الخيام نسخة تجريبية · Khiyam v2
أخبار وذاكرة ومجتمع
← الأرشيف

«حرب حتى اللحظة الأخيرة»: الإعلام الإسرائيلي في حرب لبنان الثانية

2007/8/6 · · المقال رقم 1364
1ـ المقدمة: «نحن منتصرون» في العام الذي مر على حرب لبنان الثانية غرق المجتمع الإسرائيلي في موجة لم يسبق لها مثيل من انتقاد صناع القرار في الحكومة والجيش. وخلافاً لحروب سابقة، وصلت الكثير من الوقائع الأساسية بشأن هذه الحرب إلى علم الجمهور بعد شهور قليلة من انتهائها، جراء نشر تقرير لجنة فينوغراد المرحلي ومحاضر مداولاتها. وفي هذه الأجواء نشأ الانطباع بأن وسائل الإعلام الإسرائيلية، التي قادت موجة الانتقاد هذه، كانت انتقادية أيضاً للحرب أثناء سيرها. وهكذا فإن هذا التقرير يسعى لوضع الأمور في نصابها: فعدا حالات معزولة، استثنائية، جرى تبيانها في التقرير، فإن جميع وسائل الإعلام الإسرائيلية المركزية غطت الحرب بشكل ملتزم شبه تام ـ حتى عندما جلب مراسلوها مواد إخبارية شملت تقريباً كل ما كشفت عنه لجنة فينوغراد بعد شهور من تحقيقاتها. غير أن هذه المواد حشرت في الهوامش أثناء عملية تحريرها. وقد خلقت وسائل الإعلام أجواء عامة من التأييد الشامل والمطلق للحرب وعدالتها، وأبعدت بشكل منهجي علامات الاستفهام التي أثيرت منذ اليوم الأول فيها. ومن حين لآخر، ظهرت إلى جانب هذا الدعم بعض الانتقادات لهذه الجوانب التكتيكية أو تلك في إدارة الحرب، وقد تعاظمت هذه الانتقادات مع اقتراب الحرب من نهايتها، كلما تبين أن الجيش لم يفلح في تحقيق النصر. غير أن الروح العامة التي شاعت في تغطية الحرب، وبالمعنى الواسع، الاستراتيجي، كانت بعيدة جداً عن أن تكون انتقادية، من بداية الحرب وحتى نهايتها. ويستند التقرير على تحليل التغطية الكاملة للحرب في نشرات الأخبار المركزية للقنوات الثلاث الكبرى، الأولى، الثانية والعاشرة، وفي الصحف الثلاث الكبرى، «يديعوت أحرنوت»، «معاريف» و«هآرتس». والأمر يتعلق بحجم تغطية هائل: أكثر من تسعة آلاف مقالة . تجدر الإشارة إلى أنه ليست كل وسائل الإعلام قامت بتغطية الحرب بدقة بالطريقة ذاتها. فالقناة الثانية و«معاريف» قدمتا لزبائنهما في الغالبية المطلقة من الحالات تغطية قومجية، غاضبة وملتزمة بشكل صريح. كما أن «يديعوت أحرنوت» والقناة الأولى تجندتا، ولكنهما قامتا بذلك بشكل أكثر اعتدالاً. وقد عمدت «هآرتس» والقناة العاشرة بين الحين والآخر بتقديم تغطية انتقادية وأكثر عمقاً. وأحياناً كانت تغطية القناة العاشرة انتقادية وشجاعة بالمعنى الكامل للكلمة. وهذا يستحق الثناء. ومن المهم جداً الانتباه لهذه الفوارق بين وسائل الإعلام، ولكن من المهم أيضاً أن نفهم أن «هآرتس» والقناة العاشرة، كما وسائل الإعلام الأخرى، قدمتا تغطية ملتزمة بمعانٍ كثيرة ومقررة. ومنذ انتهاء الحرب وحتى كتابة هذه السطور، وصلت إلينا في «كيشف»، شهادات غير قليلة، من مصادر أولى وثانية، من رجال إعلام رووا لنا عن أجواء الالتزام التي احتلت غرف الأخبار في أثناء الحرب. وقد طلب معظم رجال الإعلام هؤلاء البقاء مجهولي الهوية، ولهذا فإننا لا نستطيع نشر قسم من هذه الشهادات، التي يمكن لفحواها أن يدل على أصحابها. ولكن الشهادات التي استمعنا إليها كانت متشابهة جداً مع بعضها بعضاً: وقد روت جميعها عن مشاعر حماسية، عن انجرار عاطفي وعن أوامر من فوق، وعن خشية من الإعراب عن مواقف معارضة في مواجهة الموقف الموحد والقاطع الذي تبدى يومياً في التغطية نفسها. والصورة العامة التي تظهر من الشهادات صورة قاسية: فليس هكذا ينبغي لوسائل الإعلام أن تتصرف في دولة ديموقراطية. ومن بين المواد التي وصلت إلينا، سوف ننشر في التقرير مادتين: الأولى شهادة مراسلة «يديعوت أحرنوت» وياعيل غربيتس، التي كانت شريكة في دائرة كتاب المقالة الافتتاحية للصحيفة. وفي التاسع من آب كتبت غربيتس مقالة شديدة اللهجة، بعنوان «مخطوفون في برج الدبابة»، حذرت فيه من مغبة تنفيذ عمل عسكري غير مسؤول. وفي اليوم التالي قام رئيس تحرير الصحيفة رافي غينات بتجميدها عن العمل. أما الوثيقة الثانية فهي وثيقة داخلية غير موقعة، أرسلت من جانب نائب المدير العام للتسويق لإطلاع مستخدمي «معاريف» بعد الحرب. وتصف الوثيقة الطريقة التي أديرت بها الصحيفة أثناء الحرب. وجاء فيها: «لقد أثبتت «معاريف» مرة أخرى أثناء حرب لبنان الثانية أنها الصحيفة الأشد وطنية بين الصحف الثلاث الكبرى. وبخلاف «يديعوت أحرنوت» و«هآرتس»، اللتين تصرفتا في الحرب كما في باقي أيام السنة، ولم تبلورا خطاً تحريرياً واضحاً، واصلت «معاريف» ما تفعله بقامة منتصبة حتى في الأيام الصعبة للسور الواقي (عملية جنين)، وكذلك في فترة تنفيذ خطة الفصل ـ تأييد الجيش، الوقفة الصلبة خلف الدولة، وكبح الانتقادات طالما أن القتال دائر. وقد ضبطنا أنفسنا حتى عندما كانت بحوزتنا مواد إشكالية تتعلق بإدارة الحرب، حول الوضع في مخازن الطوارئ، التعيينات الإشكالية في قيادة الجبهة الشمالية، السجالات المحرجة بين كبار القادة العسكريين وشكاوى تتعلق بجنود الاحتياط الخارجين للحرب بعتاد منقوص ومهترئ. وبذلك فإننا خنا، بمعنى ما مهمتنا الصحفية، ولكننا فعلنا ذلك لأننا أخذنا بالحسبان الاعتبار القومي، الوطني، وقررنا أنه في حالة الحرب، وبالتأكيد في حرب لا تتقدم بالشكل المطلوب وهي تتشوش، فإننا نبقى جزءاً من الدولة. ومسموح بل من الواجب إزاحة الخلافات والانتقادات، ولسنا بحاجة للخجل أو الاعتذار عن حقيقة أننا ندعم الجيش والحكومة ونوفر لهما التأييد. وهذه الأقوال مدعومة بشهادات من مستخدمين في «معاريف». وبهذا المعنى، يمكن ويجب التعامل مع حرب لبنان الثانية على أنها فرصة يجب استغلالها. واليوم بعد عام من الحرب، بعد التقرير المرحلي للجنة فينوغراد، بعد العواصف العامة، بتنا جميعاً نعرف، بشكل أو بآخر، كل ما تنبغي معرفته عن هذه الحرب. لذلك فإن بالوسع العودة إلى التغطية الإعلامية للحرب في أثناء سيرها ولفحص أنماط التغطية، ما كان فيها وما افتقرت إليه، لفهم المعاني العامة لهذه الأنماط، والشروع بتغييرها. 2ـ تغطية أهداف الحرب وعملية اتخاذ القرارات «إجماع حول طاولة الحكومة» وقد تجلى الدعم الكامل من جانب وسائل الإعلام في حرب لبنان الثانية، ابتداء من أيامها الأولى وحتى نهايتها، أكثر من شي ء آخر بالطريقة التي قدمت فيها هذه الوسائل التقارير لقرائها ومشاهديها حول أهداف الحرب، وحول عملية اتخاذ القرارات التي قادت إلى نشوبها. واليوم، بعد أن نشرت الاستنتاجات المرحلية للجنة فينوغراد، بتنا جميعاً نعرف بعض الأشياء عن كل ذلك. ومن الصعب العثور على كلمات قاطعة كتلك التي حسمت بها لجنة فينوغراد الأمر بقولها، إن «الصورة التي خرجت بها إسرائيل للمعركة ليست مقبولة، ومحظور أن تتكرر، وينبغي السعي لإصلاحها بأسرع وقت ممكن». ولكن على طول مسار الحرب، كررت وسائل الإعلام مع زبائنها عملية إعادة إنتاج الانطباع بأن الأمر يدور حول عملية جرى التخطيط لها بشكل جيد، وأن أهدافها واضحة وملحوظة، ومطلوبة لإسرائيل. وبذلك خلقت وسائل الإعلام مشهداً زائفاً عن وضوح وغائية، لم يكونا متوفرين في الواقع. وتكاد التغطية الجوهرية لعملية صنع القرارات في الأيام الأولى للحرب تكون قد غابت عن وسائل الإعلام. وفي الغالبية المطلقة من الحالات، جرت تغطية قرار الخروج للحرب بشكل رسمي، وبطريقة شبه احتفالية: نحن على وشك فعل ما ينبغي فعله. وتم وصف جلسة الحكومة كحدث تاريخي مثير، وجرى التركيز على عنصر الإجماع بين الوزراء مرة تلو مرة. وفقط في هوامش التغطية اتضح أن الإجماع لم يكن كاملاً، لأن رئيس الأركان، الجنرال دان حلوتس، تهرّب من الأسئلة التي طرحت عليه حول أهداف الحرب، وأن الحكومة صدقت عملياً شن الحرب من دون أن ترى خطة فعلية. وعرضت وسائل الإعلام أهداف الحرب على أنها مطلقة وواضحة، حتى عندما كانت الأهداف هذه تتغير بين يوم وآخر، وحتى عندما عرضت جهات مختلفة أهدافاً مختلفة، وأحياناً في اليوم الواحد، وكذلك عندما كان واضحاً منذ اليوم الأول أن جزءاً من هذه الأهداف غير قابل للتحقيق، وعندما كانت الأهداف مناقضة لبعضها بعضاً. غير أن التناقض الأهم كان بين إعادة الجنديين المخطوفين وبين ضرب حزب الله. إذ لم يكن من الصعب أن نفهم، منذ بداية الحرب، أن عملية تهدف إلى «تغيير قواعد اللعبة» في لبنان ستجعل من عملية إعادة الأسيرين مهمة شبه مستحيلة. غير أن هذه الحكمة الأساسية لم توضع أبداً على طاولة النقاش الجدي والمعمق ولم تحتل عملياً أية عناوين. 3 ـ تغطية صناع القرار: «عمود فقري من الفولاذ» وقد عبرت عن نفسها التغطية غير الانتقادية لعملية صنع القرارات في هذه الحرب بشكل مثير للسخرية تقريباً بالطريقة التي اختارتها وسائل الإعلام، في بداية الحرب، لعرض صورتي أولمرت وبيرتس. وبدلاً من طرح أسئلة صعبة ومطلوبة على الرجلين، أعلنت وسائل الإعلام عن حدوث ثورة: فها هما الزعيمان المدنيان يتحولان إلى رجلي حرب شديدين. وهما يتحدثان دون تردد، يعملان بثقة، يسيطران على الوضع بقوة، ويسمحان للجيش بالعمل بيد قاسية ضد حزب الله. وقد صمدت هذه الصورة المصطنعة إلى أن بدأت المعركة في لبنان بالتعقد. حينها بدأت في الظهور بشكل متزايد أصوات من داخل المؤسسة العسكرية تزعم أن المستوى السياسي يمنع الجيش الإسرائيلي من العمل بالشكل الذي يريد، ولا يسمح له بتحقيق النصر. وسيطرت هذه الأصوات على العناوين الرئيسية لوسائل الإعلام. وطوال زمن القتال، جرى تهميش كل التقارير عن استضعاف المستوى العسكري للمستوى السياسي، وعن الطريقة الفضائحية التي أديرت بها علاقات العمل بين المستويين. والأمر يتعلق بمادة إخبارية من الدرجة الأولى، وتم إبرازها بشكل جوهري في القناة العاشرة، وبقدر ما في صحيفة «هآرتس» أيضاً. أما باقي وسائل الإعلام فلم تلامس هذا الموضوع. كما أن التقارير عن الخلافات داخل المؤسسة العسكرية ظهرت أثناء الحرب فقط بشكل نادر، وتم إبرازها على الدوام فقط عندما كانت الجهات التي تعرض الانتقاد تطالب باستخدام المزيد من القوة. وقد احتل هذا الأمر العناوين طوال يومين أو ثلاثة، عندما قرر رئيس الأركان تعيين الجنرال موشيه كابلينسكي كممثل له في الجبهة الشمالية، وعمليا أطاح بالجنرال أودي أدام عن منصبه كقائد للجبهة الشمالية. ولكن حتى في تلك اللحظة، تجنبت التقارير حول الإطاحة بالجنرال أدام، في الأغلبية المطلقة من الحالات، أي نوع من التحقيق الأساسي في شكل إدارة الحرب، وركزت على العلاقات الشخصية بين أدام ورئيس الأركان. 4 ـ الخوف من الهزيمة: «العد التنازلي للمشروع الصهيوني بأسره» وبقدر ما طالت الحرب، وخصوصاً عند اقترابها من النهاية، سيطرت على وسائل الإعلام مشاعر الخيبة الشديدة. فالأحداث الصعبة أثناء الحرب، اختطاف الجنود، الضربة المباشرة للبارجة مقابل سواحل لبنان، المعارك الضارية التي لقي فيها عشرات الجنود مصرعهم، إخفاقات الإمداد، كل هذه الأمور جرت تغطيتها بشكل لم يحاول إخفاء حقيقة أنه يتعذر على الجيش الإسرائيلي العمل، وأنه على وجه الخصوص لا يفلح في تحقيق الانتصار. وقد جرت طبيعة هذه التغطية وراءها اتهامات عدة لوسائل الإعلام، وكأنها كانت تغطي الحرب بشكل مفرط في انتقاديته. ولكن هذه التغطية بحاجة إلى اختبار عن قرب. فالانتقادات التي أطلقتها وسائل الإعلام ضد الجيش نبعت على الدوام، وتقريباً من دون استثناء، من الدعم المعلن والقاطع للحرب ذاتها. وقد كان هذا انتقاداً يطالب بعمل أشد وأكثر نجاعة، وأحياناً بالثأر، وتوجيه ضربات أقسى للبنان، وبالخصوص يريد نتائج على الأرض. يريد المزيد من الانتصارات. والانتقادات التي نشرت في وسائل الإعلام حملت، في نهاية المطاف، الرسالة التالية: هذه حرب عادلة وصائبة، ولكن صناع القرار لا يديرونها كما ينبغي، ولذلك فإننا نخسرها. ولم يقل أحد منهم أن هذه الحرب ذاتها ليست على ما يرام. وعندما يئست وسائل الإعلام من صناع القرار، من رئيس الحكومة، وزير الدفاع ورئيس الأركان، التصقت بالجنود في الميدان، الذين وجهوا اتهامات شديدة ضد المستويات الأعلى ورووا قصصاً عن التقصيرات التي لا تسمح لهم، للجنود، بالانتصار على العدو. وعادت وسائل الإعلام مراراً وتكراراً لتطالب، باسمهم: دعونا ننتصر. وهذه التقارير عن إحباط الجنود والضباط في الميدان ترافقت مع مئات كثيرة من المقالات التي تحدثت عن بطولات هؤلاء الجنود والضباط أنفسهم، وعن إخلاصهم المطلق. وقد خلقت كل هذه التقارير مجتمعة إحساساً بالتجند المطلق إلى جانب هذه الحرب. إن الشعور العام هو أن هذه التغطية لم تنبع عن انتقاد وإنما عن هزيمة. وقد تعزز هذا الشعور في ضوء الطريقة التي غطت فيها وسائل الإعلام الجانب الثاني في الحرب، وهو حزب الله وزعيمه حسن نصر الله. وكما كان عرفات وبن لادن قبله، جرى وصف نصر الله كشخصية من عالم الأساطير: فهو مبدع شرير، شيطان ذكي ينجح فيضربنا مرة تلو أخرى والخروج من ذلك سالماً. وقد خلق كل ذلك في نهاية المطاف انطباعاً شبه هيستيري بأن هذه حرب وجود، حرب أن نكون أو لا نكون. وكان لإخفاقات الجيش معنى واحد ووحيد: إسرائيل تفقد قدرتها الردعية. لذلك محظور إيقاف هذه الحرب. ليس قبل تحقيق الانتصار. ويمكن الإشارة أنه داخل هذه الفلسفة الرؤيوية لم يكن هناك متسع لتغطية انتقادية حقيقية، كالتي تطالب باختبار مبرر نشوب هذه الحرب أصلاً، والسياسة والأخلاق التي مورست خلالها. 5ـ الجبهة الداخلية: يهود «لا ينهزمون» وعرب «يصدقون نصر الله» واليوم، بعد نشر العديد من الدراسات في هذا الشأن، بتنا نعرف أن الدولة فشلت في معالجة أمر مواطني الشمال خلال الحرب. وفي ظل هذا الوضع، الذي لم يكن سراً لدى أحد منذ مطلع الحرب، كان بالوسع توقع أن تختبر وسائل الإعلام بشكل جدي القضايا ذات الصلة، وأن تقوم بعرضها، أثناء حدوثها، أمام صناع القرار: هل هناك منظومة حماية سليمة؟ هل الملاجئ جاهزة للاستخدام؟ ما الذي تم فعله عملياً من أجل توفير دفاع للمدنيين الذين بقوا في الشمال؟ هل هناك تعليمات للمواطنين حول كيفية التصرف في وضع الطوارئ هذا؟ هل الدولة مستعدة لإخلاء المدنيين في حالات الضرورة؟ هل أخذت كل هذه الأمور بعين الاعتبار عندما اتخذ القرار بشن الحرب؟ ولكن وسائل الإعلام لم تغطِ بهذا الشكل قصص الجبهة الداخلية أثناء الحرب. إذ أن وسائل الإعلام اختارت أن تعرض أمام قرائها ومشاهديها قصة أخرى، قصة مجندة وملتزمة. فقد تم حشد معاناة المدنيين في الشمال لدعم الحرب، ولهذا السبب جرت رواية المسألة على قسمين: القسم الأول روى عن المدنيين اليهود، الذي يطلقون، في روتين يومهم، رسالة واضحة للعدو، للحكومة وللجيش: لن يستطيعوا هزيمتنا. فنحن أقوياء، ونحن نشد على أيادي الحكومة والجيش في كل ما يقررونه. أما القسم الثاني فيروي قصة المواطنين العرب، ولكن بانشغال شبه استحواذي بقضية الولاء: هل أنتم معنا أم ضدنا؟ وفي حالة الأمور هذه، تقريباً لم يبق مكان في إطار التغطية لتقديم تقارير حول الوضع الفعلي لمواطني الشمال. إن التقارير عن سكان الشمال الذين لم يكونوا أقوياء جداً، ومنهم من كان بحاجة إلى المساعدة ولم يحصل عليها، ومنهم من لم يؤيد الخطوة العسكرية، كلها أبعدت إلى هوامش التغطية. وعلاوة على ذلك، أبعدت إلى الهوامش أيضاً الحقيقة الحاسمة بأن الدولة ، التي تبنت تحت جناحيها سكان الشمال على المستوى الإعلاني، أهملتهم عملياً: فهي لم تقدم لهم العون، لم تحرص على أن توفر لهم ملاجئ مناسبة ولم تعد خطة لإخلائهم. وفي هذا السياق من الجائز أن «هآرتس» والقناة الأولى قامتا بعمل أفضل من الآخرين. ولكن حتى عند هؤلاء، غابت التقارير من هذا النوع في بحر التقارير الملتزمة. 6 ـ ضرب لبنان: «كأن زلزالاً أصابه» تلقى المدنيون في جنوب لبنان وفي بيروت في الحرب ضربات قاسية جداً، أقسى بكثير من تلك التي تلقاها المدنيون في إسرائيل. ووفق تقارير مختلفة ، لقي مصرعهم في غارات سلاح الجو الإسرائيلي على لبنان أكثر من ألف ومئة شخص، حوالى ثلثهم من الأطفال. وأصيب بجروح حوالى أربعة آلاف شخص. وفر حوالى نصف مليون من المواطنين من بيوتهم شمالاً وتحولوا إلى لاجئين. ويمكن القول إن الغالبية الساحقة من مصابي الحرب في لبنان لم يكونوا على صلة بحزب الله. وهكذا فإن تغطية المساس المكثف هذا بلبنان تكشف عن نمط مثير للاهتمام: قبل قصف سلاح الجو لقانا في الثلاثين من تموز، حين قتل العشرات من المدنيين، عملت وسائل الإعلام، في الغالب المطلق من الحالات، وفق مبدأ أسميناه في التقرير ـ «مبدأ الفصل»: فقد تمت تغطية معاناة المواطنين اللبنانيين بشكل واسع نسبياً، وأحياناً بتعاطف، ولكن هذه التغطية فصلت بشكل شبه تام، بكل أدوات التحرير الممكنة، عن عمليات الجيش الإسرائيلي التي تسببت بهذه المعاناة. فقد وصف الجيش الإسرائيلي كمن ينشغل بمحاربة حزب الله، يضرب فقط البنى التحتية للإرهاب، ويحرص على عدم المساس بالمدنيين. وتم وصف المعاناة اللبنانية بشكل منفصل، كما لو أنها كارثة حلت على لبنان من المجهول، كأنها هبطت عليهم من السماء. وعلى سبيل المثال فإن بيروت، بدت في تلك المقالات، وبلسان أحد المراسلين، «كما لو أن زلزالاً وقع فيها». إن هذا التزاوج بين الوصفين فصل الصلة السببية بين عمليات الجيش الإسرائيلي ونتائجها على الأرض. وتم إبعاد المقالات الانتقادية للقصف المكثف الذي يقوم به سلاح الجو على المراكز المدنية المأهولة، خصوصاً في بيروت، إلى الهوامش. وبالقدر نفسه أبعدت تقارير عن الخلافات الشديدة، داخل المؤسسة الأمنية، حول هذه القضية نفسها. ويمكن القول، إن هذه التقارير عن السجالات بين الجهات الأمنية تلقي ظلالاً كثيفة جداً على ادعاءات الجيش الإسرائيلي المتكررة بأنه «لم يكن يعلم» بوجود المدنيين في مختلف الأماكن التي تم قصفها. وقد أثير السؤال بشكل صريح في أثناء اجتماعات الأجهزة الأمنية، وتلقى المراسلون تقارير واضحة عن ذلك. وقد تكرر هذا النمط في التغطية المتحمسة للدعم الدولي لإسرائيل. فالإحساس العام كان: إذا كان العالم لا يوجه اتهامات إلينا، لا ينبغي أن نوجه اتهامات لأنفسنا. وبعد حادث قانا، تغيرت الأمور. فقد تجندت الآن وسائل الإعلام، بأغلبيتها المطلقة بطرق مختلفة وغريبة، لإثبات أن إسرائيل ليست مذنبة بقتل المدنيين في قانا. وقد عبرت هذه التغطية، أكثر من أي شي ء آخر، عن موقف الدعاية الدفاعية لإسرائيل الرسمية، وللجيش بعد القصف. وقد تمّ وصف الاتهامات الدولية لإسرائيل بأنها دعاية معادية لإسرائيل، وتركزت التغطية على المزاعم المعروفة: الجيش الإسرائيلي هو الجيش الأكثر أخلاقية في العالم، وهو يبذل أقصى ما لديه من جهد لتجنب المساس بالمدنيين. كما أن حزب الله هو الذي يستخدم المدنيين كدروع بشرية. وتجدر الإشارة إلى أنه بعد يوم واحد من قصف قانا تبين أنه لم تكن لدى الجيش معلومات استخبارية محددة عن البناية التي تم قصفها. وفي زحمة التبريرات التي أطلقها الجيش من أجل إبعاد مسؤولية الحادث عن نفسه، أثيرت معلومات إخبارية من الدرجة الأولى حول الطريقة التي يختار فيها الجيش الإسرائيلي أهدافه في لبنان: فالجيش الإسرائيلي لم يقصف بطريق الخطأ المبنى الذي انهار على قاطنيه: فالأهداف التي اختيرت وصفت سلفاً بأنها في الإطار الواسع وليست أهدافاً مركزة، وقد شملت كل المباني السكنية القائمة في داخل منطقة تعتبر هدفاَ. وتبين أيضاً أن الوزير بيرتس «حرر الجيش من القيود المفروضة على المساس بالمدنيين». ولكن كل هذه الأمور دفنت في بحر التبريرات والإنكار ولم تصل أبداً إلى وعي الجمهور في إسرائيل. 7 ـ الاتصالات السياسية: «لن نوقف النار الآن» لقد كان لطابع التغطية هذا، بكل مكوناته، تأثير حاسم على الطريقة التي تعاملت بها وسائل الإعلام مع مختلف المحاولات السياسية للتوصل إلى وقف لإطلاق النار ولإيقاف الحرب. وقد أثيرت طوال كل فترة الحرب اقتراحات مختلفة، من جهات مختلفة، للتوصل إلى حلول سياسية. وطرحت أفكار مختلفة للتسوية في قمة الدول الثمان الصناعية، التي عقدت في سان بترسبرغ في منتصف تموز، وفي قمة روما في نهاية تموز، وعلى طول كل تلك الفترة من جانب الرئيس اللبناني، وزيرة الخارجية الأميركية، الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي. وتعامل الناطقون الرسميون باسم إسرائيل، أولمرت، بيرتس وقادة الجيش، طوال معظم تلك الفترة مع هذه الاقتراحات باستخفاف ظاهر ومعلن. ولكن في نهاية المطاف، عندما دخل اتفاق وقف النار حيز التنفيذ في الرابع عشر من آب، قدرت جهات كثيرة، داخل المؤسسة السلطوية في إسرائيل وخارجها، أنه كان بوسع إسرائيل تحقيق إنجازات سياسية أكبر لو أنها أصغت لتلك الاقتراحات في بداية الحرب وبعد ذلك. ويمكن القول إن إصغاء كهذا كان بوسعه أن يوفر أرواحاً كثيرة في الجانبين. واليوم بتنا نعرف، بعد نشر التقرير المرحلي للجنة فينوغراد، إلى أي حد كان صناع القرار غارقين في حماستهم لهذه الحرب، التي خرجوا إليها من دون أن يعرفوا فعلاً ما هي أهدافها، ولذلك فإنهم كذلك لم يكونوا يعرفون بأي شروط يمكن ويجدر بإسرائيل أن توقفها. وفي الغالبية المطلقة من الحالات، غطت وسائل الإعلام الخيار السياسي بشكل يفصح عن استخفاف صناع القرار. فالتقارير عن الاتصالات السياسية كانت تظهر في الصفحات الداخلية للصحف، وبعيداً خلال النشرات الإخبارية، وكانت تغرق داخل بحر العناوين التي تجندت بحماس وطني للجهد الحربي. ولم يتم تفسير اقتراحات الرئيس اللبناني إلا «كشارات انهيار في لبنان»، كما أن الاقتراحات السياسية من جانب الدول العظمى اعتبرت إذناً لإسرائيل بمواصلة عملياتها في الميدان. وأسهم إضعاف الأصوات الداعية إلى اعتبار الحل السياسي مصلحة إسرائيلية، بما في ذلك صوت وزيرة الخارجية تسيبي ليفني، أوضحت بشكل قاطع أن وسائل الإعلام تفضل الحسم العسكري على الحل السياسي. وعلى امتداد الحرب كلها، أوحت هذه التغطية للخيار السياسي، أكثر من شي ء آخر، بالخشية من أن التسوية السياسية لا تفعل شيئاً سوى عرقلة الجيش عن «إتمام عمله». أما الإحباط الذي تعاظم من أداء الجيش الإسرائيلي على الأرض، في النصف الثاني من الحرب، فإنه زاد فقط من معارضة الانشغال بالتسوية السياسية. وفي الجزء الأول من الحرب، كانت الرسالة: «الآن لا يتحدثون، الآن يضربون». أما في الجزء الثاني من الحرب فكان: «الآن حيث يتهموننا بجرائم حرب، أو عندما يظهر ضعف الجيش، صار لزاماً علينا أن نضرب بشدة أكبر». وفي نهاية المطاف، عندما تم العثور على الصيغة التي أتاحت إنهاء الحرب، استقبلت وسائل الإعلام ذلك بشعور عام بالهزيمة. الآن عندما انتهت الحرب، ظهرت فجأة في وسائل الإعلام أصوات قالت: كان ينبغي قبول الاقتراحات السياسية الأصلية، من بداية الحرب. وفي يوم الجمعة، الحادي عشر من آب، عندما أوشك مجلس الأمن الدولي على التصويت على قرار وقف النار، قرر المجلس الأمني المصغر الخروج في عملية برية واسعة في لبنان. وكانت الأهداف المعلنة هي احتلال المنطقة الواقعة جنوبي الليطاني، القضاء على رجال حزب الله ومخازن صواريخهم، وكذلك محاولة ترجيح كفة إسرائيل قدر الإمكان في مسودة الاتفاق. غير أن العملية كلفت في النهاية سقوط 34 جندياً إسرائيلياً. ولم تكن التساؤلات حول الخروج لهذه العملية في دائرة الأسرار في ذلك اليوم، وفي الأيام التي تلته، ولكن وسائل الإعلام أبعدتها إلى هوامش التغطية. والقناة العاشرة وحدها هي التي طرحت أسئلة انتقادية وجريئة حول الأسباب التي وقفت خلف تصديق هذه العملية الفضائحية، بما في ذلك استطلاعات شعبية رئيس الحكومة. أما باقي وسائل الإعلام فإنها دعت جميعها، من دون استثناء تقريباً، إلى «حرب حتى اللحظة الأخيرة». 8 ـ خلاصة من بين كل المشاعر، الآراء والعادات التي تدفع وسائل الإعلام للتجند عند نشوب حرب، ترى إحدى النظريات الأشد عناداً أنه محظور توجيه الانتقادات أثناء الحرب، وأنه ينبغي الانتظار إلى حين انتهائها. من بين كل المشاعر، الآراء والعادات، هذه أيضاً أشد النظريات سخافة. إذ لا معنى للصحافة الانتقادية ذات الشجاعة المتأخرة. فالأسئلة الصعبة حقاً يجب أن تطرح أيضاً أثناء الحرب، بسبب أنه لا يزال حينها متسع للتغيير مهما كان. ولو أن وسائل الإعلام رفعت في عناوينها الرئيسية حقيقة أنه ليست هناك ملاجئ في الكثير من القرى والبلدات الشمالية، وأن الدولة لا تساعد السكان، فمن الجائز أن الدولة كانت ستضطر لفعل شي ء ما، في الوقت المطلوب، وألا تبقي العمل لرجل الأعمال أركادي غايدماك. لو أن وسائل الإعلام أبرزت حقيقة أن جهات دولية عديدة عرضت اقتراحات جيدة لوقف النار منذ الأيام الأولى، لكان من الجائز أننا لم نغد في حاجة للبحث بعد ذلك، في وقت متأخر، في السؤال حول سبب تجاهل كل من أولمرت وبيرتس هذه الاقتراحات. ولو أن وسائل الـ «لم» أبرزت الانتقادات الأساسية ضد هذه الحرب، وحقيقة أنه لم تكن لها البتة أية أهداف محددة، وحقيقة أننا خرجنا إليها من منطلق إحساس بالمهانة والإحباط، لكان من الجائز أن تم تقصير أمد هذه الحرب. ولكان من الجائز أن الجهات السياسية التي عارضت العملية البرية جنوبي الليطاني، في نهاية الحرب، ستنجح في منع اتخاذ هذا القرار البائس، الذي كلف حياة 34 جندياً آخر. ولو أن حقيقة قيام وزير الدفاع عمير بيرتس بتحرير الجيش من قيود فتح النار احتلت العناوين، كما كان ينبغي، ربما لكان بالوسع منع وقوع شي ء من الدمار الفظيع الذي زرعناه في لبنان. إن التغطية الانتقادية التي تفيق عندما لا تغدو واقعية هي من نوع الفعل الطقوسي العديم الجدوى. فوسائل الإعلام تنتقد، تنشر، تكشف، بعدها تنتقل إلى الأمام إلى الموضوع التالي. بالضبط لهذا السبب، صار بوسع أولمرت، في أيام الانتقاد الشديد، بعد نشر تقرير فينوغراد المرحلي، أن يقرر أنه باق في منصبه. إنه يعرف جديداً جداً أن موجة الانتقادات الشعبية سوف تنحسر. فهذه الموجة لم تأت وقت حدوث الفعل. ولهذا السبب، فإن السؤال ليس فقط كيف غطت وسائل الإعلام الإسرائيلية حرب لبنان الثانية. السؤال الأهم حقاً هو كيف ستغطي وسائل الإعلام الحرب المقبلة. وينبغي لرجال الإعلام، المحررين والمدراء، المراسلين والمعلقين، أن يجروا مع أنفسهم الحساب الذي طالبوا صناع القرار في الحكومة والجيش بعد الحرب، وبحق، بإجرائه؟ هذا ينبغي أن يحدث. هذا ما ينبغي حدوثه الآن. قبل أن تنشب الحرب المقبلة. وليس بعدها. كيشف، مركز حماية الديموقراطية في إسرائيل تموز 2007