الخيام نسخة تجريبية · Khiyam v2
أخبار وذاكرة ومجتمع
← الأرشيف

هـل تـذكـرون علـي رميتـي؟

2007/8/7 · · المقال رقم 1406
عندما غادر علي رميتي شرفة منزل أهله في منطقة الشياح ليستلقي على السرير في الغرفة المجاورة، كانت الساعة الثامنة مساء إلا عشر دقائق بالضبط. سمع صوت آذان المغرب. التكبيرة الأولى، التكبيرة الثانية، التكبيرة الثالثة.. ولم يسمع الرابعة. أربعة صواريخ إسرائيلية سقطت على أربعة مبان في شارع الحجاج حيث يقطن رميتي وأهل في المبنى نفسه. أربعة صواريخ أسفرت عن وقوع 56 شهيدا. لم يصل صوت المؤذن الى علي وباقي أفراد أسرته وسكان المباني التي انهارت على رؤوس أصحابها. في تلك اللحظة، فقد علي وزوجته هدى ثلاثة من أبنائهم الأربعة: محمد، وفاطمة، وملاك. كان محمد طالبا في السنة الرابعة في كلية العلوم في الجامعة اللبنانية، ولم يكن قد بلغ الحادية والعشرين بعد. ما يزال أمامه سنة واحدة قبل أن يتخرج مهندسا بشهادة في الكومبيوتر. ومع ذلك، خطوا على ضريحه عبارة: «المهندس محمد علي رميتي». فاطمة كانت قد أنهت شهادة الثانوية العامة فرع العلوم العامة للتو، وفازت في الامتحانات الرسمية وتفوقت في المواد العلمية. لم تستلم لفاطمة شهادتها قط. اصطادت اسرائيل فاطمة ذات حرب. أحضر أصدقاؤها الشهادة للوالدين في وقت لاحق. ما زالت والدتها تحمل الشهادات وتدور بها فخورة بأبنائها الذين لطالما تفوقوا في دراستهم. ملاك، ابنة الرابعة عشرة، أنهت صف الثالث المتوسط، كان من المفترض أن تخضع للامتحانات الرسمية هذا العام. كانت ملاك تحب مادة التاريخ، وتخطط لأن تصبح معلمة فيها إرضاء لوالدتها المتعلقة بها. هذا العام، وخلال فترة الامتحانات الرسمية، كانت الوالدة تذهب الى مراكز اقتراع الطلاب، تتفرج على الطلاب الممتحنين. ربما تبحث عن وجه ابنتها بين الوجوه. فقد علي رميتي في ذلك اليوم أيضا والدته الحاجة فاطمة، وأخواته سعدية ومريم وابتسام، وأخاه مصطفى، وأخاه جميلا وزوجته صباح وابنته كوثر، وصهره نعيم رميتي وابنه علي ومايا زوجة علي التي كانت حاملا في شهرها السابع وابنتهما رهام. حتى اليوم، لم يعثر على جثة مايا وجنينها بين الأنقاض. في منزلهما المؤقت والمؤلف من غرفتين في شارع عبد الكريم الخليل، والقريب من مكان وقوع المجزرة، يزين الوالدان غرفة الجلوس بصور شهداء العائلة. الأسود هو اللون الوحيد الذي يمكن للعين أن تلتقطه. يظهر في العيون قبل الجسدين. أسود يلبسونه منذ أن جاءهم ذلك الخبر المشؤوم. قرر علي ان لا يخلع الأسود إلا عند لقائه الأحبة هناك... في عالمهم الآخر. عهد قطعه على نفسه. خلفت المجزرة هالات سوداء تحت عينيه، ولحيته تلونت بالأبيض. للوالدة الثكلى قصة أخرى. أم محمد تعيش الآن على الأدوية المهدئة والمسكنات. لا تأكل. لا تشرب. لا تنام. هذه أم انتزع قلبها من جسدها في ليل بهيم. عالمها أضاع ألوانه الزاهية. صارت الحياة في عينيها من دون ألوان وأشكال وأصوات. في كل لحظة يعبر شريط حياتها من أمامها. هنا حبا الأطفال للمرة الاولى أمامها. هنا نطقوا بكلماتهم الاولى. على سطح المنزل حيث العريشة التي زرعها الوالد وتفنن في تلوين أحواض المزروعات، كانت تستذكر لهم دروسهم المدرسية. في أقل من لحظة، أحالت مقاتلات إسرائيل مستقبل أسرة إلى ماض وتاريخ. تاريخ مختلف عن التاريخ الذي تحبه أم محمد وأرادت لملاك أن تدرسه في الجامعة. لم تحضر الوالدة دفن فلذات أكبادها. لم يقولوا لها الخبر الأقسى في حياتها الا بعدما واروهم في الثرى. عرفوا أنها لن تحتمل الصدمة ولم تحتملها وما زالت حتى الآن لا تحتملها. تجمعوا يومها حولها في المستشفى، زوجها علي وإخوتها والأطباء والممرضون. تولى الطبيب المهمة الصعبة. صار يمهد للخبر تدريجيا. أخبرها أولا عن أهل زوجها الذين استشهدوا. تخدرت قدماها. صار يقترب أكثر فأكثر من حلقة الاحباء حتى وصل إلى الأبناء. قبضت على قلبها بيدها. كانت تعلم في قرارة نفسها وبعاطفة الأم أنهم لم ينجوا. تطمينات الأهل وادعاءاتهم لم تكن تبرد النار في جسدها المجروح: إصابات في العمود الفقري وفي الأذنين اللتين ثقبت طبلتاهما، وفي عظام الصدر التي تكسرت واخترقت الرئتين فأدمتهما. إصابات تسبب آلاما لا تقاس بالتي ستحل لاحقا. هي أم، وقلب الأم يعلم، وهناك في مكان ما كانت تدري أنها لن تراهم مجددا، لكنها ظلت تأمل. عاشت الأيام الأربعة الأولى على الحقن المهدئة. تناوبت يداها على اقتسام الثقوب التي خلّفتها الحقن. قرر الطبيب بعدها إيقاف الحقن لأن على الأم أن تعتاد الفكرة. أي أم تتكيف مع فكرة اجتثاث ثلاثة عروق من جسدها، الى الأبد؟ طويلة هي الرحلة نحو روضة الغبيري التي دفن فيها الأحباء. هذه زيارة حج يقطعها الوالدان ثلاث مرات يوميا. صباحا بعد آذان الصبح. وظهرا عند عودة الوالد من عمله في المطار. وعصرا وهي الرحلة الأهم والأطول والتي تصل النهار بالليل. هناك، عند أضرحة الأحبة، تتجمع العائلة. لا يعكر صفو اللقاء الجلل أي شيء. تضاء الشموع. تقرأ الآيات من المصاحف. تعلو رائحة البخور. وتنهمر الدموع. هل هناك أهم من موعد مقدس مع الأحباب؟ ما زال حسين، ابن العاشرة، وهو الوحيد الذي نجا من بين إخوته الأربعة، يحمل آثار ذلك اليوم المشؤوم جروحا وحروقا في جسمه الطري. بقي ستة عشر يوما في غرفة العناية الفائقة. كان جالسا في مكانه الأحب، في حضن والدته، عندما وقعت الواقعة. لم ينقذ حسين إلا إصبعه لما حركه من تحت الأنقاض. يحتاج الطفل اليوم لعمليات تجميلية من أجل إعادة شكل جلده الى منظره الطبيعي. ظل فترة طويلة يسأل عن إخوته الذين كانوا يملأون حياته وما زال. لن يعود علي رميتي الى المكان الذي وقعت فيه المجزرة، حيث قضى أجمل أيام حياته. هو لا يقوى على ذلك. في مكان ما، يحمّل نفسه بعض المسؤولية عن الذي جرى. كان بإمكانه المغادرة أسوة بغيره من العائلات لكنه لم يفعل ذلك. العائلة كبيرة والظروف صعبة والتهجير مذلة. لو كان غادر أو بقي حتى في الشارع بالقرب منهم... تستغرب هدى رميتي الظلم الذي لحق بضحايا مجزرة الشياح. لم يسأل أحد عنهم، تقول. في لحظة كانت بين عائلتها وأولادها وفي بيتها الواسع وسط أحلامها، وفي لحظة أخرى خسرت كل شيء. زوجها على لم يسأل للحظة عن الاعمار أو التعويضات أو أي شيء آخر. كلها أمور لا تهمه. كيف تهمه وقد فقد أغلى ما يملك؟ يقول إن حياته ليست أغلى من الشمعات التي ذابت، والخسارة التي خسرها لم يذقها أحد آخر. لن يشتم ولن يعتب على أحد فهو فوّض أمره للخالق. رسالة واحدة أصر على تمريرها: على كل العالم أن يعرف أن الذي تصيبه مصيبة يتحملها وحده. فقط. ما زال حسين يحتاج الى العديد من عمليات التجميل في جسمه. ما زالت والدته لا تسمع في واحدة من أذنيها. البيت الذي يحتضنهم اليوم يتألف من غرفتين هم الذين عاشوا طوال حياتهم في منزل واسع من ثماني غرف. هذه عائلة فقدت ستة عشر فردا من أفرادها. ستة عشر.. من يتذكر؟