الخيام نسخة تجريبية · Khiyam v2
أخبار وذاكرة ومجتمع
← الأرشيف

رحيـل خالـد تاجـا: مسيرتي حلم من جنون

2012/4/5 · · المقال رقم 13403
راشد عيسى رحل الفنان السوري خالد تاجا أمس عن عمر يناهز الثالثة والسبعين عاماً بعد صراع مع المرض، غير أن الرجل كان قد حضّر نفسه منذ زمن بعيد، جرياً على عادة كثير من أهالي دمشق. حضّر القبر بنفسه والشاهد، الذي حمل كلمات تقول «مسيرتي حلم من الجنون، كومضة شهاب زرع النور بقلب من رآها، لحظة ثم مضت». ثم يشير الشاهد على قبره إلى «منزل الفنان محمد خالد بن عمر تاجا من مواليد عام 1939». وترك الرجل تاريخ وفاته الذي يصادف هذا العام السوري المجيد: 2012. بدأ «تاجا الشامي»، وهذا هو لقبه الأحب إلى قلبه، رغم ذلك اللقب «أنطوني كوين العرب» الذي قال إن الشاعر محمود درويش قد أطلقه عليه، حياته الفنية صغيراً في المسرح، حيث عرف مسارح دمشق وعمل فيها، كما عرف رجال المسرح الكبار آنذاك وعمل مع بعضهم، كعبد اللطيف فتحي، وأنور البابا، وحكمت محسن، وسواهم. ومن المسرح، دلف تاجا إلى السينما، حيث التقى في المسرح العسكري المخرج اليوغسلافي يوشكو فوتونوفيتش فأسند إليه دور البطولة في أول فيلم سينمائي تنتجه المؤسسة العامة للسينما هو «سائق الشاحنة» (1966). ثم تتالت الأعمال السينمائية في القطاعين العام والخاص، وكان أبرزها «الفهد»، و«رجال تحت الشمس». ويكتب الفنان الراحل بنفسه في سيرة ذاتية مقتضبة أنه ابتعد عن العمل لمدة 12 عاما بسبب ما أسماها ظروفاً صحية خاصة، وعند عودته قدم أكثر من مئة مسلسل تلفزيوني. في التلفزيون كانت مسلسلاته المئة كفيلة بأن تضع بين يديه عدداً هائلاً من الأدوار، في بيئات وأنماط فنية مختلفة، فمن أعمال البيئة الشامية في «أسعد الوراق» و«أيام شامية»، و«الحصرم الشامي»، و«أبو خليل القباني»، إلى التاريخية في «خالد بن الوليد»، و«ملوك الطوائف»، و«ربيع قرطبة»، و«صلاح الدين الأيوبي»، إلى الكوميدية في «بقعة ضوء»، و«الفصول الأربعة» و«يوميات مدير عام»، و«أيام الولدنة».. إلى ما هنالك من أعمال اجتماعية معاصرة، كان الراحل يبدو وكأن الماكياج لم يبدل في عمره وهيئته شيئاً، يبدو منذ أكثر من عشرين عاما في السنّ ذاته، غير أنه لعب الأب والمسؤول الفاسد، بل وحتى العاشق والدونكيشوت، أو لنقل ما يشبه الدونكيشوت في العمل الكوميدي «أيام الولدنة» الذي راح يلقي في أناس هذه الأيام خطباً تقرع الفساد والفاسدين، وتراوغ قبضة أجهزة الأمن. ولعل تلك الخطب بالذات هي ما أشعل جبهة الرقابة ضد ذلك المسلسل. لقد ظهر الفنان تاجا في أحد أدواره وهو يخطب في الناس في ساحة المرجة مقرعاً إياهم على صمتهم وتخاذلهم، وسرعان ما انفض الناس من حوله هاربين. قال تاجا حينذاك ما معناه «إنكم لا تستعملون أرجلكم إلا للهريبة. كنا فقط نجرب صوتنا، ماذا لو بقّينا البحصة؟». رحل خالد تاجا، الشاميّ الكبير، إلى منزله الأخير، غير أن عزاء محبيه يظل في مئات الآثار التي تركها حولنا، والتي لن تمحى بالتأكيد.