استقالة ميقاتي تحرّر الكل طمعاً بالتسويات.. ونهاية النأي بالنفس
السؤال: لماذا الاستقالة في هذا التوقيت؟
المبرّرات التي قدمها الرئيس نجيب ميقاتي متوافرة منذ زمن بعيد.
بل ان هذه المبرّرات ذاتها كان يمكن استخدامها لتأكيد الاستعداد لتحمّل المسؤولية ومواجهة المخاطر التي يتعرض لها الوطن والمرشحة للتفاقم، ليس لأسباب محلية فحسب، بل أساساً في ظل التطورات الدموية المتفاقمة خطورة التي تتهدد سوريا بمخاطر قاسية قد تلامس وحدة دولتها.
عندما قبل ميقاتي «المهمة الفدائية» قبل سـنتين ونيف، قال «هذه أفضل وسيلة لحماية لبنان واللبنانيين».
ليل أمس، سألت «السفير» ميقاتي عن سر استقالته، فأجاب: «قبلت المهمة لأحمي بلدي وناسي.. وقد بادرت الى الاستقالة لاقتناعي بأنها خير وسيلة لحماية لبنان واللبنانيين.. والتاريخ سيحكم على صحة موقفي أو عدمه».
ولكن هل يمكن استبعاد العوامل الخارجية عن التأثير بالتعجيل في تقديم الاستقالة، التي قد يراها البعض خدمة ولو غير مباشرة للتحشيد الذي يحصل في المنطقة ربطا بالملفين السوري والايراني؟
منذ اليوم الأول لدخوله الى السرايا، تعامل ميقاتي مع الحكومة بوصفها مزيجاً مركباً يملك قرار حياتها أو موتها طرفان لا ثالث لهما: الأول هو الرئيس الأميركي باراك أوباما، ولو أنه فوّض البريطانيين بـ«المهمة اللبنانية». الثاني هو السيد حسن نصرالله.
عندما واجه قضية تمويل المحكمة الدولية، نجت الحكومة بقرار مشترك للأميركيين و«حزب الله». ويوم سقط اللواء وسام الحسن شهيداً، تكررت النجاة الميقاتية على يدي الاثنين، وكان مشهد سفراء الدول الكبرى من حول ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في القصر الجمهوري واتصال الحاج حسين الخليل (المعاون السياسي للأمين العام لـ«حزب الله») بالمعتكف في دارته البحرية الجديدة، كفيلا بكتابة «العمر الثاني» للحكومة.
أمس الأول، قال باراك أوباما كلمته وغادر القدس المحتلة: «حزب الله» منظمة إرهابية وعلى العالم كله التعامل معه على هذا الأساس. سياسيا، قرر الأميركيون حجب الثقة.
قبل أوباما، وصلت الرسالة الى ميقاتي بـ«البريد السريع» من مصدرين: الأول، وليد جنبلاط بالنيابة عن السعوديين، الثاني، الرياض مباشرة، بأن آن أوان رحيل الحكومة.. وبقاء أشرف ريفي في موقعه أهم من بقاء الحكومة.
صار السعودي ـ المشروعية، عنصراً أساسياً في المعادلة. حسبها ميقاتي جيدا. لا مخرج أفضل من قضية أشرف ريفي، ما دامت الاستقالة قد صارت أمراً واقعاً. قرر الرجل أن يتبنى قضية ضابط يجلس في متراس الخصوم ويطلق النار عليه سياسياً من طرابلس وغيرها، برغم ما وفره له وللشهيد وسام الحسن من حماية.
صار التمديد لأشرف ريفي أفضل وسيلة ابتزاز لـ«حزب الله». قالها ميقاتي بالفم الملآن: «اذا لم تقبلوا معي بالتمديد لأشرف، فسأقدم استقالتي». حسم رئيس الحكومة أمره منذ أيام قليلة، وثمة رسائل قصيرة كانت تشي بالقرار المتخذ سلفا.
حاول نبيه بري أن يفاوضه، قال له: «يا دولة الرئيس دعنا نؤجل اتخاذ القرار بخصوص أشرف لمدة أسبوع، وهذه فرصة لكي نحاول الأخذ والرد مع الآخرين وأنا مستعد للسير معك». كان جواب ميقاتي مرارا وتكرارا: «أريد الجواب اليوم (التمديد لريفي). ماذا اذا أرجأت قراري وكانت النتيجة نفسها»؟
لم يكتف بذلك، فتح خطه وتحدث أكثر من مرة مع الحاج حسين خليل وقال له في آخر اتصال: «أريد جوابا نهائيا»، فقال له: «يهديك سماحة «السيد» (نصرالله) تحياته ويقول لك اعمل ما يريحك.. لكننا لن نسير لا بقضية أشرف ولا هيئة الإشراف».
جرت العادة طيلة سنتين، أن يكون ميقاتي متساهلا ومنفتحا، خاصة عندما يكون مترددا أو أن الأمر ملتبس
عليه. مفارقة الساعات الأخيرة، أنه كان حاسماً أمره ولا تردد يشوب عباراته. أصر على الحسم وفاجأ أقرب مستشاريه، عندما بدا سعيدا ومرتاحا لحظة دخوله الى السرايا كما بعد تلاوة بيان الاستقالة، ومن التقاه في دارته ليلا من «الأصدقاء» أدرك أن ميقاتي يتصرف على قاعدة «الحمد لله.. لقد تحررنا».
والمفارقة اللافتة للانتباه أن الجرأة التي تحلى بها ميقاتي، أمس، قابلتها جرأة سياسية لقوى «8 آذار»، وتحديدا «حزب الله»، لا مثيل لها منذ لحظة ولادة هذه الحكومة، بقولها للمرة الأولى: لا حاسمة وغير قابلة للأخذ والرد.
وما ينطبق على ميقاتي و«حزب الله»، يسري على وليد جنبلاط الذي تنفس الصعداء مع استقالة الحكومة، بعدما أدى قسطه للعلى مع «حزب الله» طيلة سنتين، هما من أصعب السنوات، ربطا بالأزمة السورية المفتوحة على مصراعيها. باع جنبلاط بشراكة كاملة مع ميقاتي وميشال سليمان الاستقالة للسعوديين من دون أن يقبض منهم شيئا، وذهب أبعد من ذلك عندما جزم بعد دقائق من خروج ميقاتي من السرايا بأنه سيقدم ورفاقه في «جبهة النضال» ترشيحهم على أساس «قانون الستين».
حررت استقالة ميقاتي «قوى 14 آذار» من دون أن تقتحم السرايا ولا يسقط شهيد جديد ولا يقع حدث أمني. رفعت اعتصامها المنسي من رياض الصلح ومن أمام دارة ميقاتي الطرابلسية... وراحت تصفق لجرأة المستقيل في وسائل إعلامها.
تحرر الجميع، بعدما صارت الأسباب الموجبة للاستقالة متوافرة، من عند طرفي المعادلة نفسها: الأميركيون و«حزب الله»، وبقوة دفع سعودية، لم تلتقط بعد أسبابها الحقيقية، اللبنانية والإقليمية، بما في ذلك السعودية، ربطا بإعلان السعودية مؤخرا عن إلقاء القبض على شبكة تخريبية أحد أفرادها لبناني ينتمي الى «حزب الله»!
لكن من أين يبدأ الحديث عن تداعيات استقالة كان المعنيون جميعاً يعرفون أن نجيب ميقاتي سيقدم عليها في اللحظة المناسبة؟
العارفون يقولون إنها لم تكن مفاجئة، بل هي نتيجة تخطيط وتدبير عربي ـ دولي وإن كانت الذرائع محلية.
هناك من يذهب إلى الأبعد فيعتبر أن ثمة من هندس ورتّب بالتنسيق مع أكثر من جهة وعبر أكثر من زيارة، لتغيير قواعد اللعبة (الانقلاب المضاد)، ويمكن قراءة ذلك كله في «بيان الوداع» المتقن الصياغة و«المؤذي» في آن معا لحلفاء الأمس القريب جدا.
وفي تقدير أصحاب نظرية «الانقلاب المضاد» أن كل المناورات التي جرت في الأسابيع الأخيرة، كانت تمهيداً للخطوة الدرامية الأخيرة: إعلان الاستقالة.
وبغض النظر عن النيات والأسباب الحقيقية، وهي ستبقى مثار أخذ ورد، في الأيام المقبلة، فإن المراقبين يطرحون أسئلة كثيرة لعل أبرزها: هل يمكن أن تكون خطوة ميقاتي التي حررت الجميع وفي كل الاتجاهات، خطوة في اتجاه تأزيم الموقف داخليا، أم في اتجاه إيجاد الحلول؟
من يعتقدون بأن لبنان دخل أزمة سياسية مفتوحة، يشهرون كل ما يملكون من معطيات داخلية وخارجية وصولا للاعتقاد أن كل «الأسلحة» السياسية والأمنية والاقتصادية ستكون مباحة في المرحلة المقبلة.
في المقابل، تقول مراجع سياسية من كل الألوان ـ ذلك أنه اعتبارا من يوم أمس، انتهت معادلة الأكثرية والمعارضة في انتظار ما يقرره وليد جنبلاط بوصفه «بيضة القبان» مجددا ـ إن استقالة ميقاتي لن تنتج أزمة بل قد تفتح أبواب التسويات، وهذه المرة لن تكون مقتصرة على عنوان واحد بل سلة سياسية متكاملة تشمل القانون الانتخابي (الف باء ذلك التمديد للمجلس النيابي الحالي) والتمديد للقادة الأمنيين والتفاهم حول حكومة ما قبل الانتخابات وما بعدها وصولا الى تمديد ولاية رئيس الجمهورية وربما تجديدها!
...
..
.
وكتب ابراهيم الأمين في الأخبار:
نهاية النأي بالنفس
ابراهيم الأمين
تفاصيل كثيرة، والوقائع أكثر عن الأيام القليلة الماضية. من رحلة الرئيسين نبيه بري ونجيب ميقاتي إلى روما، إلى قناعة الرئيس ميشال سليمان بضرورة تعديل الوقائع السياسية الداخلية، وصولاً إلى الاتصالات الخاصة بجلستي الحكومة خلال اليومين الماضيين، لكن الاكيد ان استقالة الرئيس نجيب ميقاتي، تقع في صلب الأزمة السورية.
اما ما خص الجوانب الداخلية المرتبطة عضويا بما يجري في سوريا، فيمكن ملاحظة عدة أمور:
داخلياً، اتضح تعاظم الوصاية الأميركية والأوروبية ودول عربية على فريق سياسي كبير في لبنان، بما في ذلك الرئيسان سليمان وميقاتي والنائب وليد جنبلاط. وبدت هذه العواصم معنية برفض أي قانون جديد للانتخابات يطيح أكثرية فريق 14 آذار، ويهدد حجم «بيضة القبان» التي اسمها وليد جنبلاط. وبالتالي، حشدت هذه العواصم بقوة، لأجل منع حصول توافق على قانون جديد لها يناسب استراتيجيتها. وحتى الارباك الذي أصاب فريقي الكتائب و«القوات اللبنانية»، لم يكن كافياً لخوض معركة إقرار القانون الأرثوذكسي.
ومع إصرار الثلاثي سليمان، ميقاتي وجنبلاط على إقحام الرئيس بري في مناورة اسقاط الأرثوذكسي، فإن رئيس المجلس ربما يكون قد أخطأ في عدم التعجيل بإحالة اقتراح قانون اللقاء الأرثوذكسي على الهيئة العامة، لكن الثلاثي بادر من دون انتظار، إلى خوض المعركة الوقائية الهادفة الى التعامل مع قانون الستين على أنه أمر واقع. وافترض هذا الفريق، انه بالإمكان من خلال ضغوط رئيسي الجمهورية والحكومة، تحقيق هذا الهدف. ومرة جديدة يقول أركان «الثلاثي» انهم عملوا باتفاق مع رئيس المجلس، والا فلماذا وافق الأخير على عدم دعوة مجلس النواب إلى مناقشة اللقاء الأرثوذكسي، لكن فات هؤلاء ان القوى صاحبة الامر والنهي، ليست في وارد الخضوع مجددا للابتزاز.
أمر العمليات الآخر، كان متصلاً بالواقع الأمني في البلاد. لم يكتف الغرب وعرب الغرب بالعمل على تحييد الجيش اللبناني، ومنعه من القيام بدور حاسم لضبط فلتان أمني خطير، والتلويح بتقسميه وتخريبه، بل طالبوا بإبقاء مؤسسة قوى الأمن الداخلي تحت الوصاية المباشرة، ووجد هذا الفريق ان بقاء اللواء أشرف ريفي في منصبه، ضرورة ملحة، بعد اغتيال العميد وسام الحسن. ولم يترك الغربيون والعرب فرصة إلا أشاروا فيها إلى هذه النقطة. من الكلام المكرر للسفيرة الأميركية في لبنان، إلى زعم السفير السعودي حصوله على تعهد رئيسي الجمهورية والحكومة بالتمديد لريفي، وصولاً إلى قيام رئيس الحكومة الفرنسية بفتح الموضوع أمام الرئيس ميقاتي، وعلى مسمع الوفد الوزاري، قائلاً له: إن الرئيس هولاند يوصي بالتجديد لريفي.
في هذه اللحظة الداخلية، أظهر الثلاثي المتمرد اليوم، قلقاً إزاء مسار الأمور، وانطلقت وساطات بلغت حد المقايضة من أجل تمرير ملفي هيئة الإشراف على الحملة الانتخابية والتمديد لريفي. وكان ميقاتي على وجه الخصوص، يسعى إلى الحصول على وعد مباشر من رئيس المجلس. وإزاء فشله، سعى إلى الحصول، أقله، على وعد من حزب الله والتيار الوطني. وعنصر المفاجأة البارز كان في أن حزب الله رد بعبارة وصلت إلى رئيس الحكومة قبل دقائق من إذاعته بيان الاستقالة: «افعل ما تراه مناسباً!».
وإذا كان الجميع سوف يُشغل في تحليلات وروايات تتعلق بالعناصر الداخلية للأزمة، إلا أن الواقع الأكثر صعوبة، يتصل بموقع خطوة استقالة الرئيس ميقاتي، في سياق المأساة السورية. وفي هذا السياق، من المفيد ملاحظة الآتي:
ـــ مسارعة الفريق العربي والدولي المناوئ للنظام السوري إلى خطوات عملانية هدفها زيادة الضغط السياسي والميداني، من محاصرة أي مبادرة من جانب شخصيات في المعارضة، مثل عزل معاذ الخطيب، إلى مخالفة عناصر التوافق الأميركي ـــ الروسي، وتعيين رئيس حكومة انتقالية سوف تنقل لها كل مصالح سوريا في العالم، مروراً بأوسع عملية تدريب وتجهيز مع أسلحة نوعية لآلاف المقاتلين، في داخل سوريا، وفي تركيا والأردن، لأجل إعداد خطة يتولى الأتراك الحديث عنها، باعتبارها المعركة الفاصلة ضد النظام خلال الأشهر الثلاثة المقبلة.
ـــ تبيان النتائج الفعلية لزيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى فلسطين والأردن، اذ تمنى على الرئيس الفلسطيني الاكثار من الصلاة والدعاء، فهو كان حازما مع ملك الأردن ازاء ضرورة الانضواء الكامل في الجبهة العاملة ضد بشار الأسد. والاهم إلزام اوباما قيادة اسرائيل الصمت، والامتناع عن أي مبادرة، لا ضد إيران، ولا ضد سوريا ولا ضد حزب الله، والتصالح مع تركيا والانطلاق نحو مستوى جديد من التنسيق بين الدولتين، وخصوصاً انهما باتتا اليوم أمام عدو واحد هو بشار الأسد.
ـــ استنفار أميركي وأوروبي وخليجي ضد حزب الله، تمثل أولاً في تنشيط ملف المحكمة الدولية، والضغط لأجل اعتبار أوروبا حزب الله منظمة إرهابية، وتعميم أجواء التحريض على الحزب بوصفه مصدر خطر على أرزاق اللبنانيين في العالم العربي، والضغط المباشر على رئيس الحكومة للقيام بما يلزم لأجل إضعاف حضور حزب الله داخل الحكومة، وتعزيز الحملة ضده من جانب قوى إسلامية الطابع لاجل ترهيبه بالفتنة السنية ـــ الشيعية. وصولاً إلى اعداد ملف خاص اسمه: دور حزب الله في سوريا.
وعلى قاعدة ما سبق، يمكن المسارعة إلى وضع بعض الاستنتاجات المقلقة:
التخلي نهائياً عن شعار النأي بالنفس عن الأزمة السورية، واذا كان الشعار ليس واقعياً من حيث المبدأ، الا ان خطوة استقالة الحكومة، تعني اقحام لبنان مباشرة، ما يعني توقع توترات أمنية ليس فقط على الحدود مع سوريا، بل ربما داخل الأراضي اللبنانية. بموازاة ضغوط إضافية على الجيش لمنعه من القيام باعمال ردعية، واعتبار قوى الأمن الداخلي، مؤسسة سائرة نحو الانشقاق أو التشرذم، وبالتالي انعدام الفاعلية.
ـــ ان من يقف خلف هذه «الخطوة الغبية» يراهن بقوة على متغيرات حتمية في سوريا خلال وقت قريب. ويروي مرجع أمني بارز، أنه يفاجأ مرة تلو الأخرى، بأن عواصم عالمية تتصرف على أساس ان الحرب في سوريا على وشك الانتهاء لمصلحة سقوط النظام. وهذا الرهان يعني، إفلات الساحة اللبنانية امام موجات من التوتر، على خلفية أن هذا الأمر، قد يمثل عنصر ازعاج لحزب الله، وذلك بقصد منعه من مساعدة حكم الأسد.
ـــ ان الفوضى السياسية سوف تطول، وان الانتخابات صارت في حكم المؤجلة، وإن الانحياز السياسي الثلاثي، سليمان ـــ ميقاتي ـــ جنبلاط، سوف يعيد الحيوية إلى فريق 14 آذار، الذي بدأ بعض أركانه مساء أمس، يجرون الاتصالات لترتيب سيارات وياقات جديدة، أملاً في مناصب رئاسية ووزارية وأمنية...
الله يستر!