الخيام نسخة تجريبية · Khiyam v2
أخبار وذاكرة ومجتمع
← الأرشيف

فـي منـزل آل محسـن، توقـف الزمـن فـي 7 آب 2006

2007/8/7 · · المقال رقم 1407
الروزنامة في منزل آل محسن تحمل حتى اليوم الورقة الأخيرة التي انتزعها حسين: السابع من آب .2006 ترفض والدة حسين (11 سنة) انتزاع المزيد من أوراق هذه الروزنامة. كأن زمنها وزمن العائلة توقف عند ذلك التاريخ. لن يجرؤ أي كان على قلب الصفحات المتبقية أو انتزاعها. ولد حسين محسن في ذكرى عاشوراء، وكان الولد السابع بين إخوته. قررت والدته أن تطلق عليه هذا الاسم تيمنا بحفيد الرسول وصار الشبان ينادونه بـ«أبو عبد الله». تعلق حسين بوالدته وتعلقت هي به منذ ولادته. ما زالت مآثره حاضرة في مخيلتها. كثيرة هي القصص التي تستطيع أن ترويها عنه. عندما كان في شهره التاسع يحبو في المنزل سقطت أمامه آية كرسي من أعلى احدى الخزائن. التقطها وقبلها وصار يقول «أكبر، أكبر». كان في الخامسة من عمره عندما تعلم السباحة في بحر عين المريسة. شهادات التفوق على حائط المنزل بقيت لتشهد على إبداع الطفل الذي أصر دائما على أن يكون اولا بين أقرانه. ثيابه في خزانتها. كتبه في الحقيبة المدرسية. الأغراض كلها بقيت ما تركها. كان ذلك قبل أن تقع المجزرة. حسين وشقيقه محمد يلعبان الـ«أتاري» أمام شاشة التلفزيون. كانت الساعة تقارب السابعة والنصف أي موعد نشرة الأخبار. طلبت الوالدة منهما إطفاء اللعبة كي يتمكن الأهل من مشاهدة الأخبار. أطفأ الشابان اللعبة ونزل حسين ووقف في الشارع. عندما همت الوالدة بتحضير وجبة العشاء لاحظت أن لا خبز في المنزل، فنادت حسين من أجل أن يشتري لها ربطة من الدكان. لم يكن حسين يرفض أي طلب لوالدته. في الأيام العادية كان يرفض أن تحمل هي الحاجيات من السوق بيديها ويصر على أن ينقلها لها على دراجته الهوائية. اشترى حسين ربطة الخبز لوالدته، وأخذ ما تبقى معه من المال وعاد الى الدكان من أجل أن «يتشبرق». في طريقه إلى الدكان التقى حسين بأخيه علي الذي كان قد عاد للتو الى المنطقة وركن دراجته النارية. في تلك اللحظة ، سقطت الصواريخ .. وقعت المجزرة.. استشهد حسين... واستشهد علي. في المنزل كان الوالد يصلي، وكانت الأم مستمرة في تحضير العشاء، وكانت الكنة وأحد أشقاء الشابين في المنزل. اعتقد الجميع أن الضربة وقعت في البناية التي يقطنونها وتراكضوا الى الملجأ. عندما وصل الشقيق الأكبر نبيل طلب من الجميع المغادرة باتجاه «خط صيدا» حتى لا ينهار سقف الملجأ على رؤوسهم. كانت الوالدة تظن أن علي غادر على دراجته النارية، وانه لم يكن في المنطقة ساعتها، فلم تسأل إلا عن حسين. هرب الجميع باتجاه منطقة عين الرمانة حيث يملك الوالد أحمد محسن محلا للخياطة، وقفوا بالقرب منه. كان المكان الوحيد الذي باستطاعة الأسرة اللجوء إليه. عاد نبيل واخوته للبحث عن حسين. كان نبيل أول من عرف بخبر استشهاد شقيقه. أخبر والده أحمد همسا، لكن الوالدة قرأت الخبر من وجوههم. «راح حسين» صرخت لحظتها. صار الشباب يتصلون بعلي عبر هاتفه الخلوي ولم يكن علي يرد. لاحقا، جاء الخبر : استشهد علي أيضا. انهارت الوالدة. عام كامل والوالدة في منزلها لا تغادره إلا الى القرية لزيارة ضريح شهيديها وتعود فورا الى المنزل. تقفل على نفسها طوال النهار في منزلها. تنظر الى صورهما، تحادثهما. قبل أيام ظهر حسين لوالدته في المنام. جاء الى منزل القرية وجلس قربها على السرير. قبلها وقبلته. سألته: «مبسوط يا ماما في المكان الذي أنت فيه»، فكان رده ايجابا. استيقظت الوالدة مرتاحة يومها. حسين في أيد أمينة. ما زالت الوالدة لا تصدق أن الشابين غادرا ولن يعودا. ما زالت لا تصدق أنها لن تراهما بعد اليوم. أغراضهما بقيت على الحال التي تركاها فيها في آخر مرة. صوت جرس مدرسة حسين القريبة يصل يوميا الى مسامعها في منزلها، يخترق سكون وحدتها. أصدقاء حسين يمرون يوميا من تحت شرفة منزله في الشارع نفسه حيث وقعت المجزرة. من يروي قصة حسين؟ من يملأ مقعــــده هناك في الـــمدرسة؟ من يروي قصة علي ذي الأربعة والعشــرين ربيعا؟