الخيام نسخة تجريبية · Khiyam v2
أخبار وذاكرة ومجتمع
← الأرشيف

زينب وعبد الله وزين ووفاء وراندونا: بـاقٍ 28 ساعـة علـى عـودة كـل شـيء إلـى حالـه، لكـن...

2007/8/8 · · المقال رقم 1416
باقٍ على وقف «العمليات العدائية» ثمانٍ وعشرون ساعة. غداً صباحاً تنقشع غيوم الهمجية عن السماء. ستمر ليلة واحدة بعد قبل أن يطمئن قلب زينب وتتركها هواجسها. ستمر ليلة خوف واحدة بعد على وفاء. سيعود عبد الله الى شبابه. وزين سيلهو مع رفاقه. أما راندونا فستتصل بأهلها في سريلانكا وتخبرهم ان الحرب انتهت، فيرتاح بالهم. غداً. ثمان وعشرون ساعة فقط. تنتهي الحرب. ويعود هؤلاء الخمسة الى تفاصيل حياتهم. غير أن اسرائيل ارتأت غير ذلك. أرسلت مقاتلتها عند الرابعة من فجر الثالث عشر من آب لتجهز على الخمسة: أم في السابعة والثلاثين، وشاب في السادسة عشرة وولد في الثالثة عشرة وطفلة في العاشرة وغريبة سريلانكية. غداً، في صباح الرابع عشر من آب، ستخرج زينب وأولادها الثلاثة من الشاحنة ـ البراد التي أمضوا فيها ليلتهم. سيزور الأربعة البيت للمرة الأخيرة، كما تقضي التقاليد، ثم يدفنون، لتكتمل دائرة مذبحة أخرى من تلك المذابح التي نبشت حيوات الناس، وغيرتها إلى الأبد. راندونا لها ربها يحرس جسدها تحت الركام تظل فيه حتى صباح وقف إطلاق النار. تذهب متأخرة الى براد صور. تدخل اليه بينما الشهداء يغادرونه. تنتظر سفارتها كي تعيدها الى أهلها في البلد البعيد. لا نعلم عنها إلا اسمها، وبكاءها في الحرب، وقدرها القاسي. كان والد زينب، أحمد حويلا، قد أخذها وآخرين من عائلته قبل أسبوع من نهاية الحرب وذهب نازحاً الى بيروت، وقد قرر إرسالها الى بلادها. لكن الجسر فوق النهر كان مقطوعاً وجنوبي الليطاني قد فصل تماماً. فعادت راندونا الى موتها. الطفل المسحوق الوجه في الصورة، ليس مجرد جثة أخرى تضع يدها في يد أمها. الطفل اسمه زين العابدين عباس زين، في الصف الابتدائي الرابع. يحب الصيد وتنتظره حياة. زينب ليست جثة أخرى. زينب هي «ام علي». في السابعة والثلاثين، وجدّة لطفل كان في البرازيل قبل سنة وهو يدور حول جده الآن، في صيفيته الجنوبية. وفاء قتلتها حرب كانت تخاف منها. كلما قالت لأبيها عباس انها خائفة أشعلت له قلبه. وفاء ولدت في كيفون، في اليوم الأخير لحرب نيسان ,1996 وقتلت في اليوم الأخير من حرب تموز .2006 ولدت في النزوح. وماتت في القرية. عاشت بين آخر يومين من آخر حربين إسرائيليتين: عشر سنوات وثلاثة شهور. لم يسمع عباس صوت انفجار. أقرب الناس الى الانفجار لا يسمعونه. كان في غرفة ملاصقة على بعد ستة أمتار. ينام بقربه ولدها علي وأحمد ووالد زوجته أحمد حويلا. مشى في العتمة وشعر بنار تحرق قدميه. لم ير إلا حين هبّ هواء جعل الدخان الأسود ينقشع. على ضوء الفجر الرقيق، رأى عباس ثلاثة طوابق كاملة، سقطت على زوجته وأولاده الثلاثة. يقول انه سمع زينب تصرخ «يا عباس». ثم اختفى صوتها قبل أن تكمل النداء الثاني. خرج الى مذبحة. في ذاك اليوم، لم تهدأ اسرائيل. راحت تسابق الهدنة كي تقصف ما استطاعت. تنادى شباب برج الشمالي للمساعدة في ظروف مرعبة. لم تهدأ للحظة المقاتلات في السماء. وكانت الصواريخ تصفر كل ربع ساعة وتنفجر في كل ما يحيط ببرج الشمالي. غريب أمر الناس. عناصر كشافة الرسالة الإسلامية ومعهم شبان من القرية، أمضوا النهار كله يشيلون الركام بالأصابع حتى أخرجوا الجثث الأربع. غارة واحدة كانت لتسحق عشرات الشبان. وليس بعيداً عن اسرائيل ان تغير ثانية حيث أغارت في المرة الاولى. مع ذلك ظلوا. وظلت سيارة إسعاف الكشاف تغادر بالجثث واحدة بعد الأخرى الى صور وتعود منها. ثماني مرات، في نهار التهبت سماؤه. شجاعة أبناء القرية. ليست حالة يتيمة. في كل قرية وبلدة ومدينة وقعت مذبحة قام مجهولون الى واجبهم. يعملون. من ألمانيا، اتصل شقيق عباس به، بعد خمس ساعات على الكارثة. «اسمعها مني ومش من غيري»، قال عباس لأخيه حسن: «راحت زينب وراح عبد الله وزين ووفاء.. بقي علي واحمد». لم يكن عباس يريد لأمه أن تعرف. لكنها عرفت. في القرية السورية البعيدة، كان «أبو عمر» الصديق السوري لعباس، يستضيف والدة عباس وشقيقته وأطفالها في بيته. وكانت القرية تتحضر لعرس. أتى الى ضيوفه بوجه أصفر. غادر ولم يقل شيئاً. ثم اتصل وتحدث مع شقيقة عباس. صرخت هذه. صرخت جدة الأولاد الثلاثة. ارتفع الصوت. ذهبت العروس الى بيتها بصمت، وأطبقت القرية برمتها الى البيت اللبناني المفجوع، تواسيه في حزنه الهائل. انقلب العرس الى عزاء. الأربعة صاروا صوراً على الجدران. زينب تتوسط أولادها. تبتسم بوجهها الأبيض وحجابها الاسود الغامق. الحجاب الاسود دليل حداد. كانت ترتديه في الأشهر الثمانية الأخيرة قبل رحيلها، حداداً على أمها المتوفاة. والدها، أحمد حويلا، الذي نجا من تلك المجزرة، توفي خلال العام الماضي. قتلت زينب بين موتين. فقدتهم ولم أخسرهم، يقول عباس. ماتوا مظلومين. لم تكن زينب مطمئنة. في تلك الليلة قال لها: إن شاء الله تفرج. يقولون إن الهدنة على الأبواب. قلبي ليس مطمئناً أجابته. قبل الحرب ذهبا معاً الى استديو التصوير وتصورا. حين رأت الصورة حدثت شقيقتها: انظري. قلبي يقول لي إن أحدنا سيموت. إما أنا وإما هو. هذه الكلمات التي لا يقف عندها أحد حين تقال، تعاد عشرات المرات بعد وقوع الموت. تروى كنبوءات. راندونا كان لها نبوءتها ايضاً. كانت تبكي كثيراً ولم يعد ساعداها يعينانها على العمل. تحقق خوفها. لها صورة على جدار في بيت بعيد. لها حكاية لا نعرف عنها شيئاً.