الموت السريريّ للدفاع العربي المشترك
كلّما تعرّضت إحدى الدول الأعضاء في الجامعة العربية لعدوان خارجي كالذي شنّته إسرائيل على لبنان صيف العام الفائت، اتّجهت الأنظار إلى دار المحفوظات حيث تقبع نسخة من معاهدة الدفاع العربي المشترك، ويجري التساؤل: لماذا لا تُنفذ
المعاهدة.
ومثلت هذه الحرب فرصة أخرى لكي تدخل الأوساط السياسية والدبلوماسية في جدل كلاسيكي حول شروط تنفيذ المعاهدة والأطر المحيطة بها.
في خضم الحرب، دعا الرئيس اليمني علي عبد الله صالح إلى عقد قمة عربية طارئة، وطالب بتفعيل معاهدة الدفاع العربي المشترك لمواجهة الاعتداءات الإسرائيلية على فلسطين ولبنان. وقال صالح: «لو فعّلنا اتفاقية الدفاع العربي المشترك ودور الجامعة العربية، لما غامرت إسرائيل في تحدّي هذه القرارات وتحدّي أيضاً الدول العربية التي لها علاقات معها».
في المقابل، كان انفعال الرئيس المصري حسني مبارك واضحاً وهو يقول للصحافيين بعد نحو أسبوعين على بدء الحرب في معرض ردّه على سؤال عن إمكان تطبيق هذه المعاهدة على خلفية العدوان الإسرائيلي: «اللي بيقولوا اتفاقية الدفاع العربية المشتركة يروحوا يقروا الاتفاقية... لو قرو الاتفاقية هيلاقو إن فيه حاجة اسمها مشاورات ومداولات ولازم وزراء الخارجية يجتمعوا... الاتفاقية دي مش لعبة!».
كلام الرئيس مبارك عن المعاهدة التي يرجع تاريخها إلى 56 سنة ماضية، بدا متصادماً ومتناقضاً مع تنفيذه سابقاً لبنود المعاهدة عندما تعرّضت الكويت لغزو من جيش الرئيس العراقي الراحل صدام حسين عام 1991.
يومها قال مبارك: «وعلى رغم أن لدي معاهدة مصدّقاً عليها من البرلمان وهي اتفاقية الدفاع العربي المشترك، إلا أنني حرصت قبل إرسال قوات أن أرسل لإخطار البرلمان أنني طبقاً لكذا وكذا، عليّ التزام بإرسال قوات للمساعدة في تحرير الكويت كدولة عربية، فوافق البرلمان».
في الحالة الكويتية، نُفّذت المعاهدة وشاركت قوات مصرية في إخراج القوات العراقية من الكويت، بل دفعت مصر ثمناً باهظاً استراتيجياً وبشرياً بسبب هذه المشاركة. لكن في الحالة اللبنانية، فإنّ الموقف مختلف والحسابات تبدو معقدة أمام
الرئيس.
وقّع معاهدة الدفاع العربي المشترك في مدينة الإسكندرية بتاريخ 17 حزيران 1950 رئيس الوزراء المصري السابق مصطفى النحاس باشا ووزير الخارجية الراحل الدكتور محمد صلاح الدين بك مع ممثّلي ست دول عربية أخرى (اليمن والسعودية والعراق وسوريا والعراق والأردن). وتنص المادة الثالثة من هذه المعاهدة على أن تتشاور الدول المتعاقدة في ما بينها، بناء على طلب إحداها كلّما هدّدت سلامة أراضي أية واحدة منها أو استقلالها أو أمنها. وفي حالة خطر حرب داهم أو قيام حالة دولية مفاجئة يخشى خطرها، تبادر الدول المتعاقدة على الفور إلى توحيد خططها ومساعيها في اتخاذ التدابير الوقائية والدفاعية التي يقتضيها
الموقف.
وهكذا فالنص واضح ولا لبس فيه، وهو يدعو إلى أن تبادر الدول المتعاقدة فوراً إلى توحيد خططها في اتخاذ التدابير الوقائية والدفاعية التي يقتضيها الموقف.
وتقول المادة الرابعة من المعاهدة عينها إنه «رغبة في تنفيذ الالتزامات السالفة الذكر على أكمل وجه، تتعاون الدول المتعاقدة في ما بينها لدعم مقوماتها العسكرية وتعزيزها، وتشترك، بحسب مواردها وحاجاتها، في تهيئة وسائلها الدفاعية الخاصة والجماعية لمقاومة أي اعتداء مسلح».
لم يترك البعض المناسبة تمر من دون تسجيل موقف، مثلما فعل رئيس «حزب مصر العربي الاشتراكي» وحيد فخري الأقصري الذي رفضت محكمة جنوب القاهرة الابتدائية دعواه المقامة ضد الحكام العرب لإلزامهم بتطبيق معاهدة الدفاع العربي المشترك.
وكان الأقصري قد تقدم بالدعوى لكشف ما وصفه بتخاذل الحكام العرب في التعامل مع قضايا الأمة المصيرية، وفي تطبيق معاهدة الدفاع العربي المشترك لمساندة لبنان وفلسطين وتنفيذ كل المعاهدات والمواثيق والقرارات الصادرة عنهم منذ تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945 حتى الآن. واتهم الحكام العرب بالتقاعس عن تقديم المساعدة للشعبين المحاصرين ووقوفهم مكتوفي الأيدي إزاء تعرّضهما للعدوان مخالفين بذلك نصوصاً ومواثيق دولية سبق أن وقّعوا عليها.
واستند الأقصري في دعواه إلى ميثاق الجامعة العربية ومواثيق إقليمية أبرمها الحكام العرب تنص على التضامن والوحدة العربية، وما ينص عليه القانون الدولي من «وجوب الالتزام بالمعاهدات والمواثيق والمعاهدات العربية التي أصبحت قوانين وطنية يتحتم العمل بها داخل البلاد العربية».
وكان عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين في مجلس الشعب المصري النائب علي أحمد لبن قد تقدم بسؤالٍ عاجلٍ إلى الدكتور أحمد نظيف رئيس الحكومة ورئيس المجلس الأعلى للشباب، بخصوص ما نُشِرَ من مغالطات منسوبة إلى رئيس المجلس الأعلى للشباب الدكتور صفي الدين خربوش، في صحيفة محلية بعنوان «خربوش لا يوجد ما يلزم مصر بالدفاع عن دول عربية عسكريّاً»،
وأشار لبن إلى المغالطات المنسوبة إلى خربوش، ومنها أن دور الجيش المصري مقتصر على الدفاع عن الأمن القومي المصري ومواجهة التهديد الداخلي والخارجي.
وأكد لبن أن اتفاقية الدفاع العربي المشترك قد استخدمت لمعاونة الأميركيين في ردِّ اعتداء صدام حسين على الكويت، لذلك من حق اللبنانيين والفلسطينيين بقطاع غزة والضفة الغربية وغيرها بأن يستخدموا هذه الاتفاقية في طرد الصهاينة من أراضيهم.
وقال لبن إن المسؤول المصري نسي أنّ هناك أراضي مصريةً لم تتحرّر بعد من الصهاينة مثل أم الرشراش وغيرها، وأنه لا بد من تفعيل المعاهدة من أجل التحرير، مؤكداً أن خربوش نسي أيضاً أن المقاومة الشعبية المصرية كان لها دورٌ مهمٌّ في حرب فلسطين عام 1948، وفي تحرير القنال من المحتل عام 1951، وأنه قد آن الأوان اليوم لهذه المقاومة الباسلة أن تؤدِّيَ دورها في استرداد أرضنا السليبة في أم الرشراش وقطاع غزة وغيرهما، ما يخفف العبءَ عن المقاومتَيْن اللبنانية والفلسطينية.