الخيام نسخة تجريبية · Khiyam v2
أخبار وذاكرة ومجتمع
← الأرشيف

من تذوق مرارة موت الأم؟

2013/3/18 · صباح سعدالله غريب · المقال رقم 15046
تمضي أيام من عمري وعمر الزمن وتبقى ذكرى موت أمي هاجساً مريراً يدق ناقوس حياتي ‏ إني الآن أبوح بعد أن شنق البوح صمتي , وتوالت شروخ أعماقي وأبت إلا أن تنزف دماً ‏ وإنها لذكريات ولكن لا تزال ترسباتها في أعماقي , وما كنت لأكتبها لولا الذي أيقضها فأبكاني ‏‏,, وسأبتدئ بأيامي من أولها .. لا لأنها من الأحزان جاءت بل لأنها من الأحزان انتهت فبالأمس ‏وقبل أن تنطفئ قناديل الأمل من سماء حياتي وقبل أن تحرق نار الفراق أحشائي كنت كالنحلة ‏قرب أمي لا أتذوق غير رحيقها ولا أهفو إلا إلى ضوئها أينما شع ... كنت لها أغرودة الحياة ‏وكانت لي نعمة الوجود ‏ فمن تذوق مرارة موت الأم ‏ ومن أستطعم بطعم اليتيم ‏ ومن تقاذفته أمواج الخوف وانتحرت طفولته وطمست معالمها الهموم وبات لا يعرف بحضن من ‏يختبئ ..‏ لقد ماتت أمي وتوارت تحت الثرى فبكيت فراقها وفقدت حنانها ودفء أحضانها وعذوبة مناداتها ‏فأقبلت بوجهي على الأحزان أجوب خضم الحياة القاسية صامتة يحتويني الاحتراق ويثقلني ‏الانكسار في زمن حب الذات ,,, لقد كانت أمي هي الدنيا والنعيم الذي يملأ شعوري ... كانت ‏هي ذروة كل سعادتي ..‏ فيا لهفي عليها والموت ينزعها وهي تقول : ((أبنائي وبناتي أريدكم جميعاً حولي))‏ تظن أن الموت ينزعها وهو ينزعها ‏ فيا عزاء نفسي كيف تندمل جراحات اليتيم .. لقد أحسست بأني نبذت من الوجود لأن الوجود هو ‏أمي .. أحسست بأن طفولتي ذهبت إلى عالم آخر غير الذي ألفته .. فحزنت حتى تقرّحت ‏مشاعري وتألمت حتى أشفق الألم .. لكن مشيت في الحياة خطوة خطوة ‏ وتجرعت كأس الألم قطرة قطرة ‏ ورضيت بما كتبه الله لي من شتات أحزاني في قاع أعماقي وهربت بها عن أعين البشر اجوب ‏فيافي النسيان وقفار السلوى .. فقد علمتني الحياة الشموخ عند الشدة والصمود في وجه المحن ... ‏علمتني الحياة أن لا أبوح إلا إلى قلمي ولا أستعين إلا بخالقي ......