إسـراء محمـود عبـد اللـه قهـرت موتهـم
يرن هاتف محمود عبد الله الخلوي مرات عدة ولا يسمعه.
محمود ينام في منزله الكائن في الطبقة الاولى من بناية مقلد في شارع الحجاج في الشياح. ظن في البداية أن شقيقته التي تقطن في حي المشاع في بلدة أنصار الجنوبية قد تعرضت للأذى جراء القصف الاسرئيلي على المنطقة.
ارتدى ثيابه وانطلق فورا الى منزل أهله الواقع في الشارع المجاور، ثم تذكر أنه نسي محفظته وهاتفه في المنزل فعاد لإحضارهما. فتحت زوجته فاطمة الباب له، وابتسمت. كانت تلك الابتسامة الأخيرة التي رآها على وجهها. عاد ينطلق مسرعا الى منزل أهله ولما وصل، كانت بناية مقلد قد سويت بالتراب وتحتها زوجته فاطمة وبناته الثلاث زينب (خمس سنوات ونصف) وإسراء (سنتان وتسعة أشهر) وزهراء(سنة ونصف السنة).
لم يصدق الشاب الثلاثيني المنظر الذي رآه من على سطح منزل أهله. كانت بنايته هي التي أصيبت بالضربة. تناثرت الحجارة من المبنى المنهار إلى سطح منزل أهله.
لا يعرف حتى اليوم كيف نزل الطوابق الخمسة الى الشارع وانطلق جريا الى البناية. عندما وصل الى الحي، لم يعرفه . كانت البنايات قد سويت بالأرض والجثث تطل من بين الانقاض.
لم يستطع التعرف الى أي من الجثث المتناثرة ولم يعلم أيها كانت البناية التي يقطنها. كأنه مكان آخر.
انقطعت الكهرباء وهرب الناس. صوت من بعيد يصل الى أذنيه يدعو الناس للهرب لأن الطيران سوف يقصف مجددا. وقف مثل التائه يبحث عن منزله في العتمة. كان كل شيء تحت الركام. نادى على فاطمة، ولم ترد. نادى على زينب، ولم تجب. نادى على زهراء، ولم يصل أي جواب. وعندما نادى إسراء سمع أنينا من بين الركام. ناداها ثانية فعلا صوت الأنين. صار يزحف على الأرض ويبحث بيديه قبل أذنيه عن مصدر الصوت.
من فتحة صغيرة وسط الركام الهائل، كانت إسراء تعلن عن تمسكها بالحياة. فتحة لا تتعدى مساحتها كتابين متلاصقين كانت كافية لابقاء الطفلة حية تحت كل هذا الاسمنت والحديد.
لم يستطع محمود أن يتحسس من ابنته إلا رأسها. صار يرفع عنها قطع الاسمنت تدريجيا حتى نجح في سحبها. عندما أخرجها كانت تنزف من رأسها ومن رئتيها وكانت مصابة في كل أنحاء جسمها.
يعتبر محمود أن نجاة إسراء كان بمثابة المعجزة. لن يصدق أي شخص كيف خرجت هذه الطفلة حية. أربعة طوابق بكاملها سقطت فوقها.
يقدر محمود أن إسراء كانت في غرفة الجلوس عندما حصلت المجزرة. الأم والطفلتان الأخريان كن في المطبخ. كانت فاطمة تطعم طفلتيها عندما غادر محمود المنزل. كان وقت العشاء.
رأت إسراء مروحة المنزل تسقط على أختها زهراء يوم المجزرة. يروي محمود أن إسراء في احدى المرات، بعد حدوث المجزرة، كانت مستلقية في منزل جديها عندما عاد التيار الكهربائي ليلا فدارت المروحة المعلقة في السقف. صارت إسراء تصرخ حتى يطفئ المروحة كي لا تقع على رأسها.
لا يترك محمود ابنته لحظة واحدة. هي كل ما تبقى له من الحياة. تسأل الطفلة باستمرار عن أمها فاطمة وعن أختيها زينب وزهراء اللواتي اختفين، لكن لا أحد يرد عليها.
ثلاثة أيام بقيت العائلة مطمورة تحت الردم حتى سحبت الجثث. أيام ثلاثة هي الاصعب في حياة محمود كلها.
لم يكن مشهد الدفن مختلفا عن مشهد المجزرة. فأثناء دفن الجثث في جبانة الغبيري أغار الطيران الحربي الاسرائيلي على الضاحية الجنوبية فهرب المشيعون قبل دفن الجثث. مشهد آخر لا ينساه محمود. لم يبق أحد لدفن الجثث ما عدا عائلة محمود وعائلة زوجته فاطمة. محمود حمل زوجته وطفلتيه الى قبورهن.
حاولوا أن تتخيلوا المشهد