حكيـم الفقـراء: تحيـة فـي ذكـراك
«حكيم الفقراء». هكذا كانوا ينادونه في قريته، في أنصار.
فلأهالي أنصار مع عبد الناصر فياض حكايات.
هــــو الذي بقي في أنصار خلال أيام العدوان الطويلة، الطبيب الوحيد في القرية والجوار، يسعف المصــابين وينقل الشهداء إلى المستشفى، يرد بيده وحدها آلام آلة الموت الإسرائيلية. ثم، وما إن انتهى العدوان، وانتهت معه مهمته الطارئة، حتى قرر أن يترك لتعبه العنان. نام الدكتور عبد الناصر فياض يوم الخامس عشر من آب ولم يفق.
في الحرب كان وحده هناك، وحده يعالج المرضى، وحده يسعف المصابين، وحده ينقل الجثث والأشلاء.
كل ذلك إلى أن وقعت «مجزرة أنصار».
سارع عبد الناصر الى المكان المستهدف، وذلك قــبل وقوع الغارة الثانية في المحيط.
حـــاول إغاثة المصـــابين، إلا أنه كان يصرخ لهــــول مشاهد المــوت والدماء. كان يطلب النجدة.
كانت آلات التصوير التابعة لبعض الفضائيات هناك. نقلت شاشة إحداها صوره وهو يرفع الصوت، يدل على أشلاء من حوله.. رأس هنا، قدم هناك.. منفعلا لعدم وجود سيارات إسعاف، طالبا إرسال الأدوية.. يحاول العمل على وقف آلة الموت.
أسعف المصابين، نقـــل الجثث والأشــــلاء المتناثرة، بعـــدما وضعها في أكياس بلاستيكية، الى برادات «مستشفى النبطية الحكومي».
يوم الاثنين في 14 آب ,2006 بدأ العمل بوقف العمليات العسكرية. تنفس عبد الناصر الصعداء. ولكن العدوان كان قد أنهكه.
يوم الثلاثاء في 15 آب، كان من المفترض أن يفتح عبد الناصر صفحة جديدة، أن يزيل عنه رائحة الموت، أن ينزع آثار الدمار. حمل المكنسة في صبيحة ذلك اليوم ليرفع الزجاج المنثور على أرض عيادته. دقائق قليلة، ثم أصيب بدوار وتصبب عرقاً.
طلب منه جاره أن يخلد الى الراحة. نام حوالى الساعتين. وعندما حاول إيقاظه لم يستجب.
انفجر رأسه. انفجر رأسه.
لم يفرح عبد الناصر بانتهاء العدوان. قتله العدوان، بعدما قاومه هو حتى اليوم الأخير، حتى الرمق الأخير.