وقائع اللقاء العاصف بين السنيورة ومعاون نصر الله في عين التينة
كان الرئيس نبيه بري قد أبلغ الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله أنّه ضاق ذرعاً بالتفاوض مع الرئيس فؤاد السنيورة، وأصرّ على أن يتولّى الحزب التفاوض مع الأخير مباشرة. لم يكن نصر الله ليقبل بهذه الصيغة، وأرسل مع معاونه السياسي الحاج حسين الخليل يطلب من الرئيس بري متابعة المهمة، لكن رئيس المجلس أصرّ، فقرّر حينها نصر الله إيفاد معاونه السياسي الحاج حسين الخليل للقاء السنيورة شرط أن يتم بحضور بري. قبل الأخير بالأمر، وجرى الإعداد للاجتماع من دون معرفة أحد، بما في ذلك السنيورة نفسه.
يصل الخليل إلى عين التينة مستعداً للحوار مع السنيورة. تولّى بري الاتصال ودعاه الى تناول القهوة والتباحث. خلال عشر دقائق، وصل السنيورة برفقة مستشاره الدبلوماسي والسياسي محمد شطح. كان بري يجلس مع الخليل وحده في مكتبه. وهو كان لا يريد لأحد أن يدخل، حتى إنّه أقفل الباب من الداخل. ولدى وصول رئيس الحكومة الى قصر الرئاسة الثانية، اتّصل النائب سعد الحريري ببرّي من الخارج وفاوضه على أهمية الفصل السابع. لم يقدر مساعدو رئيس المجلس حتى إبلاغه عبر الهاتف بأنّ السنيورة قد وصل. اقترب الأخير من الباب وتولّى مرافق بري الطرق عليه. كان بري لا يزال في محادثته الهاتفية. فطلب من الخليل: لو سمحت، لا أريد قطع المكالمة، الرجاء فتح الباب.
يقوم الخليل ويفتح الباب بطريقة تبقيه خلفه. دخل السنيورة وشطح، فأغلق الخليل الباب وأمسك بالسنيورة من كتفه، فجفل السنيورة وصرخ: أنت هنا؟
بعد سلامات وقليل من العبوس، قبل بري أن يعتذر عن المكالمة وتوجّه الى السنيورة قائلاً: هذا الرجل هنا، وقد أرسله السيّد، فما هو المطلوب منهم؟
ردّ السنيورة: نريد التكلّم في موضوع السلاح وموضوع القوات الدولية.
فقال بري: ماذا؟
فأجاب السنيورة: سوف يقوم الجيش بالانتشار جنوبي نهر الليطاني، وتقوم المقاومة بتسليم كامل سلاحها وعتادها هناك إليه. ثم تنتشر القوات الدولية بعد تعزيزها بقوات إضافية وتعطى المزيد من الصلاحيات، وعلى حزب الله القيام بعملية إخلاء كاملة، وتقديم خريطة للجيش بأماكن انتشار السلاح والمخازن، وبالتالي ننتهي من هذه المسألة ويكفي البلاد ما لحق بها من خراب ودمار.
يصمت بري، ويتولى الخليل سؤال السنيورة: ما هذا الذي تطلبه، هل تعرف ان نزع السلاح هو ما يطالب به أولمرت. هل وصلت الأمور معكم الى هذه الدرجة. هذا الأمر لن يحصل، وقساوة الحرب وكل ما حصل لن يمنعنا من ان نتابع المعركة حتى النهاية. ما هو ممكن فقط، هو انتشار الجيش ولا مانع من تعزيز القوات الدولية، لكن وفق الفصل السادس، ونريد أن نعلم عن العديد الإضافي والدول التي ستشارك... ومن جانبنا لن يكون هناك أي مظاهر عسكرية أو مسلحة.
السنيورة: أعلم ان تسليم سلاحكم أمر يحرجكم أمام جمهوركم، ولديّ اقتراح بحل مشرف. لماذا لا تضعون الأسلحة في مخازن محددة ويأخذها الجيش اللبناني، وبالتالي يظهر وكأن الجيش صادر أسلحة المقاومة، ولستم أنتم من سلّمها.
فأجابه الخليل: يبدو أنني مضطر إلى الإيضاح لمرة أخيرة بأنّ سلاح المقاومة لن يمس بأي شكل.
بعدما ارتفع الصوت وبدا الجو ثقيلاً، تدخّل بري متوجهاً بالكلام الى الحاج الخليل: طيّب، لماذا لا تتركون النقاط الحدودية وتخرجون منها نهائياً؟
يصمت الخليل قليلاً ثم يقول: حسناً، نحن لا نمانع في هذا الأمر، على رغم ان هذه النقاط ليست مرئية من السكان ولا قريبة منهم، وهي حصراً بمواجهة المواقع الاسرائيلية، إلا أننا جاهزون لإخلائها، وعندها لن يبقى لنا أي مظهر مسلح في الجنوب.
السنيورة: هذا ليس حلاً، فهو يعني إبقاء الأمور على حالها وسيزيد علينا الضغط الدولي، واسرائيل مستعدة لمواصلة الحرب وتوسيعها.
فيعلو هنا صوت حسين الخليل: أنا لا أعرف مع من أتحدث، مع رئيس حكومة لبنان أم مع رئيس حكومة اسرائيل. أوّلاً، من أخبرك ان اسرائيل يمكنها التوسع في الحرب؟ فجيشها يصاب بنكسات يومية، والمبادرة ليست بيدها بل بيد المقاومة، ولدى قيادتها العسكرية الآن مشكلات كبيرة، وهذه المقترحات هي محاولة لتلبية مطالب إسرائيلية عجزت عن تحقيقها في
الحرب.
فيتدخل محمد شطح قائلاً: ان الوضع أصعب مما تعتقدونه أنتم، ويجب ان نتخذ قراراً الآن في موضوع انتشار الجيش وانتشار مختلف للقوات الدولية، وأي تراجع يعني بقاء الأمور كما هي، وبالتالي العودة الى الوقوع في الحرب مجدداً.
بري: لماذا تعقّدون الأمر؟ لقد تنازل الرجل عن نقاط عسكرية حساسة، وهو يبلغكم بأنه لن يرى أحد أيّ نوع من الظهور العسكري للمقاومة في كل المنطقة.
يتدخل الخليل موضحاً بطريقة حازمة: سلاح المقاومة خارج أي نوع من المساومة، وكل ما نقدر عليه هو ما قلناه بشأن المظاهر المسلحة، ونحن مع انتشار الجيش ولا نمانع تعزيز القوات الدولية، ولكن يجب ان نناقش بالتفصيل كيف يتم الأمر، وبأي صلاحيات ووفق أي نوع من الآليات. ويكون الأمر في المنطقة للجيش وحده. وليس لدينا استعداد لأي نقاش آخر.
يصمت الجميع لبعض الوقت. ويقتنع الحضور من دون كلام بأنه لا يمكن الوصول الى نتائج. فجأة يفتح باب الغرفة ويدخل مرافق بري (أبو شعيب) ويسلّمه ورقة، فيقرأها بري وتتغير ملامحه ويبدأ بالصراخ: من فعل ذلك؟ ومن الذي تحدّث في الأمر؟ من هو ابن الكلب الذي قام بذلك؟
يلتفت إليه الحاضرون ويسأله السنيورة: خيراً، ما الذي حصل؟ فيرد بري: قناة «العربية» تذيع الآن خبراً عن اجتماعنا هنا وتسمي الحضور. فجأة، تتغيّر سحنة السنيورة ومستشاره. يبتسم حسين الخليل ويقف قائلاً: ما دام اجتماعنا قد انتهى، والمشكلة في وجودي أنا على المستوى الأمني، فسوف أغادر وأستودعكم الله!
بعد رحيل الخليل، يقول بري للسنيورة: «ما قدّمته المقاومة الآن هو الحدّ الأقصى... تصرّف على هذا الأساس».