تنظيم رحلة الى حاصبيا للتعرف على التراث الدرزي
نظمت مؤسسة أديان، قسم الدراسات في التلاقي الثقافي، بالتعاون مع المصلحة التربوية والدينية في المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز رحلة دراسية ميدانية ثانية للتعرف على تراث الموحدين الدروز، إلى الخلوات والمقامات الدينية في منطقة حاصبيا والبقاع الغربي. ضمّ الوفد المشارك في النشاط 31 شخصاً من المناطق والطوائف المختلفة، رافقه الشيخ سامي أبي المنى رئيس اللجنة الثقافية في المجلس المذهبي لطائفة الموحّدين الدروز وفضيلة الشيخ فاضل سليم رئيس المصلحة التربوية والدينية في المديرية العامة للمجلس المذهبي.
أولى محطات الرحلة كانت في حاصبيا، خلوات البياضة والتي تضمّ ما يقارب الخمسين خلوة يؤُمّها طلاب الدين للتعلُّم والتدرُّب على أصول المسلك. وكان في استقبال الوفد الشيخ أبو علم الدين حديفة والشيخ عاطف أبو دهن. تعرف الوفد إلى تاريخ الخلوات العريق واستمع إلى شرح عن أهميتها ودورها التربوي والروحي لدى الطائفة.
ثم تابع جولته إلى مقام النبي شعيب في منطقة الكفير، وكان بانتظاره جمع من فعاليات المنطقة ورجال الدين. واستُقبل الوفد داخل قاعة المجلس وافتتح الكلام الشيخ أبي المنى، أمين عام مؤسسات العرفان التوحيدية، مستقبلاً الوفد ومذكراً بتاريخ التعاون مع مؤسسة أديان، لا سيما بيوم التضامن الروحي السنوي الذي تقيمه المؤسسة في آخر سبت من تشرين في كلّ عام والذي سيقام هذا العام بالتعاون مع المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز، كما ذكّر بالعمل المشترك في المدارس، لا سيما مدارس العرفان التوحيدية التي يشارك طلابها منذ عام 2008 في برنامج ألوان للتربية على العيش المشترك.
وذكّر أخيراً بالقيم الأساسية التي تجمعنا، متحدثاً عن مقام النبي شعيب ومشيراً إلى عدة مقامات للنبي شعيب في منطقة الأراضي المقدسة: أحدها في الأردن عجلون، وآخر في فلسطين حطين إضافة إلى مقامين في قضاء حاصبيا - لبنان: الأول في الفرديس والثاني في السفينة- الكفير.
ثمّ تحدّث الشيخ فندي شجاع ممثلا مشايخ خلوات البياضة مثنياً على ضرورة اللقاء بين ابناء الأديان والمذاهب وأهميته في مجتمعنا، قدّم الشيخ ماجد أبو سعد تعريفاً عن المكانة العالية للنبي شعيب عند طائفة الموحدين الدروز، كونه نبيّاً وحامياً ومستقبلاً ومسانداً للنبي موسى الذي احتمى عند النبي شعيب وتزوج إبنته بعد هروبه من مصر، كما تحّدث فضيلته عن مكانة سلمان الفارسي عند نبيّ الاسلام محمّد، وعن مكانة السيد المسيح، مستشهداً بآيات قرآنية وانجيلية وبكتابات من التراثين الإسلامي والمسيحي، مخاطباً الانتماءات الدينية المختلفة للوفد المشارك.
وتحدّث أخيراً الأب فادي ضو، رئيس مؤسسة أديان، شاكراً المستقبلين ومنوّهاً بالكلمات النيّرة التي أُتيح للوفد أن يسمعها ويتعرّف على التراث الروحي والثقافي لطائفة المرحدين الدروز، واقترح تنظيم لقاءات أخرى للإستماع مطولاً لفضيلة الشيخين فندي شجاع وماجد أبو سعد، لما لهما من خبرة وعلم مميزين في مضمار العلاقات بين الأديان والتراث الروحي المشترك. واختتم اللقاء بزيارة المقام الذي يحمل أثر النبي شعيب الذي ساح في منطقة حاصبيا قادماً من مدين في الأدرن.
مقام النبي شيت
ثم انطلق الوفد إلى مقام النبي شيت، الإبن الثالث لآدم، في منطقة الخلوات، حيث توجد آثار قديمة وناووس رئيسي تحت سنديانة معمرة، وتناول المشاركون الغداء على مائدة الشيخ حمزة أبو عزّ القيّم على مقام النبي شعيب.
بعد الغداء، انطلق الوفد إلى منطقة عين عطا، حيث مزار الشيخ محمد أبي هلال المعروف بالشيخ الفاضل الذي عاش في القرن السابع عشر، والذي يعتبر أحد أهم الأولياء ومن أبرز العلماء الزاهدين لدى طائفة الموحدين الدروز، إذ أسس مدرسة روحية وفكرية تتكامل في جوهر تعاليمها مع مدرسة الأمير السيد عبد الله التنوخي. وكان في استقبال المشاركين في مجلس المزار وفد من مشايخ عين عطا والقرى المجاورة ومسؤولي وقف الشيخ الفاضل، وبعد كلمتين مقتضبتين للشيخ أبي المنى والأب فادي ضو، تحدّث بعض المشايخ مذكرين بأن بلدة عين عطا تحمل إشعاعاً روحيّاً في المنطقة منذ عهدٍ بعيد وأن معظم آثارها هُدمت مع الزمن، وقد اختار الشيخ الفاضل هذا المكان المطلّ على التاريخ من سفح جبل الشيخ لإقامة خلوته، وكأنّه بذلك يعيد الإشعاع الروحي على نفس الخط التوحيدي الإيماني الممتدّ عبر السنين.
اخيراً اتجه المشاركون برفقة الشيخ فاضل سليم إلى مقام الست شعوانة قرابة بلدة عمّيق في البقاع الغربي على طريق عودتهم إلى بيروت. ويُعرّف المشايخ عن الست شعوانة بأنّها ابنة أحد الملوك في العصور القديمة، وقد هجرت مع والدها حياة القصور متخفية بزيّ الرجال لتعيش حياة النساك المتعبدين، إلى أن ماتت ودفنت في هذا المكان. وقصتها الشبيهة بقصة القديسة مارينا تشكل جسراً للتقارب بين الأديان. وكان عددٌ من المشايخ في استقبال المشاركين في المقام، كما وزّع الشيخ فاضل سليم على المشاركين كتاباً عن الست شعوانة أصدرته المصلحة التربوية والدينية في المديرية العامة للمجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز.
وعاد المشاركون مساءً إلى بيروت بعد يوم حافل ومثمر كانت فيه الرحابة والاستقبال والحفاوة من المشايخ وأبناء المنطقة علامة لا تُنسى.
وتواعد الجميع على اللقاء مجدداً يوم 16 أيلول في الرحلة المقبلة التي تخصص لإكتشاف التراث الإجتماعي والثقافي والروحي للأرمن في منطقتي برج حمود ووسط بيروت.