جورجيت قضت بصمت
وحدها الشهيدة جورجيت سركيسيان قضت بصمت. لم تمش حشود في وداعها الى مثواها الأخير، ولم يهدّد أحد بالانتقام لدمها المهدور في شارع الأشرفية. غابت قوى 8 و14 آذار عن تشييعها، وهي أصلاً لا تعرف عن جورجيت شيئاً... ولم تكلف نفسها عناء السؤال. الطاشناق خارج السمع أيضاً. لن تسقط الحكومة من أجلها. فموتها لا يقدّم أو يؤخر شيئاً، وسط الحدث المحلي والدولي الضخم. ليست جورجيت ذات شأن.
لا هي مسؤول رفيع في الدولة اللبنانية، ولا هي ابنة نائب أو وزير. هي والدة فقيرة في الثانية والأربعين من عمرها، تعدّ وتقدّم القهوة في بنك بيمو. شاءت الصدفة المشؤومة والقاتل المشؤوم أن ينهار حائط المنزل فوقها، لانها استغلت فرصة الظهيرة لاستراق الحديث مع إبنتها تيريز، فباغتهما الانفجار الكبير في شارع إبراهيم المنذر، المجاور للبنك في الأشرفية. لم تكمل جورجيت وتيريز حديثهما، فالإبنة أصيبت بجروح في وجهها وكتفها، عولجت منها، وجروح في القلب، قد لا تتعافى منها، بعد وفاة والدتها المكافحة أمام عينيها، بعدما نزفت كثيراً في مستشفى رزق. جورجيت، الام لولدين، غدرها الحائط الذي اتكأت عليه لترتاح من تعب النهار، وكانت على موعد مع عبوة ساخنة أعدّها المجرمون للبنانيين أجمعين. البارحة شُيّعت جورجيت في قرية بقعتوتة الكسروانية بهدوء لم يعكّره صخب العاصمة. تلهّت جميع الوسائل الاعلامية (و«الأخبار» ضمناً) بالتشييع السياسي، متناسية أن شهيدة ثالثة تنتظر من ينصفها، على الأقل في مماتها، وهي التي لم يلتفت إليها أحد في عذاباتها اليومية.