الصبيّة التي كادت تنتهي برصاصة «ابتهاج»
وحدها، رقة تلك الابتسامة حمت بيان بيبي. كان يمكن الرصاصة التي نصرّ على وصفها بالطائشة ـ وكأنها بلا قاتل ـ أن تنغرز في أحلام الشابة التي لم تكمل عامها الخامس والعشرين، لولا ابتسامتها «الإلهية» التي حمت رأسها من التطاير. لم تنم، ككثيرين، نومة أبدية بجهل مبتهج بظهور زعيمه. ولكنها، بالتأكيد، شعرت بتلك اللحظة التي نقترب فيها من موتنا بلا سبب. قد تكون تذكرت الكثيرين ممن التصقوا بأبديتهم بسبب رصاصة تشبه رصاصتها. ربما، «الأحمدات» الثلاثة: أحمد الساحلي وأحمد حمزة وأحمد العجوز. الأطفال الثلاثة الذين قرر موتهم الطائشون بابتهاجهم. وقد تكون عاشت موتهم في اللحظة التي اخترقت فيها الرصاصة كتفها، بعيدة سنتيمترات قليلة عن نبض قلبها. ولكنها، نجت. وكتبت ما لم يقدر عليه هؤلاء.
أول من أمس، كتبت بيان، على صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي ما كان يمكن أن يكتبه هؤلاء وما يمكن أن يكتبه ناجون مثلها من الابتهاج. قالت، وهي في غمرة وجعها، «الرصاصة التي كادت تقتلني لا تزال هناك. الجميع يقولون إنني محظوظة. الحمد لله... لم أتكلم يوماً عن الوضع السياسي، إلا أنه ضربني وآلمني». هي محظوظة، لأنها نجت. وهذا استثناؤها عن الآخرين الذين غادروا إلى الله. ولكنها تشبههم في الألم الذي لا ينفك يتكرر مع كل إطلالة لزعيم. الألم الذي يقرره مجهول مبتهج بلا سبب. ولكن، مهلاً، هل سأل هؤلاء ما إذا كانت بيان تريد الموت بهذه الطريقة؟ برصاصة؟ هل سألوها عما إذا كانت ترغب بعد في حياتها؟ هل سألوا الذين سبقوها ما إذا كانوا قد انتهوا من أحلامهم؟ لن يسألوهم.
السبت الماضي، لم يسألوا بيان. رموها برصاصة على مقربة من قلبها، بينما كانت «تتمشى مع صديقتها في شارع الحمرا». أحست بطرقة خفيفة على كتفها. ظنت أن أحداً يداعبها. التفتت ولم تجد أحداً. آلمها الوخز، فطلبت من صديقتها أن تطمئن إلى كتفها. التفتت الأخيرة، فرأت دم بيان ينزّ من الثقب المفتوح بقرب قلبها. أخبرتها، لكنها لم تفهم في تلك اللحظة أنّ رصاصة ضالة كادت تثقب قلبها. لم تأبه ربما. حملته ومشت كي ترتقه «في أقرب مستشفى، فأخذتها صديقتها إلى مستشفى الجامعة الأميركية، وهناك عالجوا جرحها ووضعوها في غرفة العناية المركزة»، تقول والدتها.
هناك، تمكث بيان منذ ثلاثة أيام. في غرفة موحشة في الطبقة التاسعة. لا تشبه ابتسامتها ولا طبيعة عملها المرحة. غرفة تحمل رقماً. لم تكن غرفتها كذلك. ولكن، هنا هي مجبرة على التأقلم مع الرقم. فهنا، لا يعرفون اسم بيان. ينادونها بصاحبة الغرفة 931 أو الشابة التي كادت تقتلها رصاصة طائشة. هكذا، صار اسمها. في تلك الغرفة ستقضي بيان أياماً كثيرة من النقاهة، تحت «رقابة مشددة» من إدارة المستشفى التي ترفض إدخال أحدٍ إلى غرفتها، بحجة أنها لا تريد لأحد أن «يكبّر قصة بيان، هي بألف خير، ولا داعي لهذه الشوشرة».
لكنها، ليست شوشرة. بيان كادت تقتل بسبب صوت زعيم لم يطل هذه المرة على حاشيته. سمعوا صوته، فرشقوا بيان برصاصهم. فكيف الحال، لو أطل؟ لم ترد المستشفى أن تخبر أحداً قصة الشابة، لكنها لا تعرف أنها بفعلتها هذه تحمي القاتل الطائش. فليعرف الكل حكاية بيان. ما المانع؟ الزعيم؟ ماذا كان سيفعل لو ماتت؟ ربما، في أحسن الأحوال، كان سيصدر بياناً يستنكر فيه فعل المبتهجين ويأسف لحياة الشابة. ولكن، ماذا كانت ستستفيد الوالدة من بيانٍ كهذا؟ لا شيء.
على أية حال، لم تمت بيان. لكن الوالدة لم تشف من صدمتها. تلك التي عرفت بألم صغيرتها بحدسها. قالت «قلب أم». ذلك الذي لا يعرفه القاتلون. والدة بيان التي يؤلمها البياض في تلك الغرفة، لم تتهم أحداً بوجع ابنتها. تماماً، كما لم تفعل بيان. اكتفت بالقول إنها لا تلوم أحداً في ما حصل لها. وتصرّ على شكر الجميع دون استثناء، «وخصوصاً مستشار رئيس المجلس النيابي نبيه بري علي حمدان والرئيس نفسه الذي اتصل ليل الحادثة مطمئناً إلى صحة بيان»، تقول الوالدة.
هي، لن تلوم أحداً. لكن، ليس صحيحاً أن لا أحد مسؤول عن وجعها الذي لم يشف بعد. هذا ما يقوله الكثيرون ممن عرفوا بيان. وما يقوله المفجوعون بأولادهم الذين غادروا إلى الله بتلك الطريقة البشعة. بشعة لأنها تبقى بلا قاتل. يضلّ كما رصاصته. فهنا، عادة ما تكون الحسرة أكبر، عندما يصبح الموت طائشاً. وعندما لا تعرف الوالدة من قتل ابنتها أو ابنها. يبقى ألمها مشتتاً.
بيان نجت، ولكن الأسماء التي سقطت سهواً من حياتها كثيرة. ويسهل إحصاؤها. فمع كل إطلالة لزعيم، سيسقط واحد وأكثر. وربما، لن تكون بيان الأخيرة، فالإطلالات كثيرة والموت المجاني أكثر.