاية الحرب. لم يجرؤوا على الاقتراب منه. للتذكير: 19 سنة. ٭٭٭ المجموعة كمنت في منطقة ثالثة. هاج الإسرائيليون مجدداً. مطر من قذائف راحت تنفجر خلف المقاومين وأمامهم والى يمينهم ويسارهم. ساعة أخرى، ثم توقف القصف، وما هي إلا دقائق حتى بدأ يصل صوت صراخ الإسرائيليين الهستيري وأزيز رشاشاتهم. «جيش دفاع».. «جيش دفاع». لماذا يثيرون كل هذه الجلبة وهم في معركة؟ لا أحد يدري. هي أعصابهم، لم تعد تسعفهم. أطلقوا نيرانهم كيفما اتفق. حين صاروا في مجال رؤية المجموعة، سأل واحد من المقاومين أبو حيدر: «أقوّص؟». «لا»، أجابه. اقترب الإسرائيليون أكثر. باتوا على بعد أمتار من «أبو حيدر». نظر إلى الأقرب منهم إليه واستغرب: ما به هذا؟ لماذا لا يطلق النار عليّ. أبو حيدر مختبئ بالقرب من رمانة لا تحجبه، ولوهلة ظن ان العسكري الذي يحمل سلاحاً متوسطاً ينظر اليه. غير أن هذا «المعمي على قلبه» لا يراه. حسناً إذاً: صوّب أبو حيدر بندقيته. ركز على هدفه جيداً، ثم أطلق النار. أصاب الجندي في جبينه. سقط على ظهره كلوح من الخشب. فُتحت الجولة الثالثة. وكما في المرات السابقة، اشتبك المقاومون مع الإسرائيليين ثم انسحبوا الى كمين رابع، لكنهم لم يلتقوا بعدها بهم. الهجوم على عديسة انتهى. خرج عشرات الجنود من قلب القرية التي دافع عنها في تلك الليلة بضعة مقاتلين فقط، سقط منهم شهيد واحد. لملم الاسرائيليون قتلاهم وجرحاهم وغادروا. ظنوا أن هذه السبحة من الكمائن لا نهاية لحبّاتها. ٭٭٭ بعد تلك الجولة، ظلت عديسة تتعرض لقصف يومي حتى اليوم الأخير من الحرب، لكن الإسرائيليين لم يجربوا دخولها ثانية. «ابو حيدر» الآن يفكر: ما الذي أوقف قائد الهجوم في ذلك اليوم؟ هل كذب على جماعته وقال لهم إنه طّهر عديسة من المقاومين وانتهى الأمر؟ أبو حيدر لا ينسب لما أنجزه هو ومجموعته قرار العدو العدول عن احتلال القرية، هو الذي روى سير المواجهات بلهجة جنوبية ناعسة جعلت المعركة تبدو أقرب ببساطتها إلى رحلة صيد عصافير. لم يكن بوارد المقاومة أن رجالها سيبقون في عديسة حتى اليوم الأخير، حتى معركة الدفاع عنها لم تكن منطقية عسكرياً. كان الإسرائيليون قد سيطروا مسبقاً على النقاط العليا من القرية في إنزالات وتسللات. رجال المقاومة كانوا يمرون أسفل هذه البيوت ولم يتعرضوا يوماً للنيران. الجنود سدوا كل النوافذ التي تطل على القرية. لم يتركوا ولو كوّة ليرصدوا منها. «هؤلاء الجبناء. حين دخلنا البيوت حيث كانوا، اعترانا القرف الشديد. المواشي أكثر نظافة منهم»... «أبو حيدر» هو الذي اختار هذا الاسم للحوار مع «السفير»، لأن الاسم الحركي للشهيد حسين شري هو حيدر.