إيلي يونس يؤكد تعامله مع جهاز استخباراتي أجنبي
استشهاد شقيقه على يد الفلسطينيين "أشعل ثورة في داخله"
موظف متقاعد تعامل مع جهاز استخباراتي "مجهول الهوية"
يختلف الموظف المتقاعد في "هيئة أوجيرو" الياس يونس عن غيره من المتهمين بالتعامل مع إسرائيل في الشكل والمضمون، فهو ذلك الرجل الذي بلغ عامه الثاني بعد السبعين، والذي هدف من تواصله مع ضابطين من جهاز استخباراتي لم يسمّه لأنه لا يعرف هويته كما قال الانتقام لمقتل شقيقه عام 1971 الذي استشهد في كمين مسلّح على يد الفلسطينيين في بلدة كفر حمام.
أراد يونس إذاً الانتقام من الفلسطينيين، بعد أن أشعل استشهاد شقيقه "ثورة في داخله" وفق تعبيره، وراح يتحيّن الفرص لذلك. ومن خلال زميل له في العمل تعرّف على شخص من آل جريصاتي الذي لقّب "بالثعلب القديم" فمدّ له يد المساعدة في جمع معلومات عن الفلسطينيين. في البدء عرض عليه العمل لصالح "الموساد"، لكن يونس رفض عرضه لأن عقيدته لا تسمح بذلك".
استخدم يونس أكثر من مرة كلمة "هم" في معرض استجوابه أمس أمام المحكمة العسكرية الدائمة، التي باشرت أمس محاكمته بعد توقيفه في مطلع عام 2012، فاستوضحه رئيس المحكمة العميد الركن الطيار خليل ابراهيم عمّن يقصد بـ"هم" فقال: "أقصد بهم الأحرار".
روى يونس أمس المرحلة الأولى من تعامله التي بدأت في العام 1972، حتى العام 1981.
في تلك الفترة وحتى التسعينات احتل يونس موقعاً متقدماً في مكتب وزراء الاتصالات الذين تعاقبوا على هذا المنصب بدءاً من الوزير السابق جورج افرام، حتى الوزير السابق عصام أبو جمرا. وكان قد بدأ عمله في "راديو أوريان" في العام 1958وانتقل في العام 1972 الى "هيئة أوجيرو" التي حلّت محل الأولى. وبعد عامين عيّن رئيس منطقة بيروت الفنية.
وفي خضمّ حضور منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت واندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، انتقل يونس الى روما حيث اجتمع بضابطين قال إنهما فنيين من جهاز استخباراتي، قد يكون الـC.I.A وتقاضى مبلغ 2500 دولار بعد أن زوّدهما الترددات والموجات مع الدول الأوروبية وخصوصاً تلك التي كانت جزءاً من المنظومة الشرقية في زمن الاتحاد السوفياتي سابقاً.
عند هذا الحد توقف استجواب يونس، ليُكمل في الخامس والعشرين من تشرين الأول المقبل، موعد الجلسة التي حددتها المحكمة، المرحلة الثانية من "قصته" مع "المخابرات" التي لا يعرف "هويتها".
وباستجوابه بحضور وكلائه المحامين جورج بارود ورولان عواد وماري عساف سئل عما يقوله في التهمة المنسوبة إليه حول تعامله مع مخابرات العدو الإسرائيلي ودس الدسائس وتزويده معلومات وفّرت للعدو تفاصيل الشبكة الثابتة والخلوية للاتصالات وسهّلت له الاعتداء على لبنان، فأجاب: "مستحيل، هذا لم يحصل".
وبعد أن تراجع عن إفادته الأولية لأنها "أخذت تحت الترهيب وكان في وضع صحي ونفسي سيئ" أفاد يونس أنه من بلدة بكاسين ويبلغ من العمر 72 عاماً. وقد ولد في بور سعيد في مصر، وجاء الى لبنان في العام 1956 الذي سبقه اليه شقيقه في العام 1953 والذي كان ضابطاً في الجيش واستشهد. وتابع يونس متحدثاً عن عمله بأنه عمل في العام 1971 موظفاً في "راديو أوريان" التي أصبحت لاحقاً "هيئة أوجيرو"، وبعد 3 أعوام عيّن رئيساً لمنطقة بيروت وكان مركز عمله في رياض الصلح، ثم انتقل الى منطقة العدلية عام 1984 بسبب الأحداث بطلب من مديرية المخابرات في الجيش. وقال: أنا كنت أتعامل مع الجيش بشكل مكثّف".
سأله رئيس المحكمة عما يقصده بذلك فأجاب: "ما فيني قول كل شيء" قال له رئيس المحكمة: "تستطيع أن تقول ما تريده، وكل ما هو لصالحك"، فأجاب حينها يونس: "كنت أعمل مع الإشارة".
وتحدث يونس عن عمله في الفترة الممتدة بين عام 1984 و1990 حيث كان مستشاراً لمكتب وزير الاتصالات، وعندما عيّن الراحل جورج سعادة وزيراً للاتصالات تم نقله الى مركز الاتصالات البحرية "لأني كنت مصبوغاً بالتعامل مع الأجهزة الأمنية اللبنانية".
ويضيف يونس: في العام 2004 عينت عضواً في لجنة مراقبة المرافئ، التي كانت مهمتها مراقبة الشواطئ والموانئ ضد الإرهاب والقرصنة، وكنت المستشار الفني للجنة، وسئل عن كيفية استشهاد شقيقه فقال إن ذلك حصل في 26 تشرين الثاني عام 1971 في كمين فلسطيني في بلدة كفرحمام، حيث استشهد معه عدد من الضباط الأحرار كسمير الشرتوني ووليد أبو شقرا. وهنا أوضح له رئيس المحكمة أن الشرتوني لم يستشهد على يد الفلسطينيين.
وسأله عن أثر الحادثة عليه فقال: تركت لدي إرادة الانتقام من الفلسطينيين وكنت أتحيّن اللحظة المناسبة لذلك.
وبعدما أوضح أن المدعو انطوان الصايغ كان موظفاً في "راديو أوريان" وصديقه، أفاد يونس أنه تحدث معه في حادثة استشهاد شقيقه وكان الأمر قد أحدث "ثورة في داخلي". وقال: عرّفني انطوان على شخص من آل جريصاتي فقصدناه وسألني عما إذا كنت أريد الانتقام، وعندما أجبته بالإيجاب وعدني بأنه يمكن أن يساعدني بجمع معلومات عن الفلسطينيين.
وبسؤاله قال: في كل مرة كنت أزور جريصاتي برفقة أحدٍ من "الوطنيين الأحرار" منهم فؤاد غرّة وهو حالياً يعمل مع جهاز استخباراتي أميركي". وتابع يقول رداً على سؤال: إن جريصاتي أبلغني بأن غرّة سيكون صلة الوصل بيننا.
وسئل: ألم يطلب منك العمل لصالح الموساد؟ أجاب: في تسلسل الأمور لاحقاً، لم أعرف إذا كانوا موساداً أو استخبارات أميركية CIA. أضاف: أنا كنت حينها رئيساً لمنطقة بيروت الفنية، وما كان يهمهم الموجات الخاصة بالدول الشيوعية والاشتراكية لمعرفة البرقيات الفلسطينية.
وعما يقصده بـ"هم" قال: أقصد الأحرار.
وسأله رئيس المحكمة: ما هي غاية حزب الوطنيين الأحرار من معرفة هذه الأمور فأجاب: أمور عدة. ثم أردف يونس: لا أعرف، لا أستطيع أن أعطي فرضيات.
وسئل: الموساد كان يهمه هذه الأمور فأجاب: والأميركيون أيضاً.
سئل: لماذا رفضت الذهاب الى إسرائيل مع انطوان فأجاب: عقيدتي لا تسمح لي بذلك.
سئل: يعني أنه فُتح معك موضوع التعامل مع إسرائيل، فأجاب: حاولوا أن يجندوني، وعرضوا عليّ ذلك، أجل، والمعاملة (التعامل) كان مع جماعة "الأحرار".
سئل: من طلب منك الذهاب الى إسرائيل فأجاب: انطوان الصايغ وهو أيضاً كان يذهب الى هناك، وعندما رفضت طلبه عرض عليّ السفر الى روما، واجتمعت مع فنيّين اثنين لا أعرف جنسيتهما.
سئل: لكنك كنت تعرف أنك ذاهب للاجتماع بضباط مخابرات، فأجاب: نعم، إنما لا أعرف جنسيتهم، وأن غرّة سلّمني بعد ذلك مبلغ 2500 دولار.
وقال يونس عن "الفنيين" إنهما يدعيا جورج وموري وكان الاتفاق على أن يقوم انطوان الصايغ بتأمين البرقيات، أما أنا فسلمتهم الموجات، وأضاف: مثلاً كنت أبلغهم عن توقيت فتح خط مع بوخارست سئل: لماذا طلبوا منك ذلك فأجاب: إن فؤاد طلبهم مني ولم أسأله عن السبب.
وأعطى يونس تفاصيل عن زيارته الى روما التي استمرت 3 أيام، وأضاف أن الصايغ كانت بحوزته البرقيات الصادرة والواردة وكان يحصل عليها من مركز العمل. وكان يملك نوعاً من الشيفرة، أما أنا فكانت مهمتي الموجات، إنما كان الصايغ يؤمن المستندات.
وتحدث يونس عن زيارة ثانية الى روما عام 1972 حيث التقى "بالفنيين" أيضاً وسئل عما أفاد به سابقاً من أن جورج غرّة طلب منه نطاق توسيع مسالك الكابلات التي تربط بيروت بالجنوب وتحديداً عند منطقة خلدة، فأجاب: لا أذكر ذلك، قد يكون طلب ذلك من الصايغ بحضوري، فهذا الأمر ليس من اختصاصي.
وأوضح أن الصايغ كان يزوّد المعلومات لـ"Old Fox" (الثعلب القديم) والذي كان لقب جريصاتي.
سئل: بغض النظر إذا كانت المعلومات قد أعطيت للإسرائيلي أو الأحرار، فأنت كفَنّي، ماذا تفيد هذه المعلومات جهاز الأمن المخابراتي فأجاب: يريدون مراقبة البرقيات ومعرفة فحواها أو ربما هوية الأشخاص والجهة التي ترسل السلاح.
سئل: هل يتوصلون بذلك الى معرفة عناوين الأشخاص، فأجاب: بالتأكيد.
سئل: تمهيداً للقيام بعمليات ضدهم، فأجاب: لا أعتقد.
سئل: ولكن في بوخارست حصلت اغتيالات لأشخاص من منظمة التحرير فأجاب: لا أعرف. فحسب خبرتي يريدون معرفة نوعية السلاح. وأقصد الـ"CIA".
وأضاف: ان السلاح الفلسطيني يزعزع أمن البلد فهم قسّموا الجيش وبدأ ذلك من العرقوب، إن السلاح تدفق لقتل جيشنا بهدف أرادوا أن يسمّوه "فتح لاند". وتابع يونس قائلاً: أنا تأثرت كثيراً بالجنرال اميل البستاني الذي خطط لشيء في اتفاق القاهرة، وإن شقيقي استشهد بسبب اتفاق القاهرة.
وبعد أن أكد يونس بأن علاقته مع الصايغ وآخرين انقطعت نهائياً بعد "عملية الصفرا"، طلب وكيله المحامي عواد تصحيح أقوال ورد تفي المحضر، ورُفعت الجلسة الى 25 تشرين الأول المقبل لمتابعة الاستجواب.