حبّ عابر للطوائف ينتهي بجريمة في بيصور
جريمة موصوفة لا يقرها عقل ولا يقبل بها دين، وإن «تزينت» بالموروث الاجتماعي المتصل بـ«الشرف» وفق مفاهيم محكومة بغرائز متفلتة من قيم ومعايير أخلاقية. أن يقدم شابان هربت شقيقتهما مع شاب أحبته، على قطع العضو التناسلي لهذا الشاب و«هرس» خصيتيه، وإلحاق الضرر في أنحاء عدة من جسده... سابقة يصعب وصفها أو تصورها.
ما تجدر الإشارة إليه هو أن ثمة أحداثاً مماثلة تمت معالجتها من دون إراقة دماء، في العديد من قرى الجبل وبلداته. وأقصى عقوبة للفتاة كانت التبرؤ منها من قبل ذويها، خصوصاً إذا كان المتقدم لطلب يدها من طائفة غير طائفتها. لكن في المقابل، ثمة علاقات رحب بها أهل الفتاة، وإن على مضض في البداية، ذلك أن المتغيرات المجتمعية وفرت فضاء إنسانياً أرحب.
من هنا، الصدمة التي شهدتها بلدة بيصور- قضاء عاليه (أنور عقل ضو) أمس، وما زالت. وهي البلدة التي تضم فنانين ومثقفين، ونسبة كبيرة من حملة الشهادات الجامعية.
إلا أن ما توافر من معلومات لـ«السفير» من مصادر أمنية مواكبة أن «الفتاة كانت عرضة للتضليل، فالشاب ر.ع.ا. (مواليد 1974) من بلدة حرار قضاء عكار، ادعى انه من بلدة الجاهلية قضاء الشوف، وانه ينتمي إلى الطائفة الدرزية». ولفت المصدر عينه إلى أن «الفتاة خدعت من قبل الشاب وغرر بها». لكن ذلك إن صحّ، لا يبرر ردّ الفعل، بحيث كان من المفترض أن تسلك المعالجة الطرق القانونية.
في المعلومات الأولية أن الفتاة ر.م. كانت تربطها علاقة بالشاب، ورفض أهلها الزواج منه، بعدما علموا أنه ينتمي إلى طائفة أخرى. لكن مع إصرار الفتاة على الارتباط به عمد أشقاؤها إلى ضربها، ما اضطرها إلى الهروب قبل نحو أسبوع من المنزل للارتباط بالشاب المذكور. (قبل شهرين وفق ذوي المجنى عليه). وفي تلك الفترة، كان ثمة تفاوض بين أهل الفتاة ور.ع.ا. لتسوية المشكلة.
إلا أن المقصود من عملية التفاوض الشكلية استدراج الشاب إلى بيصور لارتكاب فعلتهم. وهذا ما حصل، وكانت الواقعة في منزل الفتاة، خلافاً لما تناقلته بعض وسائل الإعلام من أن الجريمة ارتكبت في ساحة البلدة. ولهذا السبب لم يتمكن الأهالي من منع التعدي على الشاب. وقام ذووها بإحضاره إلى الساحة لتعليقه على عمود الكهرباء. لكنهم لم يتمكنوا من ذلك بسبب منع أهالي البلدة لهم.
وأفاد شاهد عيان لـ«السفير» أن «كل شيء جرى بسرعة، من دون أن يتمكن أحد من معرفة ما يجري على الفور، حتى أننا في البداية ظنناً أن جريحاً سقط بسبب حادث سير». أضاف: «كان المشهد مقززا، الشاب ممدد على الطريق فوق بركة من الدماء وهو ينزف. لكن المشهد الذي لا يمكن أن نتصوره عندما وصلت سيارة الإسعاف التابعة للصليب الأحمر اللبناني، وقام عناصره برفع الضحية حيث سقطت على الأرض بعض أعضائه».
وقعت الحادثة بين التاسعة والتاسعة والنصف من مساء أمس الأول، وما زال الشاب في «مستشفى الشحار الغربي الحكومي». وكانت حالته خطرة. وأفاد مصدر طبي أن حالته تحسنت ظهر أمس، ما أتاح للطبيب الشرعي عاصم حيدر أخذ إفادته.
وأفادت معلومات أخرى أن أهل الفتاة، بعدما علموا بفرار ابنتهم، اكتشفوا أنها والشاب موجودان في شاليه في منطقة طبرجا. فذهبوا إليهما وأحضروهما إلى بيصور، وقاموا بقطع عضوه التناسلي ورموه في ساحة البلدة.
لقيت الحادثة التي تعرض لها المواطن ر.ع.ا. استنكاراً واسعاً في مختلف البلدات العكارية (نجلة حمود)، وتحديدا في بلدته حرار. وقد عمد رؤساء البلديات وعائلة المجنى عليه إلى عقد اجتماع طارئ للبحث في القضية وكيفية معالجة ذيولها. لم يصدق أشقاء ر.ع.ا. ما حدث معه. فقد قام، وفقهم، منذ شهرين بالزواج من الفتاة البيصورية ر.و.م. (مواليد 1994). واستأجر شاليه في طبرجا، بالقرب من مكان عمله. ما أثار غيظ أسرة الفتاة، التي عمدت إلى استدراج الشاب بحجة إجراء مصالحة معه، فجرى خطفه.
«لم يخيل لنا أن تكون عائلة الفتاة بهذه الدرجة من الإجرام والحقد»، يقول شقيقه، لافتاً إلى «أن ر.ع.ا. تعرض لكثير من التهديدات، كما تم أخذ زوجته من منزلهما عنوة قبل فترة، حيث حاولت العائلة الضغط عليها لتقول إنه قام باختطافها، وإنها تريد العودة إلى منزل ذويها، لكنها رفضت الموضوع وعادت مع زوجها. وبعد فترة من الزمن تم التواصل معه بهدف إجراء المصالحة وذلك باشراف كبار العائلة. فإذ بهم يخططون للانتقام بطريقة إجرامية ولا تمت إلى الإنسانية بصلة».
وأشار شقيق المجنى عليه إلى أننا «تلقينا تحذيرات بعدم الذهاب إلى مستشفى الشحار الغربي بسوق الغرب لرؤية شقيقنا. وكل ما عرفناه أن وضعه الصحي خطر للغاية، ولاحقاً أجرينا العديد من الاتصالات حتى تمكنا من نقله إلى مستشفى رفيق الحريري الجامعي للمعالجة. ولكنني لم أمتلك الجرأة لرؤية أخي بهذه الحالة فهو بالكاد يمكنه الكلام».
ولفت مختار حرار بسام الأحمد، الذي يعمل في بيروت وعلى اتصال دائم بربيع إلى «أننا تبلغنا عبر قوى الأمن الداخلي عند الساعة الثالثة من ليل الاثنين بوقوع الحادثة، وكل ما عرفناه هو أنه تم العثور على ربيع مرمياً في ساحة بيصور وجرى نقله إلى المستشفى»، سائلاً: «هل من المعقول أن نشهد هذا الإجرام وهذه العقلية المتحجرة في القرن الحادي والعشرين؟ وما هي طبيعة هؤلاء البشر؟
وأكد رئيس اتحاد بلديات جرد القيطع عبد الإله زكريا أن «هذه الجريمة لا يمكن السكوت عنها إطلاقاً، وهي تنم عن حقد دفين وتعصب أعمى. وكان من الممكن حلّ الموضوع بطريقة سلمية دون الوصول إلى سفك الدماء والتفنن في تعذيب الشاب». وأكد أن «اتصالات تتم على أعلى المستويات لحل القضية وتسليم المعتدين الى القضاء وإنزال أشد العقوبات بهم».