المطران غريغوار حداد.. كشمعة في الظلام
بصوت خافت ومتعب كان المطران غريغوار حداد يجيب عن أسئلة الإعلامي غسان الشامي عبر برنامج "أجراس المشرق" على شاشة "الميادين". هو لا يزال يعمل للعلمانية رغم أنها أصبحت حلماً بعيداً عن واقع ما تشهده البلاد من مذهبية وعصبيات وانقسامات ودماء...
أكيد أن هذا الحلم الإنساني الكبير أصبح مثل ضرب خيال، لكن ذلك اليأس لدينا كجمهور، ليس وارداً عند المطران غريغوار حداد، فهو بالفعل، كما قدمه الإعلامي غسان الشامي، مثل "شمعة في الظلام" حين كان التسعيني الذي ينظر دائماً إلى المستقبل حاضراً في تظاهرة لإسقاط النظام الطائفي في لبنان، وبينما "تتقدّم" مجتمعاتنا العربية نحو الظلام لا يزال "المطران الأحمر" يحمل شمعته ويمشي رغم أنه يعيش وضعاً صحياً يخضعه لعلاج فيزيائي بسبب إصابته بمرض ترقّق العظام. لم يبد المطران حداد "أحمر" فحسب، بل كما وصفه محاوره يستقطب كلّ ألوان الإنسانية، مدافعاً عن هذا "الحلم" حتى لو بقي حلماً لسنوات طويلة، إذ أجاب عن سؤال عن المدة التي تحتاج إليها العلمانية لتتكرّس، بقوله: "قد تحتاج الى يوم أو الى ثلاثين عاماً"، عبارة تحمل ما تحمله من أوجه لكأنها تعوّل على المجتمع المدني نفسه كالعنصر الأكثر أهمية في التغيير، رغم إشارة المطران حداد إلى أهمية ضغط المجتمع المدني على الدولة والتنسيق معها للتغيير ولو شيئاً فشيئاً.
لا يزال غريغوار حداد يأمل، وبالبساطة نفسها يفسّر علاقته كرجل دين بالعلمنة، فمن البديهي أن يسأل سائل عن علاقة الكنيسة بالحركة الإجتماعية، وببساطة يجيب المطران حداد هنا ليصبّ في الخلاصة، أي الإنسانية نفسها، وليفضّ هذا "التناقض الشائع" بين الدين والعلمانية عائداً الى بعض ما ورد في القرآن الكريم عن الإنسانية التي تقبل الإختلافات الدينية والعقائدية، وكذلك الى ما ورد في الإنجيل المقدس"ما لقيصر لقيصر وما لله لله". المطران حداد وبدون تعقيد يتحدّث عن الإيمان بوصفه فضاء أوسع من التديّن، وهو الإيمان والإنسانية اللذان يجمعان المسلمين والمسيحيين، وفي مكان لافت من الحوار قال المطران غريغوار إنه لا يؤمن بأيّ نتيجة للحوارات العقائدية على مستوى لجان أو مؤسّسات دينية، وإنما على صعد أخرى أهمّ بكثير وهي الحياة اليومية والحاجات الإنسانية للناس التي تصبح حاجات وطنية بالتأكيد.
كان ذلك حواراً تاريخياً للمطران غريغوار حداد بعد غياب طويل عن الإعلام وبعد رحلة أطول مع نضاله لتأسيس تيار المجتمع المدني. في هذه الإطلالة يستطيع المتابع أن يستنتج أسئلة للمستقبل العربي وإلى أين يذهب في ظلّ هذا الواقع المتشرذم. المطران حداد لا يزال يأمل بالشباب كعنصر تغيير وباقتناع جديّ يدعو للعودة إلى المسيح الحقيقي والإسلام الحقيقي، معوّلاً على وجود رجال دين متنوّرين في هذا الزمن الصعب، وعندما طلب محاوره أن يوجد بديلاً عن العلمانية كحلّ للمجتمع قال إنه "احترام الإنسان"، أما نحن فلا يسعنا إلا أن نحلم ونقول، هل يتحقّق ذلك الحلم ليصبح ضوءًا؟ إنه سؤال يبدو يائساً أمام الواقع الذي نعيشه وإنما هو أمل حقيقي في فكر المطران حداد الذي لم يتعب في حياته من بعثه كوعي وكطريق مشرق للشباب اللبناني والعربي.