المحطات الإعلامي اللبنانية: سـباق ... إلى أين؟
منين أجيب ناس؟
بيار أبي صعب
بعد عودة mtv، كثرت التساؤلات حول مصير محطّة لبنانيّة أخرى هي lbc التي كانت قد شهدت تحوّلات، وباشرت انعطافة خجولة للخروج من «الغيتو» الذي ولدت فيه خلال الحرب. إلى أين تمضي المؤسسة التي لعبت منذ الثمانينيّات دوراً رائداً في تشكيل المشهد التلفزيوني، لبنانيّاً وعربيّاً؟ كان من الواضح أن تلفزيون المرّ، سيستقطب شريحة راديكاليّة من «الشارع المسيحي» الذي طالما عبّرت lbc عن مزاجه. وكانت فرصة ثمينة لبيار الضاهر، في عزّ تصفية التركة «القوّاتيّة»، كي يقلب الصفحة، ويذهب إلى الفئة الهادئة من المجتمع، بمشروع عصري من خارج إعلام الطائفة الواحدة، أو التيّار السياسي الواحد.
اليوم احتلّت mtv المكان المتوقّع، جامعة بين الخطاب الانعزالي في السياسة، والانفتاح الاستهلاكي على الطريقة الغربيّة حتّى الاستلاب، والجرأة الإيروتيكيّة السطحيّة، ناهيك بالتمايز التقني والعصريّة، وكلّها من العلامات الفارقة لـ«إل بي سي» في عصرها الذهبي. أما بيار الضاهر الذي عاش طلاقاً مع شريك ثمين هو الوليد بن طلال (دفع ثمنه عشرات الاعلاميين والتقنيين والاداريين في المحطّة)، على أمل بناء شراكات واستراتيجيّات جديدة، فما زال يبحث عن «جمهوره». والجمهور في لبنان سلعة نادرة. هناك طوائف وجماعات لكلّ منها اعلامها، واختراقها صعب، لكي لا نقول مستحيل، له أسراره وتقنيّاته. وعلى هامش الكتل الكبرى، مشاهدون «مستقلّون» يعنيهم الهمّ الوطني والاجتماعي والانساني. راهن الضاهر على نشرة أخبار اجتماعيّة، تذهب صوب بيئات جديدة. وضع نصب عينه محطّة منافسة اقتربت من «المواطن»، مستندة إلى قاعدة شعبيّة واسعة بنتها خلال «عدوان تمّوز». أراد أن «يستوحي» أسلوب «الجديد» ونفَسها النقدي. فاته أن تلك النزعة الصداميّة، صنعها شباب وصبايا من بيئات فكريّة وحساسيّات سياسيّة محددة، نموا في تربتهم الحقيقيّة، وتلقّفهم تلفزيون شاب، بدأ يساريّاً، لا يجرّ وراءه ماضياً ثقيلاً، ولا يعاني فصاماً بين طموحاته وتاريخه. أما مشاهدو lbci، فما زالوا يفضّلون «فالس مع بشير» على «Star Ac مع أبو ابراهيم»، ويخافون على مسيحيي الشرق لا على حقوق عاملات المنازل والفقراء والمثليين.
كل ذلك يفسّر ربّما «خبيصة» ملف الرهائن التي تصرّ أدما على اعتبارها انجازاً، حسب اعلان «لا شكر على واجب» الذي يذكّر بمآثر المحطّة، إلا واحدة: أنّها اعلنت موت المخطوفين وكادت ترمي البلد في الهاوية. الحصيلة؟ lbci لا تمتلك حتّى الآن آليات مخاطبة جمهور «الجديد» الذي تحلم به، فيما «الجديد» تخاطر بفقدان هذا الجمهور، لأنّها بدأت تتكلّم معه لغة لا يفهمها…
..
.
v/s LBCI الجديد سـباق ... إلى أين؟
مهى زراقط
«إذا أردنا أن نعرف ماذا في إيطاليا، علينا أن نعرف ماذا في البرازيل». عبارة شهيرة للممثل السوري الراحل نهاد قلعي كان يكرّرها في مسلسل «صحّ النوم» الذي شاهده اللبنانيون عبر شاشة «تلفزيون لبنان». تراجع الأخير كي لا نقول اختفى. وفي أولى مراحل تراجعه، كان يمكن فهم بعض ما آلت إليه أحواله، من خلال إجراء بعض التعديلات على عبارة قلعي (حسني البورظان). في منتصف الثمانينيات، كان يصحّ القول: «إذا أردنا أن نعرف ماذا في «تلفزيون لبنان»، علينا أن نعرف ماذا في «أل. بي. سي»».
فالأخيرة لم تكن لتنجح لولا تجرّؤها على التلفزيون الرسمي. ومع انطلاقة تلفزيون «المستقبل» مطلع التسعينيات، كان يصحّ القول أيضاً: «إذا أردنا أن نعرف ماذا في «تلفزيون لبنان»، علينا أن نعرف ماذا في «المستقبل»، لأن الأخير أيضاً استنزف تلفزيون الدولة وكفاءاته. واليوم، في ظلّ ما يحكى عن منافسة بين شاشتي «أل. بي. سي» و«الجديد»، بات سهلاً القول: «إذا أردنا أن نعرف ماذا في «أل. بي. سي»، علينا أن نعرف ماذا في «الجديد»».
قد لا تكون هذه العبارة دقيقة تماماً في المراحل الثلاث، وخصوصاً أنّ الشاشات الخاصة ليست وحدها ما أساء إلى التلفزيون الرسمي. لكنها غير دقيقة تحديداً، إذا رُكن إليها لفهم ما يحصل اليوم في قناتي «أل بي سي» و«الجديد». إذ لا يمكن اختصار الأمر بالقول إنه مجرد منافسة بين محطتين على جمهور نشرة الأخبار، كما بات شائعاً. صحيح أنّ المعطيات تشير إلى تراجع في نسبة مشاهدي أخبار «أل بي سي»، وتفوّق «الجديد» عليها، لكنّ هذا غير كافٍ ليبرّر كلّ هذا التحوّل الذي تشهده نشرة أخبار الأولى في أدائها. وهو تحوّل بدأ الإعلان الرسمي عنه في أيار 2011، مع استقبال «أل بي سي» الإعلامية أوكتافيا نصر صاحبة شركة (Bridges Media Consulting) للقيام بمهمة استشارية إلى المحطة تستمرّ ستة أشهر. وبغض النظر عما تردّد إعلامياً عن أداء نصر في هذه المهمة، لم تتأخر «ال بي سي» في إعلان انطلاقة النشرة في حلّتها الجديدة نهاية تشرين الأول (أكتوبر) 2011، حاملة شعار «القصة كلّها». حلّة «تتميز بحركة وديناميكية بعيداً من الأسلوب التقليدي الجامد»، والأهم أنّ مشاهد المحطة سيكون «أوّل من يعلم». وبناءً على هذه القاعدة، بدأت المحطة تغيّر استراتيجيتها. اختصار الوقت المخصص للنشرة، تفعيل النقل المباشر وإتاحة الفرصة أمام المشاهدين غير المهتمين بالأخبار للانتقال إلى شاشة حمراء رديفة.
بين مرحّب ومنتقد، تعثّرت النشرة حيناً ونجحت حيناً آخر، إلى أن خُطف اللبنانيون الـ 11 في سوريا. رغم سوء الخبر، كان أهل الضاحية الجنوبية على موعد مع مفاجأة سارة. لقد دخلت «ال. بي. سي» إلى منطقتهم، لتنقل مباشرة، وبشكل شبه يومي، خبراً ينامون ويعيشون على وقعه: مصير 11 زائراً إلى الأماكن المقدسة.
مقدّمة الأخبار
قيل الكثير عن أسباب هذه التغطية الكثيفة من قبل محطة لم تتجاوز فيها أخبار الضاحية يوماً الإطلالات أو المؤتمرات الصحافية للأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله. حتى الدمار الذي شهدته في حرب تموز 2006 كاد يغيب عنها. لكن أبرز ما قيل يتعلق بنشوء منافسة حامية بين «الجديد» و«ال. بي. سي» على جمهور الأخيرة الواسع، وخصوصاً في المناطق التي تقيم فيها أكثرية تنتمي إلى الطائفة الشيعية. ارتفعت الأصوات التي تقارن بين أداء المحطتين، تشيد بسبق هنا، وآخر هناك. وتناقل المتابعون أخباراً عن عروض تلقاها مراسلون من الأولى للعمل في الثانية. لكن المقارنة لم تحتدم إلا مع انتشار مقدمة «أل. بي. سي» الشهيرة: «جمهورية العار» في 31 تموز (يوليو) الفائت.
كثيرون أحبّوا مضمون المقدمة، ووافقوا عليه، لكنهم استنكروا لجوء أكثر المحطات اللبنانية مهنيةً في نشرة الأخبار إلى عمل يوصف بغير المهني: كتابة افتتاحية لنشرة أخبار متلفزة. وهو ما تفعله «الجديد» منذ أكثر من عشر سنوات، متحملة سهام النقد كما الإعجاب. أثارت المقدمة الكثير من التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي، ومنها ما أشار إلى النفس اليساري الغريب عن هوية المحطة اليمينية تاريخياً. ومع نقل المحطة المباشر لاحتفال القوات اللبنانية في عيدها (23 آب/ أغسطس الفائت)، تزايدت التعليقات عن معنى مقدمات إخبارية مماثلة في محطة لا تستطيع أن تنفصل عن تاريخها (قل جمهورها التقليدي). وهي تعليقات قد تكون في مكانها في حال كان للـ«أل بي سي» مشروع تغييري فعلاً كما اعتقد البعض. لكن هذا ما لم تفعله منذ إعلانها بيانها الشهير بالانفصال عن «القوات اللبنانية». كما أنها على مدى أكثر من ربع قرن، كانت محاصرة بخطوط حمراء، تضمن استمراريتها. في المرحلة الأولى لتأسيسها، كانت محطة «القوات اللبنانية». وبعد الطائف، كان عليها مراعاة من منحها الترخيص. هادنت الراعي السوري، ورضيت بأن تكون «حصة المسيحيين» في حفلة توزيع المحطات التلفزيونية على الطوائف والسياسيين خلال ما قيل بأنّه «تطبيق» لقانون الإعلام المرئي والمسموع الشهير. بعد عام 2005، انحازت المحطة بوضوح إلى فريق 14 آذار، قبل أن تدخل إلى المحاكم لمواجهة والدها الروحي: سمير جعجع. واليوم، وهي تخرج من معركتها الأخيرة مع الوليد بن طلال، تجد نفسها أمام استحقاق جديد. ما هو؟ لا أحد يعرف.
المصير المجهول
يمكن وصف ما يجري اليوم بأنّه محاولة هروب إلى الأمام من قبل محطة تلفزيونية تواجه التحدّيات الكثيرة التي اعترضتها ولا تزال. لكن عندما يكون الحديث عن «ال. بي. سي»، يصبح ضرورياً الذهاب أبعد من ذلك في التفكير، لأن هذه الشاشة لا تشبه مثيلاتها. إنّها تجربة واضحة للتلفزيون الخاص بصيغته التجارية، ما لا ينطبق على بقية الشاشات اللبنانية. وقد يكون هذا أحد العوامل التي كوّنت هوية هذه المؤسسة. فقد احتكرت الإعلانات وأنتجت البرامج وصنعت النجوم الذين صدّرتهم إلى الآخرين بخلاف حالها اليوم. خلال هذه الرحلة، حفرت لها مكاناً في ذاكرة اللبنانيين، لم تحفره شاشات أخرى.
فلنستعرض سوياً: «المنار» هي شاشة المقاومة، و«الجديد» شاشة المعارضة، و«أن. بي. أن» لم تنجح في تحديد هويتها حتى اليوم. هذه المؤسسات الثلاث لم تقدّم عموماً برامج علقت في ذاكرة الجمهور، أو قيل إنها من صنعها وابتكرها. أما «المستقبل» و«أم. تي. في» فقد خاضتا المنافسة بجدية. أنتجتا برامج ناجحة، لكن ارتباط الأولى بالرئيس رفيق الحريري، وخوض الثانية غمار السياسة «المحظورة على المسيحيين» في مرحلة معينة، أدّيا إلى تراجعهما وتربّع «ال. بي. سي» مجدّداً على العرش.
إزاء هذا التاريخ، يصبح لافتاً أن نركن إلى استنتاج متسرّع قوامه أنّ «أل. بي. سي» قرّرت اللحاق بـ«الجديد». بل قد يكون هذا هو التفسير الأسهل، في ظلّ الأزمة العامة التي تواجه محطات التلفزة في مواجهة وسائل الاتصال الحديثة new media. ومن المفيد التذكير هنا بأن الحديث عن «ال. بي. سي» لا يعني أنّ بقية وسائل الإعلام في منأى عن هذه الأزمة، بل قد يكون الخيار قد وقع على هذه المحطة تحديداً، لأنها (تبدو) الأكثر عرضة للتحدّيات التي تواجه هذا القطاع. وهي تحدّيات لا تقتصر على منافسة مع محطة تلفزيونية أخرى، ولا على السير بين السطور مراعاة للخطوط السياسية الحمراء، بل تتعدّاها إلى صلب الموضوع: الاستمرار في ظلّ صغر السوق التجارية من جهة، وتسارع التطورات التكنولوجية من جهة ثانية.
كلّ هذه التحدّيات تضع التلفزيون لأول مرة أمام معركة «وجودية». ولا شاشة غير «أل. بي. سي» يمكنها أن تكشف لنا مصير «التلفزيون» كوسيلة إعلامية في مواجهة وسائل التواصل الاجتماعي. ذلك أننا أمام شاشة صنعت هوية، أسست لذاكرة، وتميّزت بإبداعها.. وها هي اليوم تقرّر أن تضع كلّ هذا جانباً وتتحوّل إلى النقل المباشر: «التغريدة» بحسب رئيس مجلس إدارة المحطة بيار الضاهر. لم يكن ما قاله لـ«الأخبار» مزحة عن الأمر. ما حصل في تغطية المخطوفين اللبنانيين دليل على ذلك بدءاً من النقل المباشر في الضاحية، مروراً بالرحلة إلى أعزاز وتغطية «انتفاضة» آل المقداد، وصولاً إلى الإفراج عن أوّل المخطوفين حسين عمر أخيراً. في كل هذه المحطات، لم يكن ما مارسه المراسلون على الأرض تغطية صحافية ميدانية. كان نقلاً للشاشة إلى المواطنين ليعبّروا عن أنفسهم... ليغرّدوا. وهذا أحد التحوّلات الأساسية التي يشهدها التلفزيون.
كي نفهم الأمر جيداً، يكفي أن نتذكر مراحل علاقتنا مع هذا الجهاز إخبارياً. في الماضي، كانت علاقة المشاهدين مع الشاشة علاقة احترام. نجلس أمامها ونستمع إلى ما يقوله المذيع. قد لا نصدّقه، لكننا لا نملك إلا الاستماع إليه والتفكير لاحقاً بما قاله. في مرحلة ثانية، خرج المذيع إلى الميدان، وصار صحافياً ينتقل إلى مكان الحدث وينقل لنا الصورة بعينيه. كان سفيرنا إلى الخبر، وكنا نصدّقه غالباً. أما اليوم، فقد تغيّر الوضع. في عصر «صحافة المواطن»، و«المدوّنين»، بات كلّ مشاهد يعي أنّ التعبير عن الرأي حق، وليس فرصة. وهو إذا لم يحصل عليه عبر التلفزيون، يستطيع أن يوفره عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
لا يقتصر الأمر على الأخبار. إذا تابعنا البرامج القليلة التي تنتجها القنوات، سنلاحط اختلاف لغتها. بتنا نستمع بكلّ بساطة إلى عبارات كانت تعدّ «خارجة» حتى ضمن جدران البيت. هذه الجرأة ليست إلا نتيجة طبيعية لطغيان ثقافة الإنترنت ولغته.
غابت البرامج التي تجذب الجمهور إلى محطة وتبعده عن أخرى. وبعدما كان التحدي الأساسي بالنسبة إلى أي تلفزيون للمحافظة على جمهوره، أن ينتج برامج ناجحة تؤسس له تاريخاً ذا مستوى، صار المطلوب منه توفير منصة للجمهور كي يعبّر عن رأيه... وفي حال تعذّر وجوده، «نفشّ خلقه» بمقدّمة إخبارية تعبّر عن وجعه. مقدّمة لا تختلف عن «التغريدة»، وتنسف كلّ ما تعلّمناه عن الشروط المهنية الواجب توافرها في نشرة الأخبار التلفزيونية. شروط «نرميها خلف ظهرنا» كما قال الضاهر لـ «الأخبار» في مكان آخر من هذه الصفحة.
خلاصة غير مأساوية كما قد يفترض بعضهم. إنّها تطوّر طبيعي لهذا الجهاز الذي تربّع على العرش أكثر من ستين عاماً. خاض تجارب كثيرة، فتنقّل بين الدور التعليمي، والترويجي، والإبهاري، والمسرحي... في كلّ هذه المراحل، كانت الشروط المهنية تختلف، والنظريات الإعلامية أيضاً. واليوم، حيث لا شيء واضحاً إلا «الجيل الثالث»، يمكن الركون إلى التجريب قبل أن يقرّر الجمهور ما سيفعله بالتلفزيون، بعدما أهمل الجريدة وأفرد للراديو مكاناً محظياً في السيارة.
مريم البسّام: إنّهم يقلّدوننا
في بداية حديثنا، ترفض مديرة الأخبار في «الجديد» مريم البسّام القول إّن هناك منافسة مع «أل بي سي». تكرّر أن «المنافسة قائمة مع كلّ مؤسسات الإعلام». لكن مع استعراض الأمثلة عن السباق إلى الخبر والنقل المباشر، تعود فتوافق قائلة: «ليست منافسة. هم يلحقون بنا. اعتقدوا أنهم يمكنهم أن يتداركوا نقص الجماهيرية عندهم من خلال التوجه إلى الشارع الشيعي فذهبوا إليه». بالنسبة إليها لا مشكلة تتهدّدها بسبب النقل المباشر «لأن من يرغب في منافستي، فليفعل ذلك في الأخبار، وليس في عدد الـ «أس. أن. جي» التي يملكها». عبر كلامها هذا، تبدو البسام مطمئنة إلى ما تسمّيه «جَبْلتها» في صناعة الأخبار، وروح «الشيطنة» التي بثتها في فريق عملها، لا يمكن أن تنجحا إلا على «الجديد». تعدّد أسماء العاملين في قسم الاخبار، قبل أن تسأل: «كيف سيصنعون شخصية لهم إن كانوا يقلّدوننا. لاحظي أنّ «الجديد» هي التي تصنع نجومها. غالبية الفريق مصنوعة هنا. جبْلتنا». وتؤكد أنها لم تشعر بأن هناك من «يقلّدها» إلا عندما بدأت نشرة أخبار «أل بي سي» تستهلّ بمقدمة تحمل موقفاً. مقدمة النشرة التي لطالما انتُقدت عليها، باتت مثار إعجاب؟ تسأل. هي التي كانت تخشى مقدّمات «أستاذنا جورج غانم»، وتعدّ ما تكتبه في بداية نشرتها «فشة خلق شعبية» تعبّر فيها عما تسمعه من الناس.
تغيير يدفع البسّام إلى التفكير في إجراء تعديلات لم تتبلور بعد، لكنّ مجرد التفكير بها يعني أنّ ما حصل لم يمرّ مرور الكرام. «لم أخف من النشرة ومن التقارير التي أجدها تكراراً لما سبق وأنتجناه. لكني أستغرب المقدمة. لماذا يستخدمون أسلوبي؟». تسأل مستنكرة لا قلقة، «فأنا واثقة بأنّهم لن يتحلوا بالجرأة التي تجعلهم يسمّون الأشياء بأسمائها كما نفعل". تشرح: «بدلاً من كتابة جمل فضفاضة تلوم الدولة وتدافع عن الإنسان بالمطلق، فليُسمّوا. الدولة... من في الدولة؟ القضاء... من في القضاء؟ عندها يمكن القول إنهم باتوا منافسين حقيقيين». هكذا، تراهن على أن بيار الضاهر لا يستطيع الذهاب بعيداً في جرأته بسب الكثير من الحسابات.
بيار الضاهر: منافسي هو الـ «آي فون»
لا يضير رئيس مجلس إدارة «ال بي سي» القول إن محطته تسير على خطى «الجديد». برأيه، هذا ما ستفعله كلّ وسائل الإعلام المرئي لاحقاً «وكلّ ما في الأمر أنّ «الجديد» سارت في هذا التوجّه قبلنا». برأيه، ما يحصل في «أل. بي. سي» ليس إلا مواكبة طبيعية للتطوّرات الحاصلة في القطاع الإعلامي. هذا على الأقلّ ما يريدنا أن نصدّقه. يحمل جهاز الـ«آي فون» في يده ويؤكد: «لا ينافسني إلا هذا». يقلّب صفحات الهاتف الذكي، وينتقل من خبر إلى آخر، ومن تغريدة tweet إلى ثانية. يضحك لدى سؤاله عن تجاوزات ارتكبتها محطته يوم الأربعاء 15 آب (أغسطس): «وماذا لو لم يكن خبر وفاة المخطوفين الأحد عشر قد بثّ عبر شاشتنا، بل عبر تغريدة؟». هكذا يبدأ الحديث. استسلام مسبق لتفوّق ما يعرف بوسائل الإعلام الحديثة (new media)، ما يفرض إعادة النظر في مهنة الصحافة برأي الضاهر: «كلّ ما تعلّمناه، أنت وأنا، يجب أن نرميه خلف ظهرنا». يشرح: «نحن نتوجه اليوم إلى جمهور مختلف. هناك جيل جديد ولد في عصر الديجيتال (الرقمي). طريقة تفكيره مختلفة. يشاهد التلفزيون بطريقة مختلفة. يبحث عن الخبر وفق مبدأ التويتر: 140 حرفاً». لذلك كان لا بد من اختصار النشرة وعدم إغفال عنصر الإثارة. طبعاً مع تفعيل خدمة الخبر العاجل. يقدّم أمثلة عن أخبار صحافية انتشرت، كان الهواة هم من بثّها عبر شبكات التواصل الاجتماعي. هل يعني هذا أنّ أي هاو يمكن أن يصبح صحافياً؟ يجيب بثقة «نعم، أي هاو يمكن أن يصبح صحافياً. أي شخص يمكن أن يكون «الجزيرة». نحن في النهاية نلحق أفراداً في المؤسسات الإعلامية ويمكننا أن نلحق لاحقاً أفراداً نثق بأخبارهم عبر العالم الافتراضي». وماذا عن الإحصاءات؟ عن الحاجة إلى الجمهور الشيعي. ينفي الضاهر أن يكون قصد من تغطية خبر المخطوفين اللبنانيين الـ11 تحسين علاقة أبناء الطائفة الشيعية مع محطته. بل هو مواكبة طبيعية للخبر: «لم أقصد البحث عن الشيعة، لكن يجب الاعتراف أن الدور الشيعي في السياسة اليوم هو أكبر بكثير مما كان عليه سابقاً. بعد حرب الـ2006 فرضت معادلة جديدة جعلتنا نهتم بمتابعتها». إجابة غير مقنعة كثيراً «فالحدث لطالما كان شيعياً خلال الحروب الاسرائيلية التي طاولت الجنوب». يقاطع «مظبوط. لكن هل تعتبرين أن ما كنا نقوم به صحيح؟». يختار الذهاب بعيداً في صراحته: «أنا عملت حرباً طويلة عريضة للحصول على الترخيص، وقبلت مرغماً بوجود بعض المساهمين الذين صبغوا المحطة. حصلت على الرخصة، مرفقة بـ«لايبل» طائفي ... إذا رغبت في التراجع، سأبدو كمن يفرّط بشيء ثمين للطائفة التي منحت الرخصة لأعبّر عن اسمها».واليوم؟ هل اختلف الأمر؟ هل تحرّرت «أل بي سي»؟ يجيب: «المحطة كانت حرّة دوماً، لكن كان هناك دائماً من يقول لها توقفي في مكان ما. اليوم تغيّر الوضع».
..
..
«الجديد» ما زالت الأولى
زينة حداد
بعدما عاودت MTV بثها عام 2009، بدأ القلق يتسرّب إلى رئيس مجلس إدارة LBCI بيار الضاهر. قبل شاشة المرّ، كانت LBCI لا تزال تستحوذ على 70 في المئة من سوق الاعلانات المتلفزة في لبنان. إلا أنّ صعود «أم. تي. في» تزامن مع الخلاف بين الضاهر وسمير جعجع على ملكية القناة الأرضية. هنا، أدرك الضاهر أنّ جزءاً من جمهوره التقليدي (الجمهور المسيحي) سيتحول إلى «أم. تي. في»، إضافة إلى جمهور 14 آذار. لكن ما جعله يطمئن أنّ نصف الجمهور اللبناني سيقاطع المحطات المحسوبة على 14 آذار ومن بينها «أم. تي. في».
مع ذلك، كانت MTV تصعد يوماً تلو آخر، مراهنةً على الترفيه. لكنّ هذا الصعود لم يُترجم في الحصة الاعلانية التي ظلّت LBCI مستحوذة عليها... إلى أن أتت بداية عام 2011. حينها، بثت «الجديد» محاضر تحقيق لجنة التحقيق الدولية تحت عنوان «الحقيقة ليكس». ضمت تلك التقارير التي عُرضت في النشرة المسائية خليطاً سحرياً في عالم الإعلام: الأمن، الجريمة، النميمة، وسياسيين يستخدمون لغة بذيئة كتلك التي تُستخدم في يوميات الأزقة، بعيداً عن الكاميرا. خرجت إلى الضوء أسرارٌ عن رشى وشتائم «أبطالها» أعلى المراجع السياسية. حقّقت التقارير نسبة مشاهدة غير مسبوقة لنشرة أخبار «الجديد». ارتفعت حصتها من «السوق» اليومية، ففاقت المحطات الأخرى وأولاها «أل. بي. سي». وبعدما انتهت التقارير، انتقلت «نيو. تي. في» إلى مرتبة جديدة. إضافة إلى مشاهديها «الأوفياء»، كسبت مشاهدين جدداً بفضل «الحقيقة ليكس»، ما أدى إلى تفوّق نشرتها في نسبة المشاهدة بعدما كانت «أل. بي. سي » تتسيد الاحصاءات لسنوات. للمرة الأولى، شعر الضاهر بأنّه ليس الأول. لقد أتته الضربة من حيث لم يتوقع.
في هذا الوقت، كانت حمّى «الإعلام الجديد» قد أصابت الضاهر. رأى ربان «أل. بي. سي» أنّ الاعلام التقليدي يعيش أزمة وجودية في مجال نقل الخبر وسط سطوة الاعلام البديل. صار الهاتف الخلوي يغني حامله عن نشرة الأخبار. في موازاة ذلك، لم تعد قناة «القصة كلّها» الأولى في مجال الترفيه. مايا دياب (MTV)، وLOL (أو. تي. في) وغيرهما تفوّقا على ما تقدّمه LBCI من «انترتاينمنت». هنا، وضع الرجل نصب عينيه هدفين: تحديث نشرة الأخبار، والاستثمار في الترفيه والدراما. ركّز على الأخبار. أراد إخراجها من تقليديتها، وتوجيهها صوب القضايا الاجتماعية. خاض معركة داخلية أدت إلى خروج جورج غانم من المحطة، بعدما حمّل الأخير مسؤولية تراجع نسبة مشاهدة الأخبار والبرامج السياسية. ثم استعان بصحافيين من خارج «البيئة الحاضنة» لموظّفي «ال. بي. سي»، خصوصاً أنّ الضاهر قرّر الانفتاح على شرائح ليست ضمن الجمهور التقليدي لمحطة «القوات اللبنانية» (سابقاً): إنّه «الجمهور الشيعي»، وبدرجة أقل «الجمهور السني»، ففي بلاد الطوائف، حتى الإعلانات تُحتَسَب على أساس الانتماء المذهبي. علماً أنّ الاحصاءات التي تحدد نسبة مشاهدة كل محطة، تجريها شركة «ستات ابسوس» على أساس أجهزة تُثبَّت داخل منازل عينة من أكثر من 600 لبناني. ويجري تبديل هذه المنازل دورياً. وبناءً على هذه الاحصاءات، تُحدَّد نسبة الاعلانات التي تحصل عليها كل محطة. لكنّ بعضاً في الوسط الإعلامي والإعلاني يتداول شائعة مفادها أنّ إحصاءات الشركة لا تشمل المناطق الشيعية، بدعوى أنّ القاطنين في مناطق تابعة لنفوذ «حزب الله»، يرفضون تركيب أجهزة داخل منازلهم. الاحصاءات إذاً تشمل كل اللبنانيين ما عدا «الشيعة». وفي «البيئة الشيعية»، تتفوق «الجديد» على ما عداها.
إذاً، أراد الضاهر اقتحام هذه البيئة التي صار يُنظر إليها كقوة شرائية كبرى، منذ أن فقد «المسيحيون» مركزية رأس المال. أعجب الشيخ بيارو بفوضى «نيو. تي. في»، ورأى أنّ مراسلين شيعة قادرون على إيصاله إلى قلوب أبناء جلدتهم المذهبية. تعمّد مقابلة صحافيين من تلك الطائفة، ومن قوى 8 آذار، عارضاً عليهم العمل في الأخبار في LBCI. كان له بعض ما أراد: تلقف بعض الزملاء عرضه، فيما رفض آخرون كنوال بري ومالك الشريف من «الجديد» (وعدد من الزملاء في «الأخبار»).
إضافة إلى كل هذه العوامل، انخرط الضاهر في الـ«نيو ميديا» من خلال خدمة الخبر العاجل والنقل المباشر. لكن كل ما قام به الضاهر خلال الأشهر الماضية، لم يُترجم جدياً في إحصاءات «ستات ابسوس». إذ إنّ «الجديد» لا تزال متفوقة عليه في نشرتها الاخبارية من دون الأخذ في الاعتبار الشائعة التي تقول إنّ «الجمهور الشيعي» غير مشمول بدقة في تلك الاحصاءات. وعند هذا الجمهور، لا يمكن منافسة «مقدمة مريم البسام»!
..
.
إحصاءات نسبة مشاهدة النشرات المسائية
بحسب إحصاءات "ستات ابسوس"، هذا ما سجّلته نسب مشاهدة كل من القنوات اللبنانية الخمس من 20 تموز(يوليو) حتى 17 آب (أغسطس) لنشرة الأخبار المسائية:
■ "الجديد": 4،99 (فوق سن الـ 15)، 6،07 (بيروت)، 4،55 (البقاع)، 3،37 (جبل لبنان)، 6،62(الجنوب)، 5،10 (شمال لبنان)
■ " المؤسسة اللبنانية للإرسال":4،91(فوق سن الـ 15)، 6،81 (بيروت)، 3،97 (البقاع)، 4،50 (جبل لبنان)، 2،44 (الجنوب)، 3،76 (الشمال)
■ " أم. تي . في" : 2،77(فوق سن الـ 15)، 3،31 (بيروت)، 2،32 (البقاع)، 2،96 (جبل لبنان)، 1،19 (الجنوب)، 2،02 (الشمال)
■ "المستقبل": 1،98(فوق سن الـ 15)، 3،75 (بيروت)، 1،89 (البقاع)،0،67 (جبل لبنان)، 1،32 (الجنوب)، 3،51 (الشمال)
■ "أو. تي. في": 1،78 (فوق سن الـ 15)، 1،68 (بيروت)، 0،90(البقاع)، 1،94 (جبل لبنان)، 0،84 (الجنوب)، 1،34 (الشمال).
..
.
سيّد أدما عينه على «التورتة»
موسى أحمد
ما الذي يجمع «الجديد» و LBCI؟ منذ أشهر فقط، كنّا سنقول لا شيء... إلى أن قرّر رئيس مجلس ادارة «المؤسسة اللبنانية للإرسال» بيار الضاهر أن يأتي بـ «وصفة» مريم البسام إلى أدما (بغض النظر عن الاختلافات بين المقدمتين): مقدمة نشرة مسائية نارية، ومراسلون شباب يفتحون جمهور LBCI المتمترس في خندق طائفي واحد، على رحاب العالم العربي من خلال تقارير إخبارية، إضافة طبعاً إلى ملاحقة قضايا الناس والمواطن في لبنان... كانت البداية مع فريق مراسلين جدد على رأسهم مسؤولهم خالد صاغية الذي انضم إلى المحطة منذ حوالي سنة.
ومهما كان، فهذه النتيجة تصبّ في مصلحة المواطن وحقوقه وقضاياه، رغم أنّه لا يخفى على أحد أنّ الضاهر يسعى إلى الخروج من عنق الزجاجة، وإلى استعادة دور محطته الريادي، وبالتالي الاستحواذ على كعكة الإعلانات. بعد الخضة التي شهدتها أورقة أدما منذ اعلان الوليد بن طلال فك شراكته مع الضاهر و«مجزرة» صرف الموظفين، وخروج جورج غانم من القناة واستمرار النزاع القضائي على المحطة الأرضية، عمل الضاهر على امتصاص الصدمة وإعادة توجيه بوصلته، باحثاً عن «الوصفة السحرية» التي تحقّق له المعادلة الصعبة في بلد الطوائف والعشائر والانقسامات الحادة: كيف السبيل إلى استقطاب قاعدة أوسع من المشاهدين؟ كانت القناة «الرمادية» كما يصفها البعض، تعلم أنّه ليس هناك من غريم حقيقي الا «الجديد». دخلت «المؤسسة اللبنانية للإرسال» أرضاً غريبة في وقت كانت النشرة الإخبارية لـ «الجديد» قد احتلت الصدارة خلال السنوات السبع الأخيرة. ثم حلّت في قلب جمهور المقاومة تحديداً بعد السياسة المهنية التي انتهجتها في مقاربة أحداث الفتنة بعد 2005، ثم تغطيتها لعدوان تموز
وبعده.
مثّلت «الجديد» البديل عن الاعلام الرسمي أو الحزبي الذي يتصف بالأناة والبطء وانتقاء الخبر والعبارة بما يتناسب مع سياسة الجهة الناطق باسمها. والأهم أنّها بدت خارجة من رحم الشارع بدءاً من المسائل التي تضيء عليها وصولاً إلى تركيبة مراسليها وشخصياتهم. لقد تمرّست هذه المحطة في الاقتراب من المواطن، ومثلت منبراً وفياً يعكس نبض الشارع بما تيسّر من مهنية، فكان وفياً لها. أما LBCI، فبنت عزّها وعرشها كذراع إعلامية لـ «القوات اللبنانية» في الحرب، وإذا ببيار الضاهر ينقل «البندقية» ويقرّر تشريعها على أفق أوسع ذي «نكهة» يسارية. انطلاقاً من هذه الخلفيات، تبدو مغامرته غير محسوبة.
التنافس الشرس بين المحطتين لمسه المشاهد خلال الأشهر الماضية، وخصوصاً في قضية المخطوفين اللبنانيين الـ 11. في ظل المنافسة التي تواجهها LBCI من mtv التي سرقت منها اليمين المسيحي، حاولت قناة الضاهر البحث عن جمهور أكبر... فوجدت ضالتها في جمهور الضاحية، وخصوصاً الشيعي المعني المباشر بقضية المخطوفين. بعد مدة من المنافسة الميدانية بينهما من خلال سياسة الهواء المفتوح التي كان من نتائجها تقاسم أهالي المخطوفين بين القناتين، تحزبت حملة «بدر» لـ «أل. بي. سي»، حملة «الصدر» لـ«الجديد». سجّلت LBCI الهدف الأول عبر تقرير مفاجئ أُعد من تركيا، وكشف هوية الخاطفين بوصفهم من «الجيش السوري الحرّ». هنا، انتفضت «الجديد» لتكذّب الخبر، واستضافت الاشخاص أنفسهم، وبقيت الشكوك تدور حول كيفية ترتيب اللقاء السريع إلى أن سطع نجم أبو ابراهيم، وتحوّلت اعزاز محجّة المحطتين. عمليّة الكرّ والفر، كان ضحيتها أفراد عائلات المخطوفين الذين كانوا يسمعون الشيء ونقيضه في اليوم نفسه، وصارت القضية همّ «ال. بي. سي» اليومي، فلم تغب عن مقدمات نشراتها حتى لو لم يكن هناك من تطوّرات. أما «الجديد»، فتابعت الموضوع كرد على اقتحام «ال بي سي» لميدانها وجمهورها. كان السباق معها على الخبر والمعلومة، الى أن تعّرضت لنكسة، حين نجحت LBCI في تسجيل مقابلة مع المخطوفين وزيارتهم، فبادرت «الجديد» الى فكرة أكثر «ابتكاراً» استلهمتها من تلفزيون الواقع، وأخذت بعض عوائل المخطوفين الى اعزاز، ولحقت بهم «ال. بي. سي». سباق كانت آخر فصوله مأساوية مع قصف اعزاز وشائعة مقتل المخطوفين الـ 11 التي سقط في فخّها الاعلام اللبناني. منافسة إعلامية تستبطن في ثناياها جشعاً اعلانياً في الدرجة الأولى، دفع «ال. بي. سي» الى إطلاق قناة «دراما» الحمراء، ليسهل عليها متابعة سياسة الهواء المفتوح الذي يزيد نسبة المشاهدة.
مع ذلك، لم يحسم ذلك النتيجة لمصلحة LBCI. مزاج الشارع ما زال يميل إلى «الجديد». ما زالت الأخيرة متقدمة بأقل من نقطتين على غريمتها، لكنّ الفارق الضئيل بين القناتين، يبشر بمنافسة لن تنتهي قريباً، ولا يبقى للجمهور سوى الصلاة بأن لا يكون الضحية مجدداً، عسى أن تنحصر هذه المنافسة في خدمته وخدمة قضاياه في الدرجة الأولى، ولو كانت الأهداف... تجارية!
..
.
تجديد الرخص في مستنقع المحسوبيات
ميلانا المرّ
إنها سنة تجديد الامتيازات المعطاة للوسائل الإعلامية المرئية والمسموعة في لبنان. عام شهد أسوأ تغطية إعلامية لجهة الأحداث السورية وتأثّر لبنان بها، أو لجهة تغطية الساحة الداخلية والاشتباكات التي شهدناها أخيراً. مخالفات كثيرة أضيفت إلى رصيد القنوات اللبنانية... فهل يؤخذ ذلك في الاعتبار أم أنّ المحسوبيات الطائفية والسياسية تغلب كالعادة في معادلة التجديد؟
خلال الأشهر المقبلة، تصدر التوصية التي يجب أن يتقدم بها «المجلس الوطني للإعلام» إلى الحكومة للبتّ في قضية التجديد. في أدراج المجلس، بدأت الملفات تأخذ مكانها. التلفزيونات قدمت أوراقها غير المكتملة، ما حتّم تمديد المهلة الأساسية. شهر إضافي يوجب على المعنيين إكمال ملفاتهم. بعد التجميع وإقفال الملفات، يبدأ المجلس بتشكيل لجان خاصة لدرس كل ملف على حدة. يشرح رئيس «المجلس» عبد الهادي محفوظ أنّ «القانون يشدد على منح التراخيص أو تجديدها من دون أي حسابات طائفية أو سياسية لأنّه يشترط أن تكون الملكية الفردية للشخص الطبيعي أو المعنوي في أي قناة، لا تتجاوز 10%» وفق ما ينصّ عليه القانون.
لكن غاب عن محفوظ أنّ التوزيع الأولي لهذه الامتيازات، خصوصاً التلفزيونات أُعطي للجهات السياسية التي تمثّل الطوائف التي تنتمي إليها، ولا تزال هذه المحطات تبث على هذا الأساس، ما أسهم في تطييف الإعلام اللبناني. يستدرك محفوظ بأنّ «التراخيص أعطيت سابقاً مع مراعاة للاعتبارات السياسية والطائفية. لكن في السنوات الماضية، ألغى المجلس هذه المحسوبيات والدليل على ذلك قنوات كـ Otv و«الجديد».
خلال دراسة ملفات القنوات، سيلجأ المجلس إلى تقسيم المخالفات بين «جوهرية» و«بسيطة»، واستمرار المخالفة أو الاعتذار عنها. لا يخفي محفوظ رغبته في التجديد لجميع الوسائل الإعلامية، فهو يصر على كونه مع الحرية لكنه يتمنى على هذه المؤسسات اعتماد أساليب أخرى لجذب الجمهور، في إشارة إلى تغطية LBCI و«الجديد» لملف المخطوفين اللبنانيين الـ11 في سوريا.
على أي حال، البت في الموضوع لا يعود إلى المجلس الذي تقتصر مهمته على إجراء دراسة تقييمية لأداء وسائل الإعلام، ورفعها إلى مجلس الوزراء. ولأن الجهة المعنية هي وزارة الإعلام، فقد كان لـ«الأخبار» حديث مع الوزير وليد الداعوق الذي قال إنّ «الحكومة ستنظر في الدراسة، وسيشكّل أداء الوسائل الإعلامية الشرط الأساسي لعملية التجديد». لكنّ بعض الإعلاميين يستغربون أن تخضع المؤسسات الإعلامية لتقييم من مجلس منتهي الصلاحية منذ أكثر من عشر سنوات. لا يشغل وليد عبود باله في ملف تجديد الامتيازات. يرى الإعلامي اللبناني أنّ الموضوع لن يُفتح في ظل الوضع القائم: «من مصلحة الطرفين الأساسيين في البلد التأجيل بهدف تبيان التوازن السياسي الجديد الذي سيحكم المنطقة في المرحلة القادمة». ويتابع أنّ «المشهد الإعلامي الحالي ليس صحياً، ويُفترض وضع دفتر شروط جديدة تحاسب على أساسه الوسائل بغض النظر عن انتمائها». فيما يذهب الإعلامي طانيوس دعيبس إلى أنّ «شروطاً كثيرة يحويها قانون الإعلام المرئي والمسموع لا يتم احترامها في البث اليومي لقنواتنا ولا تقتصر المخالفات على الأسابيع الماضية».
إذاً، كالعادة ستنال الوسائل الإعلامية المرئية والمسموعة التجديد المطلوب من دون أي شروط فعلية لأنّ التوازنات السياسية في البلد تفرض ذلك!
..
.
عن «موضة» بدأت مع رياض قبيسي
زينب حاوي
لم تمضِ ساعات على ما اشتهر على تسميته «جمهورية العار» (مقدمة نشرة 31/7/2011)، حتى ضجّ أهل الإعلام بالنقلة النوعية لـ LBCI على صعيد الخطاب والأدبيات التي انتقلت من بانورامية شاملة تحدّد أجندة ترتيبها للأخبار وفقاً لسياستها التحريرية إلى أخرى محددة مباشرة في «التصويب» على الجهة المعنية.
سرعان ما قورنت هذه النقلة بأسلوب «الجديد» التي تتكئ على خطاب هو أقرب إلى مقال رأي متلفز يسمّي الأمور بأسمائها. هذا في مقدمة النشرة، فماذا عن التقارير الإخبارية؟ هل سينسحب نَفَس «الجديد» على «ال. بي. سي» دقائق قليلة، كثافة في الصورة والموسيقى المصاحبة، مع تقديم المعلومة بأسلوب سلس أقرب إلى الشعبوية درءاً لملل المشاهد. تلك هي «مكونات» التقارير الإخبارية التي تبث على «الجديد» التي كان رياض قبيسي أول من باشر في تنفيذها واقترنت باسمه ودمغت المحطة بطبيعة الحال. يرفض قبيسي التحدث عن تجربة أو «موضة» أنشأها في هذا الخصوص. جلّ ما قام به هو نقل الأسلوب الأجنبي في التقرير التلفزيوني بصيغة «ملبننة» إلى محطة محلية، مستشهداً بتجربة الصحافي المصري يسري فودة الذي اشتهر بهذا الأسلوب الذي يعتمد على تضمين تقاريره حبكةً دراميةً حيث تطغى لغة الصورة على ما عداها. بذلك، تصبح العلاقة بالجمهور أقوى تكسر كل الحواجز بينه وبين المراسل المتمثلة في الشكل (اعتماد ثياب بسيطة) وفي لغة الخطاب. ينتقد قبيسي تقارير القنوات الأخرى الأقرب إلى الصحافة المكتوبة. برأيه، يذهب بعضهم إلى وصف الصورة، بينما يعمل عليها. وفي ما خص النقد الذي يوجّه إليه في تغليب الصورة على المضمون، يلفت إلى أنه قدّم جزءين عن المثلية «لم يسبق لأحد أن قارب الموضوع بالطريقة التي نفذتها»، داحضاً ما يقال عن «الاستعراض البصري» في تقاريره. وحين تسأله عن المنافسة «المستجدّة» مع القنوات الأخرى، يجيب: «ما رح يلحقونا!». في القناة عينها، عندما يذكر اسم رامي الأمين، سرعان ما تتبادر إلى ذهن المشاهد تجربة قبيسي. يفتخر الأمين بهذه المقارنة، مع تطويع أمور أخرى بأسلوبه الخاص الذي اشتهر به، لناحية السخرية في اللغة والتقديم. وعن إمكان تعميم الأسلوب المتبع في إعداد التقارير وتقديمها على باقي المحطات، يربط الأمين ذلك بمدى تقبّل إدارة التحرير في المحطة لهذه النوعية من التقارير وإعطائها الثقة والوقت اللازم لمراسليها بهدف إنجازها وقدرة المراسل نفسه على التدخل في التقرير من إعداد وتصوير وتوليف كي يضمن وصول الرسالة المتوخاة كما يريدها إلى الجمهور.
..
.
الأمّة تحترق... ومُشعل الفتيل مجهول باقي الهوية
بينما انشغلت الشاشات اللبنانية أمس بالبابا، كانت صورة أشدّ تعبيراً تأتي من الشمال. حرق KFC كان مرآة لـ «جمعة الغضب» التي عمّت الشارع العربي... أما مخرج «براءة المسلمين»، فقليلة المعلومات عنه!
محمد الخولي, أمل الأندري
لم تتوجّه كاميرات القنوات اللبنانية أمس إلى الشمال، كأنّها أبرمت اتفاقاً ضمنياً في ما بينها على عدم منح حرق الـ KFC في طرابلس أهميةً أو جعله يشوّش على الزيارة البابوية. صورة واحدة احتلّت الشاشات اللبنانية، محتفية بأول وطأة قدم للبابا بنديكتوس السادس عشر على أرض المفارقات المذهلة. ليس بعيداً عن مطار بيروت، كانت هناك صورة أخرى أشد تكثيفاً وتعبيراً، تختصر مشهد الشارع العربي من تونس والمغرب ومصر إلى لبنان وفلسطين بل قل الهند وباكستان: إنّها صورة مبنى KFC الذي أشعله الغاضبون احتجاحاً على فيلم «براءة المسلمين».
لعلّها «نكتة» العصر ــ أو مأساته؟ ــ أن تخرج تقارير أمس تشكّ في وجود الفيلم من الأساس خصوصاً بالنظر إلى رداءة التصوير والمونتاج وغيرها من العوامل التي شكّكت في وجود شريط متكامل! المؤكد أنّ هذا العمل الذي انتشرت منه 14 دقيقة على يوتيوب بثلاث نسخات (واحدة مدبلجة، وأخرى بعنوان «تريلر فيلم محمد»، وثالثة «حياة محمد الحقيقية) عمل غرائزي هدف إلى إشعال الغرائز و... نجح! على طريقة الأفلام البوليسية، انشغلت وسائل الإعلام الغربية وخصوصاً الأميركية في اقتفاء هوية مخرج الفيلم المدعو سام باسيل (الأخبار 13/9/2012). بعدما خرج بعض الممثلين ليعلنوا في بيان لـ«سي أن أن» أن المخرج خدعهم، إذ كانوا يصوّرون فيلماً آخر بعنوان «محارب الصحراء» لا يتعلّق بالرسول، لكنّ باسيل غيّره بالكامل عبر عملية مونتاج، بدأت وسائل الإعلام تفتّش عن باسيل نفسه. تولّت «اسوشييتد برس» القضية لتفضي تحقيقاتها إلى رجل يدعى نقولا باسيلي نقولا ادعى أنّه مدير الشركة التي أنتجت الفيلم وليس المخرج. إلا أنّ تتبع الوكالة لهاتف المخرج الخلوي، والذي عرّف عن نفسه بأنّه سام باسيل، أوصلها إلى عنوان نقولا في لوس أنجليس! عادت الوكالة إلى وثائق في المحكمة الاتحادية لتكتشف أنّ نقولا ذو سجل طويل في الاحتيال المالي، سُجن 21 شهراً و«استعمل أسماء مستعارة منها نيكولا باسيلي، وإروين سلامة». وجاءت الشرطة القضائية الأميركية لتؤكد أنّ نقولا هو كاتب ومخرج «براءة المسلمين» وفق ما نقلت الـ«تايم» أول من أمس. إذاً، باسيل اسم مستعار وأُنجز الفيلم بميزانية متواضعة وليس خمسة ملايين دولار. لكنّ السؤال لا يزال قائماً: ما علاقة أقباط المهجر بالشريط؟ المؤكد أنّ الربط بين الفيلم «المسيء للإسلام» وبين مجموعة من المسيحيين المصريين المقيمين في الولايات المتحدة هو وجود اسم المحامي المصري موريس صادق الذي تولّى مهمة الترويج للفيلم ووضعه على مدونته، ويرتبط بصداقة مع القس الأصولي تيري جونز. حاولت «الأخبار» التوصل إلى معلومات عن نقولا باسيلي نقولا في القاهرة، إلا أن كلّ من سألتهم أكدوا عدم معرفتهم بهذا الاسم. لكنّ المصادر ذاتها، من بينها أسقف في الكنيسة المصرية، فضّل عدم ذكر اسمه قال إنّ موريس هاجر مع أسرته إلى الولايات المتحدة في الستينيات، واستقر هناك. وأكدت مصادر قبطية أخرى أنّ موريس شخص يسعى دوماً إلى التحريض على المسلمين. وكان حكم قضائي قد صدر العام الماضي يقضي بإسقاط الجنسية المصرية عن موريس إثر دعوى أقامها عدد من المحامين، اتهموه فيها بالخيانة العظمى، نظراً إلى مطالبته «بفرض الوصاية على مصر ودعوة إسرائيل وأميركا للتدخل في شؤون مصر، وإثارة الفتنة الطائفية». وقد شطبت نقابة المحامين أول من أمس اسم موريس من جدول أعضائها.