جمّول: حبيبتي المقاومة
ثلاثون عاماً على انطلاقة «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية - جمول»، وبيانها التأسيسي الذي أكدّ أن «واجب الدفـاع عن الوطن هو أقـدس واجب، وأن شرف القتال ضد المحتل هو الشرف الحقيقي الذي ينبغي لكل وطنيٍّ أن يفاخر به». ثلاثون عاماً ومخزون ذاكرة المقاومين عن تاريخ كتبوا حروفه بدمائهم لم يُنس. زائر المقاومين الأحياء في القرى المنسية خلف أحزمة الصمت والفقر والتعب، يلمس كم هذه البلاد بلا وجدان أو ضمير، ويستغرب كيف يمكن كثيرين أن يناموا، وهم يعرفون أن في وطنهم مقاومين مثل هؤلاء، لا يزالون فقراء. يرفضون كشف أسمائهم لأنهم يدركون أن المهمة لم تنته بعد.
من أقاصي عكار، إلى جرود عرسال وبعلبك ومشغرة والقرعون ومجدل بلهيص وشبعا وإبل السقي ومرجعيون والخيام وكفرشوبا والنبطية والمتين وبيروت وصيدا وبنت جبيل، كانت رحلة البحث عن مقاومين جمعهم الوطن في جبهة واحدة... تحية إلى ملحم الحجيري وسمير و«الحاج» وجورج وسامر ومسعود ومنى وليلى وجميلة ودلال وعبد وغسان وأمين وهيثم...، تحية لأنكم خرجتم من عزلة صمتكم وقلتم حقيقة بلادكم. إلى الرفاق المنسيين اليوم في حقولهم ومدارسهم ومنازلهم الفرحة يبحثون عن لقمة خبز وفرصة عمل وحبة دواء، وإلى مقاومي بطش عهر الطوائف والمذاهب وملل المال الأسود... هنا بعض من سيرة المقاومة في عيدها.
...
..
.
لوحات لا تذكّر بـ«أيلول» البيروتي
في مثل هذا اليوم قبل 30 عاماً، كان الموت ينفث روائحه الهاربة من صبرا وشاتيلا في أحياء بيروت. بعدها بيومٍ واحد، اتخذت بيروت، المرعوبة من موتٍ مماثل، قرارها بالعمل المقاوم، فكانت «بسترس» وبعدها «أيوب» وبعدها «بناية التحرير»
راجانا حمية
هناك، على الرصيف الذي لا يعبره أحد، وُضع «تذكار» صغير لعملية جمّول الثانية التي نفّذت في اليوم السادس لاجتياح بيروت عام 1982. في ذلك المكان، الذي صار اسم التذكار فيه «بلاطة محطة أيوب» _ نسبة إلى محطة الوقود المحاذية _ تستحيل الذاكرة كومة من فراغ. ذاكرة بثقوب أبدية لا ترتق، لم يعلق فيها إلا «أيلول» المكتوب في اللوحة العابرة في يوميات أبناء منطقة الظريف، القدامى منهم والطارئون.
هناك، سمع بعض الناس حكاية «واحد قتل بأيلول الـ82 أمام المحطة وكان على ما يبدو شيوعي، فعلّقوا الرخامة»، فيما آخرون لم يسمعوا. فقط قرأوا ما علّق على تلك اللوحة. بلا إضافات. واستنتجوا أنه «يبدو صاير شي بهيداك الوقت»، يقول علي، الذي انقضى نصف عمره في تلك المنطقة. حلّ علي جزءاً من «اللغز»، مستنداً إلى كلمات مفاتيح: «عملية».
«مقاومون مجهولون». «جبهة مقاومة». وأيضاً عام 1982 المطبوع في مكانٍ ما من ذاكرتنا. وقد يكون من بين قلائل استطاعوا تخمين المكتوب. لكن، ثمة من قرأ وفهم أشياء أخرى، فيقول أحد المنتظرين على مقربة من اللوحة لسيارة أجرة «هيدي رمز ليدلّوا على مكان الحزب الشيوعي»، ثم يسأل «بس ليش بعيدة كل هالبعد؟»! يضحك آخر على كلام الرجل معلّقاً «على ما يبدو ما عاش تلك الفترة، فأنا عشتها وأعرف أن الحزب الشيوعي وضعها». وبلهجة الواثق، يتابع «لكن، ليس ليدل على مكانه، بل ليقول نحن هنا، كما تفعل حركة أمل وحزب الله... مفهومة».
هذه بعض من حكايا «جمول» كما يرويها الناس هناك. ناس لا يشبهون من عاشوا «التوازن» حينها والرعب أيضاً، ويحفظون عن ظهر قلب أسماء ثلاثة مجهولين أحرقوا، يوم الثاني والعشرين من أيلول 1982، في ذلك المكان بالذات ملالتين إسرائيليتين... وجنوداً. لكنهم قلائل، وهم إما «مغامرون» أو «نوستالجيون». لا يمكن أن يكونوا غير ذلك ليحرسوا ذاكرة أمكنتهم «النوعية». وحدهم يعرفون كيف حصلت عملية «محطة أيوب»؟ وقبلها «صيدلية بسترس»؟ وبعدها «بناية منظمة التحرير»؟ وغيرها؟ وكيف بدأت، في تلك الفترة بالذات، بيروت عملها المقاوم.
صدفة، صارت بيروت نواة العمل المقاوم. كان ذلك في 16 أيلول 1982، عندما أطلق «الحزب الشيوعي» نداءه الشهير لـ«الجميع» للالتحاق بجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية في مواجهة العدو الإسرائيلي الذي كان قد دخل بيروت.
كانت العاصمة، في تلك اللحظة، تعيش أبشع لحظاتها، محاصرة بعدو... ومجزرة راح ضحيتها الآلاف في مخيمي صبرا وشاتيلا. وكان الناس في حينها يرمون أسلحتهم في مستوعبات النفايات ويهربون بمناديلهم البيضاء. يومها، اتخذ القرار بـ«العمل المقاوم». وعلى عكس المسالمين الهاربين، تحمّست مجموعة من «المغامرين» لعملٍ لم يكونوا ليعرفوا عاقبته أبداً، خصوصاً أن «دم» صبرا وشاتيلا لا يزال دافئاً.
كانت أولى ثمرات ذلك العمل «عملية بسترس». في تلك العملية التي وقعت بعد يومٍ واحدٍ من دخول العدو لبيروت، حدث كل شيء بـ«تشاور اللحظة»، رغم أن القرار كان موجوداً. يروي أحد الضالعين في تفاصيل تلك العملية أن «كل ما سبق التنفيذ كان افتراضياً». وفي لحظة التنفيذ، صار «التعامل مع الموجود». فمن كان يفترض أن يقوم بالعملية ترك مكانه مرغماً بظروف صعبة «لذلك أبدل البعض بآخرين، والمحظوظ من بقي في بيته في ذلك الوقت»، والسلاح لم يكن هو نفسه، فقد حوصرت الأمكنة التي كان موجوداً فيها، ومعظم ما تم جمعه هو ممّا «رماه الناس». حتى المكان لم يكن صيدلية بسترس. ولهذا السبب، «يقال» إن هذه العملية كانت مبادرة فردية.
هكذا، أبدل الأشخاص المفترضون بثلاثة، صاروا في ما بعد «نواة» العمليات اللاحقة في بيروت وغيرها. وكانت «مغامرة» غير محسوبة في حينها ضد عدو لا أحد يعرف «ماذا يمكن أن يكون ردّ فعله»، وهو الخارج للتو من مجزرته المروّعة. مع ذلك، تمت العملية بنجاح، وكانت ذات أهمية لنواحٍ كثيرة، لعل أولاها أنها حصلت في وقت كان كلّ شيء فيه يحدث «عكس السير»: رايات بيضاء. وثانيتها، أنها لم تترك أثراً، «فقد كان الحرص على ألا يجرح أحد، وقد نجح الرهان». وإلى كل ذلك، تضاف السرية... التي فقدت بعد سنوات. أما النجاح، فهو أنها أسّست لبيروت أخرى، وعزّزت الحماسة لعملياتٍ أخرى نفّذت بالنجاح نفسه «وربما أكثر»، معطوفة على ردّ الفعل «الحيادي» للعدو.
من بسترس، ولدت العملية التي «تكنّى» اليوم باسم محطة أيوب. تلك العملية التي لم يحتج الناس إلى وقتٍ طويل كي يروا نجاحها كما في بسترس، فهي التي حدثت في وضح النهار. في عملية «أيوب»، أحرق المقاومون ملالتين بجنودهما. صار الحدث مزيجاً من شعورين: فرح كبير، ورعب أيضاً، بان في عيون المقاومين الذين أحسّوا بـ«المسؤولية». تخوّفوا من احتمال قيام العدو بالانتقام لمقتل جنوده، والمبادرة إلى قتل أبرياء. كلّ شيء كان ممكناً، وضحايا مجزرة صبرا وشاتيلا كانوا خير شاهد.
مع كل هذا الخوف، كرّت سبحة العمليات. لكنها، كانت «قصيرة» في بيروت، فالعدو خرج قبل أن يكمل أيامه العشرة. مع ذلك، لم ينه الشباب نضالهم، بل انتقلوا بعملهم المقاوم إلى المناطق.
بعد قليل من السنوات _ ربما ثلاثة _ خبا ذلك التوازن الذي أحدثته الـ82 للبعض. وبدأت مقاومات أخرى، ولم «تبق» جمول. وربما لهذا السبب، يقول هذا البعض إن الذكرى صارت «ماضي كتير». وهو الماضي نفسه الذي لم يتسنّ للناس أن يتذكروه، حتى في اللوحات التذكارية التي علّقت عام 2001 لحراسة الذاكرة المتبقية... بالصدفة وبمبادرة فردية.
...
..
..
ملحم الحجيري يروي «معركة خلدة»
لم تكن خلدة محطة عابرة للإسرائيليين خلال اجتياحهم لبنان. فيها خاض مقاومون من مختلف الانتماءات أقوى المعارك. ملحم الحجيري كان هناك
عفيف دياب
«لم ولن تنهزم المقاومة»، يقول ملحم الحجيري (55 عاماً)، الذي عرفته مواجهات خلدة إبّان التصدّي للاجتياح الإسرائيلي للبنان صيف 1982. يروي صانع أحجار الزينة اليوم، من مقلعه في أعالي جرود بلدته عرسال، كيف صنع ورفاقه، في الاتحاد الاشتراكي العربي الذي كان ينتمي إليه، ملاحم بطولية في خلدة، جنباً إلى جنب مع قوات الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية وحركة أمل. يحكي قصة مواجهات خلدة كأنها تحصل الآن أمامه. لا ينسى خلال سرد سيرته ورفاقه في الاتحاد أدّق تفاصيل المواجهات، وكيف كبّدوا العدو خسائر بشرية جسيمة، مدمرين دباباته بقذائف «الآر. بي. جي»، وكيف أفشلوا أكثر من إنزال بحري لتطويق بيروت من جنوبها واحتلال مطارها والتلال المشرفة عليه.
يقول: «كان على تلال خلدة موقع للجيش السوري يضم راداراً تعرّض لغارة جوية يوم 9 حزيران 1982. بعد الغارة، بدأ الإنزال الاسرائيلي البحري، الذي أمطره الجيش السوري بقذائف مدفعية، فيما انتشرت مجموعاتنا نحو الخط الساحلي، وزرعت الكمائن لمنع العدو من السيطرة على مثلث خلدة».
بعدما نجح العدو في تجاوز القصف المدفعي السوري إثر تعرّض مرابض الجيش السوري لغارات جوية، بدأ الاشتباك مع الاحتلال. وكانت مجموعات المقاومة قد توزّعت من الفاميلي بيتش وغاليري حوحو حتى مدينة الزهراء، حيث كان مقاتلو حركة أمل. يروي ملحم أنه «قبل الالتحام المباشر، سمعنا طلقات رشاشة. اعتقدنا للوهلة الأولى أن اشتباكاً حصل بين مجموعات من فصائل فلسطينية». توجه مع مجموعة من مقاتلي الاتحاد الاشتراكي لاستطلاع الأمر «وإذا بنا نشاهد دبابات العدو. على الفور، أصدرت أمراً بالتصدّي للتقدّم، فرمى أحد الإخوة قذيقة B7 على الدبابة الأولى فأخطأ هدفه. تدخل أخ ثان ورمى قذيقة أخرى فأصابه». وصلت مجموعات إسناد تابعة للاتحاد الاشتراكي وحركة فتح والجبهة الشعبية (جناح جورج حبش) و«دارت معركة لن أنساها، ولن أنسى كيف قفز أحد إخوتنا من البناية ورمى قنابله اليدوية داخل دبابة، وكيف أجهز على أحد جنود العدو».
أوقف ملحم الحجيري ورفاقه التقدم الإسرائيلي الأول على محور مثلث خلدة، بعد تدمير 3 دبابات وإعطاب أخريات. «وعندما بدأ غروب الشمس يسيطر على محور خلدة، توزّعت مجموعات من حملة قواذف الـB7 في كمائنها، بعدما تلقينا دعماً من حركة فتح والجبهة الشعبية والصاعقة». مع حلول ساعات المساء الأولى، حاول العدو التقدّم مجدّداً نحو مثلث خلدة بعد تنفيذه غارات جوية وقصف مدفعي لسحب دباباته المدمرة وإجلاء قتلاه وجرحاه، و«مع حلول الليل خضنا مواجهة ثانية مع دبابات العدو، واستطعنا إيقاف محاولته الثانية بعد وصول مجموعات دعم من فتح والاتحاد الاشتراكي العربي وأحزاب الحركة الوطنية».
يضيف الحجيري إنه إثر إفشال محاولة التقدّم الإسرائيلية الثانية «عقدنا اجتماعاً تنسيقياً لقادة القوات المقاومة للعدو في ملجأ بناية تعرض محيطها لغارة جوية، غادرنا وكان قد انبلج فجر 10 حزيران، حيث أعدنا انتشارنا ورفع السواتر الترابية وتوزيع الكمائن من جديد».
في اليوم التالي، أجرى الحجيري اتصالاً بحركة أمل في مدينة الزهراء «وضعت مع أحد قادتها، وهو من بلدة مقنة البقاعية، خطة مواجهة جديدة تكون بعيدة عن مدينة الزهراء، وشكلنا غرفة عمليات مشتركة بقيت موحدة لثلاثة أيام، إلى أن استطاع العدو الوصول الى صحراء الشويفات من محور عرمون، تمهيداً لفرض طوق حول مثلث خلدة بعد فشله في التقدّم أكثر من مرة». نجح الحجيري ورفاقه، مع حركة أمل، في منع العدو من التقدم على محور خلدة أكثر من مرة، و«في المحاولة الرابعة استطاع أحد الإخوة السيطرة على ملالة للعدو وأحضرها الى مركزنا، حيث سلّمناها إلى الإخوة في حركة أمل بهدف نقلها الى مركزها في الضاحية الجنوبية».
بقي الحجيري ومجموعته في خلدة حتى 13 حزيران. بعدها تلقى أمراً من قيادته بوجوب الاجتماع مع اللجنة العسكرية في بيروت لوضع خطة مواجهة جديدة، ودراسة إمكانية الصمود في خلدة بعدما أصبحت «جيباً صغيراً يقاوم ضمن الأراضي المحتلة من العدو». توجه الحجيري الى مقر قيادته، حيث تم تقدير الوضع الميداني «أبلغت قيادتي أنه يمكن أن نقاوم أياماً عدة ما دامت الذخائر متوافرة، وسوف أتشاور مع حركة أمل الموجودة هناك ليكون التقدير مشتركاً». عقد الحجيري اجتماعاً عسكرياً مع حركة أمل في الأوزاعي «درسنا معاً الواقع الميداني، حيث تبين لنا أننا أصبحنا داخل طوق العدو بعد احتلاله المدرج الشرقي للمطار وأن المناورة أصبحت محدودة، فقرّرنا سحب قواتنا وإعادة الانتشار تمهيداً لمعركة بيروت ومنع احتلالها ووضع كمائن على محاور الضاحية الجنوبية لمنع تقدم العدو».
معركة خلدة التي سطر فيها ملحم الحجيري ورفاقه أسطورة في المواجهة، قتل فيها نائب رئيس الأركان الإسرائيلي يوئيل آدم، وقتل فيها أيضاً 10 جنود وفق اعترافات العدو وتدمير ما لا يقل عن 15 دبابة وآلية. ويقول الحجيري: «لن أنسى بطولات العقيد الفلسطيني الشهيد عبد الله صيام (استشهد خلال محاولة استعادة صحراء الشويفات وتلال عرمون بعد معركة خلدة). لقد خضنا أقوى المعارك مع العدو خلال اجتياحه للبنان في خلدة، وأوقفنا تقدّم فرقة مدرّعة كاملة (فرقة الجنرال آموس يارين). دمرنا السرية الأولى منها، وسحبنا عربة مدرعة (M113). يضيف الحجيري، الذي أصيب لاحقاً خلال حصار بيروت في 4 تموز 1982 «بعد مواجهاتنا في خلدة، تسلمت محور عين المريسة حتى الأوزاعي، ونصبنا كقوات مشتركة فلسطينية ـــ لبنانية مرابض مدفعية وراجمات صواريخ، وكان الصمود الأسطوري في بيروت قبل أن تأتي جرافات وتزيل السواتر التربية بحجة التنظيف».
...
..
..
على الجبهة: من البقاع الغربي إلى مزارع شبعا
عمليات نوعية كثيرة يحفظ مقاومو «جمّول» تفاصيلها. هنا استعادة لعمليتين: اغتيال ضابط الموساد أبو النور، واقتحام لمزارع شبعا
عفيف دياب
أطلق الشيوعيون مقاومتهم في البقاع الغربي وراشيا في أيلول 1982. خزّن قاسم محيدلي و«الحاج» الأسلحة والصواريخ في خزّان للمياه في مشغرة. وكانت القرعون خزّانهم الأوّل ومصدر أسلحتهم. في 16 أيلول 1982، صدر بيان انطلاقة جبهة المقاومة. نفذ فهد ومازن ومجموعتهما عمليتهم الأولى في بيروت، وأطلق قاسم محيدلي الرصاصة الأولى، معلناً بدء العمليات العسكرية ضد الاحتلال في البقاع الغربي وراشيا.
لم يكن يخطر بباله أن رصاصة مسدسه ستكون بداية مرحلة دحر الاحتلال. في 20 أيلول 1982، كمن قاسم بمسدسه على طريق قليا. انتظر أكثر من ساعتين حتى عبر صهريج مياه للعدو. أطلق رصاصته، فقتل سائق الصهريج وغادر بهدوء الى مشغرة حيث أرسل إلى القيادة على قصاصة ورق صغيرة: «قتلنا جندياً إسرائيلياً على طريق قليا وانطلقت المقاومة».
انطلقت المقاومة في البقاع الغربي. نفذ الراحل عباس باز عملية قنص لجندي إسرائيلي قرب مهنية مشغرة، وهاجم «الحاج» مع مجموعة القرعون بالصواريخ موقع الاحتلال في بعلول، مستهدفين مهبط المروحيات. ونفّذ (ط. ع. وم. د.) هجوماً على معسكر القرعون، وكرّت سبحة العمليات التي أفقدت العدو صوابه، فنفّذت استخباراته حملات اعتقال طاولت مئات الشباب في البقاع الغربي وراشيا.
قرّرت قيادة الجبهة ردّ الصاع صاعين، وأسر أو قتل ضابط الاستخبارات الذائع الصيت ببطشه، المدعو «أبو النور» الذي نكّل بأهالي البقاع الغربي بطريقة وحشية. يذكر مقاومون أن خطة محكمة وضعت لاستدراج ضابط الموساد أبو النور، بعد زرع عميل لها عند هذا الضابط ومدّه بمعلومات تكون طعماً لأسره أو قتله لاحقاً. كلّف أحد المقاومين، من بلدة مجدل بلهيص، بإيصال معلومة إلى «أبو النور» عن وجود كمية من الأسلحة قرب قريته، وبالفعل تمّ ذلك، إذ حضر ضابط الموساد ونقل الأسلحة. بعدما كسب «العميل» ثقة أبو النور، طلب منه التبليغ عن كمين سينفذه شيوعيون قرب القرعون. وكما في المرة السابقة، نجح الأمر وصار ضابط الموساد على اقتناع تام بأنه نجح في خرق المجموعات السرية لجبهة المقاومة.
بعدها، قرّرت قيادة الجبهة زرع كمين لأسر أبو النور في مجدل بلهيص بعد استدراجه من قبل المكلّف بالمهمة. يقول أحد المطلعين على هذه العملية النوعية، التي نفذت عام 1984، «طلبنا من رفيقنا إبلاغ أبو النور بأن مجموعة من الشيوعيين موجودة في منزل عند مدخل مجدل بلهيص، ويجب اعتقالها بغتة خلال نوم أفرادها». فرز لهذه العملية ستة أفراد «في الوقت المحدّد، وصلت سيارة أبو النور من نوع .B.M.W. ومعه سيارة مدنية أخرى وجيب عسكري ودخلوا في وسط الكمين المحكم». يتابع محدّثنا: «ناديت على أبو النور ليسلّم نفسه بعدما أصبح ومجموعته تحت مرمى نيراننا، لكنه بادر الى إطلاق الرصاص من مسدسه، فبدأنا بإطلاق الرصاص عليه وعلى بقية أفراد المواكبة، فسقط صريعاً على الفور مع خمسة آخرين، فيما تكفل أحد الرفاق بمحاولة حمل جثة أبو النور الضخمة لأسرها، لكن ضيق الوقت ولأسباب لوجستية لم نتمكن من نقلها الى خارج المناطق المحتلة».
■ ■ ■
بعد انتصار جبهة المقاومة ودحر الاحتلال الإسرائيلي عن البقاع الغربي وراشيا، وأجزاء واسعة من الجنوب في ربيع عام 1985، عقدت قيادة «جمّول» اجتماعاً تقويمياً عاماً بحثت فيه أشكالاً جديدة من خطة مواجهة الاحتلال في الشريط الحدودي.
قرّرت قيادة الجبهة وضع جبل الشيخ ومزارع شبعا وتلال كفرشوبا في دائرة المتابعة.
في أواسط ربيع 1986، كلف الشهيد جورج نصر الله (هادي) وكفاح بتولّي قطاع مزارع شبعا وسفوح جبل الشيخ الغربية، وتوجها الى هناك حيث مكثا داخل المزارع ستة أيام متواصلة، رسما خلالها مواقع الاحتلال في رمثا والسماقة ورويسات العلم وبسطرة، وصولاً إلى معسكر المجيدية وموقع العباسية، ووضعا خرائط الطرق الاسفلتية والترابية التي تسلكها آليات العدو وأنواع الأسلاك الشائكة، ومدى إمكانية أسر جنود للعدو ونقلهم الى خارج المناطق المحتلة.
كتب جورج نصر الله وكفاح تقريرهما عن مهمتهما في مزارع شبعا وأرسلاه إلى القيادة. بعد النقاش، تقرّر نصب كمين لدورية على الطريق التي تربط موقع رمثا بالسماقة، ثم عدّلت الخطة بعد وصول المجموعة المكلفة بالتنفيذ، إثر اشتباك حصل بين قوات الاحتلال ومجموعة تابعة للمقاومة الفلسطينية كانت موجودة في المنطقة بهدف العبور إلى داخل فلسطين المحتلة. انسحبت مجموعة «جمّول» إلى أطراف كفرشوبا الجنوبية، وانتظرت بضعة أيام حتى تنفذ مهمتها، لكن رسالة عاجلة وصلت مع «رفيقة» أبلغت قائد المجموعة بوجوب الانسحاب فوراً.
بعد هذه المهمة، قرّرت قيادة الجبهة إعادة تنفيذ مهمات استطلاعية جديدة. وخطط جورج نصر الله للقيام بعملية أسر من موقع السماقة بعدما أمّنت القيادة سيارة نقل مدنية تتموضع في أعالي كفرشوبا تنقل الأسير الى أقرب نقطة الى المناطق المحررة بعد تنفيذ المهمة.
في أواخر صيف 1986، تسلّلت المجموعة المنفذة الى محيط كفرشوبا الجنوبي. ولكن، مرة أخرى لم يحالف الحظ «الرفاق»، فتقرّر بدء التخطيط لعملية أسر أخرى على تخوم المناطق المحرّرة لأسباب لوجستية. بدأ التحضير لأكثر من عملية، نجح بعضها من دون تحقيق أسر جندي، وفشل بعضها الآخر. سجلت مواجهات كبرى في جبل الشيخ في أيلول 1987 وتشرين الأول 1987 وحزيران 1988 حيث استشهد جورج نصر الله (هادي) ومخايل حنا ابراهيم.
هذه العمليات، وما سبقها، ألزمت قيادة «جمول» بإعادة وضع الهجوم على مزارع شبعا في قائمة الأولوية. كلف محمود الحجيري (بلال) وإيلي حداد (الشقور) ورائد بإعادة استطلاع موقع السماقة. توجه الثلاثة إلى جنوب كفرشوبا ومكثا هناك أياماً عدة، حيث استطاع محمود الدخول إلى الموقع والبقاء مختبئاً بداخله أكثر من 4 ساعات، من دون أن يلحظه جنود العدو. وضع محمود وإيلي مع قيادة «جمول» خطة الهجوم الذي تقرّر أن يكون يوم 10 أيلول 1989. قاد محمود وإيلي المجموعة المهاجمة. زرعا عبوة ناسفة عند مدخل الميركافا، وعادا إلى بقية أفراد المجموعة حيث قسّما أفرادها الى مجموعتين: الأولى تقتحم الموقع، والثانية تتولى أمر الدبابة. قتل محمود وإيلي عناصر الموقع بالقنابل اليدوية والأسلحة الرشاشة وسيطرا عليه لمدة 10 دقائق، فيما تولى رفيق رفع علم الحزب، ونفذت المجموعة الثانية مهمة تفجير الميركافا بالعبوة ومهاجمة من بقي فيها أحياء. وخلال التنفيذ، ضحك إيلي حداد الذي صرخ قائلاً: «لقد قتلت الضابط، وهو يقول بالإنكليزية .P.L.O. (منظمة التحرير الفلسطينية). مش عارف أنا الشقور من عكار، شيوعي لبناني». إيلي استشهد لاحقاً في عملية نوعية على طريق دبين 1989.
...
..
..
الحارس «غير الرسمي» للذاكرة
بسام القنطار
سرعان ما تقود محركات البحث على الانترنت إلى موقع jammoul.net الذي يشكل مصدر المعلومات الاساسي عن «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ــ جمّول». أنشئ هذا الموقع في شباط العام 2006، من قبل مجموعة من اللبنانيين المنتشرين في عدد من بلدان العالم، ويضمّ معلومات عن تاريخ الجبهة وشهدائها وأسراها وجرحاها.
تطرح الصفة غير الرسمية لموقع jammoul.net، وطغيان المعلومات المتعلقة حصراً بعمليات الحزب الشيوعي اللبناني، إشكالية الذاكرة الجماعية لجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، بعيداً عن الحزبية الضيقة، من شعار الجبهة الذي يختلف بين أنصار الحزب السوري القومي الاجتماعي وأنصار الحزب الشيوعي اللبناني، إلى إشكالية الشهيد الأوّل والعملية الأولى، مروراً بضآلة المعلومات الموثقة المتعلقة ببقية فصائل «جمول».
يستند الموقع في المعلومات التي يتضمنها إلى كتاب «الوقائع اليومية لمسيرة المقاومة الوطنية اللبنانية»، الصادر عن المجلس الثقافي للبنان الجنوبي. ويسرد العمليات النوعية للجبهة، وأبرزها عملية تدمير إذاعة العميل لحد، عملية كفرفالوس، عملية حولا، عملية جبل الشيخ، عملية ثكنة العميل لحد في حولا، عملية الريحان ــ العيشية.
القسم الأكثر تحديثاً في الموقع هو مجلة جمّول الالكترونية الشهرية، التي صدر منها 18 عدداً، ومن المتوقع أن يصدر قريباً العدد التاسع عشر الخاص بالذكرى الـ30 لانطلاق الجبهة.
يشرح محمد فرحات، وهو أحد المشرفين على الموقع، أن الهدف من إنشائه لم يكن فقط الإضاءة على تاريخ جمول وشهدائها، بل شكل محاولة جدية لجمع اليساريين والعلمانيين، أينما كانوا وإلى أي بلد عربي انتموا، لمناقشة قضايانا وهمومنا العربية، ولتبادل الخبرات والمعلومات ووجهات النظر، وكذلك ليكون بمثابة أرشيف غنيّ بالمعلومات».
وفي اليوم الذي يحتفل فيه الحزب الشيوعي اللبناني بذكرى جمول في مهرجان خطابي عند الحادية عشرة من صباح غد، يجتمع فريق عمل الموقع في مسبح الجسر في الدامور عند الساعة الواحدة والنصف ظهراً للتعارف والنقاش والبحث في آلية تطوير الموقع وتنشيطه.
يلفت فرحات إلى أن موقع jammoul.net عمل منذ البداية على خطين متوازيين؛ الأول محاولة تغطية نشاطات القوى اليسارية بمبادرات ذاتية، كبث المهرجانات عبر الهاتف في النادي الصوتي للموقع الذي استضاف عدداً كبيراً من اللقاءات والحوارات مع شخصيات سياسية وفنية وثقافية أو تغطية أخبار المظاهرات. أما الخط الثاني فتمثّل في استكمال أرشيف شهداء الجبهة من خلال رفاقهم أو عائلاتهم أو بمساعدة حزبية. كما نجح الموقع في أرشفة جزء مهم من عمل جمول وتغطية الأخبار، وساهم في خلق حالة من التواصل والنقاش عبر منتداه، أو عبر اللقاءات السنوية. هذا التواصل أثمر تأمين المتطلبات التقنية والمادية لبث إذاعة صوت الشعب على الانترنت، ودعم نشاطات بعض المنظمات الجماهيرية اليسارية.
بدوره، يؤكد الناشط جان الشيخ، أن العديد من العقبات تواجه الموقع، أبرزها الانقسام بين أعضائه حول أحداث سوريا، لكن ذلك لم يمنع الاستمرار والتطور في موقع جمّول حتى بلغ أعوامه الستة التي حَمَلت محطات كثيرة، آخرها المجلّة التي تخطّت عامها الأول بصعوبة ولكن بنجاح، حيث تحقق هدفها بأن تكون منبراً للشباب وأن تنشر مقالات لشخصيات هامة، وتخطّى عدد مقالاتها المئتين، في حين بلغ عدد الكتاب فيها حوالي 78.
وفي حين تنفق آلاف الدولارات على المواقع الحزبية والإخبارية اللبنانية، عمل موقع «جمّول» بتمويل ذاتي من أعضائه وضمن ميزانية متواضعة جداً. ورغم انه لم يصمم بطريقة احترافية، يزوره عشرات الآلاف شهرياً، ويحاول منافسة المواقع ذات الميزانيات الكبيرة، وصنّف بين المواقع الخمسين الأولى في لبنان حسب إحصاءات موقع ALEXA في العام 2011. ولقد تأثّر الموقع سلباً بالانتشار الكبير لمواقع التواصل الاجتماعي لا سيما الفايسبوك، ولم ينج من تأثيرات اختلاف الآراء التي أفرزتها احداث الثورات العربية أو الخلافات الحزبية الداخلية لا سيما داخل الحزب الشيوعي اللبناني.