الخيام نسخة تجريبية · Khiyam v2
أخبار وذاكرة ومجتمع
← الأرشيف

رحل الشاعر احمد فؤاد نجم + VIDEO

2013/12/4 · · المقال رقم 16323
يعد الشاعر احمد نجم، أحد أهم شعراء العامية في مصر وأحد ثوار الكلمة واسماً بارزاً في الفن والشعر العربي. وتوفي الشاعر الملقب بـ"الفاجومي" واحد رموز الشعر السياسي في العالم العربي عن عمر 84 سنة صباح اليوم في القاهرة. بدأ نجم كتابة الشعر في الخمسينات وعرف في الستينات بقصائده السياسية النقدية المرتكزة على حس اجتماعي عميق تجاه الحرية والعدالة الاجتماعية، ما ادى الى اعتقاله اكثر من مرة في فترة حكم الرئيسين الراحلين جمال عبد الناصر وانور السادات. واصبح من اهم الظواهر الشعرية السياسية بعد لقائه مع الملحن والمغني الراحل الشيخ امام عيسى، واصبح الاثنان معاً من اهم ظواهر تظاهرات الطلبة في الجامعات المصرية مطلع السبعينات، اذ ان اغانيهما انتشرت في الوسط الطلابي وكان لها دور كبير في انتفاضة 19 كانون الثاني 1979 التي اطلق عليها الرئيس السادات اسم "انتفاضة الحراميه". واتسع نطاق شهرتهما في العالم العربي واصبحا معروفين لدى غالبية الشباب حتى ان شهرتهما في البلاد العربية كانت اكثر اتساعا منها في بلدهما مصر. وتعرف العالم اليهما خصوصاً بعد ان غنى الشيخ امام قصيدة "جيفارا مات". ولد احمد فؤاد نجم في عام 1929 ، في قرية كفر ابو نجم بمحافظة الشرقية. وفي عام 2007، اختارته المجموعة العربية في صندوق مكافحة الفقر التابع للأمم المتحدة سفيرا للفقراء. كما فاز بالجائزة الكبرى لمؤسسة "الامير كلاوس" للثقافة والتنمية الهولندية تقديراً لتأثيره الكبير في عدة اجيال مصرية وعربية، وكان يفترض ان يتسلمها في 10 كانون الاول المقبل. وقالت المؤسسة الهولندية ان "منح الشاعر هذه الجائزة يأتي تقديراً لمساهماته واشعاره باللهجة العامية المصرية التي ألهمت ثلاثة اجيال من المصريين والعرب. فقد تميزت قصائده بحس نقدي ساخر وبتأكيدها على الحرية والعدالة الاجتماعية. واستطاع نجم من خلال شعره السياسي ان يسخر من السلطة والنخب السياسية في مصر بمفردات شعبية بسيطة، وبسبب ذلك سجن عدة مرات. يقول نجم: كانت أهم قراءاتي في شبابي هي رواية "الأم" لـ" مكسيم غوركي"، وهي مرتبطة في ذهني ببداية وعيي الحقيقي والعلمي. ومن أشهر قصائد نجم بالعامية قصيدة "كلمتين يا مصر" و "جيفارا مات" و "كلب الست" و "شيد قصورك" و "يعيش أهل بلدي". .. أحمد فؤاد نجم... بهية تبكي شاعر الغلابة بيار أبي صعب هذه المرّة «تجمّع العشّاق» أمام جامع الحسين. الجنازة البسيطة التي خرجت من المسجد القاهري، صوّرتها الكاميرات من كل الزوايا الممكنة. من يقول إن في هذا الصندوق الخشبي المرفوع على الأكف وسط آهات وهتافات خافتة، أحد أكبر شعراء مصر والعرب في القرن العشرين؟ وريث عبدالله النديم وبيرم التونسي، وأحد هؤلاء الذين أعطوا العامية المصرية فصاحتها إلى جانب فؤاد حدّاد وصلاح جاهين والآخرين. أحمد فؤاد نجم تكلّم بلسان الناس، وغنّى أوجاعهم، حمل هموم الفقراء وغضبهم وأحلامهم وعزيمتهم وفطرتهم وحسّهم الساخر. «شاعر الغلابى» الذي نبكيه الآن بصمت، شكّل وجدان أجيال، وأرّق مضاجع عظماء، بكلماته العارية، ولسانه السليط، ونقمته الهادرة، وضحكاته المجلجلة. .. أحب عبد الناصر رغم كل شيء: الفاجومي رحل قبل «الثورة الثالثة» سيد محمود القاهرة | خرج المثقفون المصريون ظهر أمس لوداع أحمد فؤاد نجم (1929 ــ 2013) من «مسجد الإمام الحسين» إلى «مقابر الغفير» في «السيدة عائشة». جنازة أرادوها شعبية على بعد خطوات من حوش قدم في الغورية، المكان الذي شهد الولادة الحقيقية لموهبة «الفاجومي». كان بإمكان خبر الموت أن يكون شائعة كما اعتاد انصاره، لولا أنّ مقربين من الشاعر، وعلى رأسهم الناشر محمد هاشم، أكدوا الخبر على صفحاتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي فجر أمس حين توفي عن 84 عاماً، أمضى أغلبها مطارداً من السلطات. كذلك أكد التلفزيون الرسمي خبر الوفاة من دون تفاصيل أخرى، فيما تحدّث مقربون منه أنّ الوفاة جاءت نتيجة عارض صحي لم تتحمله شيخوخته. تحدّث مشيعون عن التوقيت الحرج الذي غادر فيه «الشاعر البندقية» الذي أعلن أخيراً أنّ مصر «ستعلنها ثورة ثالثة». أكثر ما لفت في طقس الوداع أنّ «الفاجومي» غادر مطمئناً إلى أمرين: الأول يتعلق باستمرار الثورة ممثلة في إصرار ابنته الناشطة نوارة التي بدت منهارة في التشييع أمس وجيلها، والثاني يتعلق بتكريسه شاعراً كبيراً، هو الذي عاش على الهامش، فصنع متنه الخاص. الأغرب أن يأتي هذا التكريس من الغرب حيث نال «جائزة الأمير كلاوس» الهولندية (الأخبار 14/9/2013) تقديراً لمسيرته التي ألهمت ثلاثة أجيال من المصريين والعرب، وتميّزت بحس نقدي ساخر «بتأكيدها الحرية والعدالة الاجتماعية»، لكن الموت لم يمهله لتسلّمها في 11 من الشهر الحالي. مقابل هذا الاحتفاء العالمي، لم ينل نجم أي جائزة من الدولة التي نظرت اليه كشاعر «خارج عن النص» حتى سنواته الأخيرة. عاش حياة غير عادية بتعبير صلاح عيسى الذي أرّخ لحياته في نص متميز بعنوان «شاعر تكدير الأمن العام»، حيث تتبع تحوّل نجم إلى أيقونة مرادفة لمعنى الثورة الذي ظل منشدها، منذ أن قرّر الكتابة بالعامية على خطى أستاذه بيرم التونسي. هكذا، أفرز نصوصاً اعتمدت كلياً على النقد الاجتماعي والسياسي، وكانت أقرب إلى بيانات الهجاء منها إلى الشعر في بداياته الأولى. وكان بإمكانه أن يظلّ زجّالاً لولا التحولات التي عاشها ودفعته إلى خوض تجارب خشنة سعى إلى تأملها في كتابات زاوجت بين الهم العام والخاص. ولد في 23 أيار (مايو) 1929 في قرية كفر أبو نجم في مدينة أبو حماد (محافظة الشرقية ــ دلتا مصر) بين 16 شقيقاً آخرين. بعد وفاة الأب الذي كان ضابط شرطة «مشاغباً أحب نجم لأنّه كان الأشد قبحاً بين إخوته» كما قال الشاعر مرة، عاشت الأسرة ظرفاً اجتماعياً قاسياً انتهى بالتحاقه بملجأ أيتام عام 1936 حيث تزامل مع المطرب الراحل عبد الحليم حافظ، ليخرج عام 1945. بعد ذلك، عاد إلى قريته ليجرّب مهناً هامشية كثيرة وضعته في أسفل السلم الاجتماعي في لحظة تاريخية مفصلية عاشتها مصر قبل 1952 مع احتدام التناقضات التي جعلت «ثورة يوليو» حدثاً ضرورياً أعطى لنجم فرصة اكتشاف حقيقة وضعه الطبقي. خلال تلك السنوات، تعرّف إلى مجموعة من العمال الشيوعيين وفّروا له فرصة قراءة روائع أدبية تؤكد فكرة الالتزام التي لازمته طوال حياته، وأبرزها رواية «الأم» لمكسيم غوركي التي قال إنّها «ارتبطت ببداية وعيي الحقيقي والعلمي بحقائق هذا العالم والأسباب الموضوعية لقسوته ومرارته». توّج نجم هذه المرحلة بالعمل في وزارة الشؤون الاجتماعية طوافاً لتوزيع البريد في فضاء اجتماعي وجغرافي كشف له حجم التناقضات الطبقية في مصر، مدركاً أنّ القضية الوطنية لا تنفصل عن القضية الاجتماعية. بعد اندلاع ثورة ١٩٥٢ وصدامها الأول مع خميس والبقري عاملي «كفر الدوار» الشهيرين، واجه نجم للمرة الأولى عشقه للثورة بأزمة طاحنة تفاقمت مع صدام السلطة مع اليسار، إذ وجِّهت له للمرة الأولى تهمة التحريض على السلطات، وهي تهمة رافقته حتى نهاية الثمانينيات. في تلك السنوات البعيدة، عاش صاحب «يعيش أهل بلدي» فترة شديدة التعقيد، إذ وجهت إليه تهمة الاختلاس، ووضع عام 1959في السجن 33 شهراً. وفي السنة الأخيرة له، أي عام 1962، شارك في مسابقة ينظمها «المجلس الأعلى لرعاية الآداب والفنون» وفاز بجائزته، فصدر ديوانه العامي الأول «صور من الحياة والسجن»، وكتبت مقدمته الناقدة الشهيرة سهير القلماوي ليشتهر وهو خلف القضبان. بعد خروجه، سعت الدولة إلى ترويضه. عيّنه الكاتب يوسف السباعي موظفاً في «منظمة تضامن الشعوب الآسيوية الأفريقية» على أمل استئناسه بـ«حظيرة الدولة»، غير أنّ تعرّفه إلى الشيخ إمام عبر المناضل سعد الموجي أدخله تجربة كانت الأغنى في حياته وصنعت هذا التحول الدرامي الذي وضع شعره على طريق الخلود ضمن تجربة استمرّت حتى عام 1984 مع الشيخ الضرير. قبل هذا اللقاء، لم يكن الشيخ إمام قد لحّن أغنيات خارج التواشيح الدينية، متابعاً فيها سيرة أستاذه زكريا أحمد، إلى أن أعطاه نجم أغنية عاطفية هي «أنا توب عن حبك أنا» التي يسمّيها نجم «البكرية» وكانت نقطة البداية في مشوار استمر ربع قرن، وشهد فترات مدّ وجزر. عاشا معاً في بيت صغير في حارة خوش قدم (معناها بالتركية قدم الخير) ودفعت بهما الأزمة السياسية التي عاشها النظام الناصري في علاقته بمعارضيه إلى تقديم أغنيات احتجاجية، واشتهرا كثنائي غاضب صاغ بالأغنيات خطابات الرفض والمعارضة للنظام الناصري بعد النكسة. وكانت أغنية «الحمد لله خبطنا تحت بطاطنا» التي سمّيا فيها عبد الناصر بـ«عبد الجبار» كفيلة بإدخالهما السجن وتمضية ثلاث سنوات وراء القضبان انتهت بالإفراج عنهما بعد وفاة جمال عبد الناصر. ورغم دخول نجم السجن تسع مرات، إلا أنّ الفترة الأطول التي أمضاها وراء القضبان كانت في عهد عبد الناصر، ومع ذلك فقد رثاه بقصيدة «زيارة لضريح عبد الناصر» وظل يدافع عنه أمام منتقديه. ورغم محاولات النظام الناصري امتصاص الظاهرة في قنواته الرسمية، إلا أنّ احتضان الحركة الطلابية المصرية للثنائي صان التجربة وتحولت أغنيات «بهية»، و«حاحا»، و«يا محلا راجعة ضباطنا»، إلى أقوى حزب معارض في مصر، وخصوصاً في عصر السادات الذي سمّاه نجم «شحاتة المعسل»، وتحول بعد هذا المسمى إلى «شاعر تكدير الأمن العام» بتعبير صلاح عيسى. لعبة القط والفأر مع النظام بلغت ذروتها خلال حكم السادات الذي سمى نجم «الشاعر البذيء». ثم نجح حسني مبارك في إبعاد نجم عن الصدام المباشر إلى أن جاءت «ثورة 25 يناير» وقرر الشباب أنّهم «الورد اللي فتح في جناين مصر». نزل نجم إلى التحرير في كل الأحداث التي صنعت تحولات هذه الثورة وردد خلف الشباب الكثير من أغنياته مع إمام، وصولاً إلى دعمه المطلق لعبد الفتاح السيسي. إذ أعلن تأييده لترشيح السيسي لرئاسة مصر وانتشرت صورته وهو يوقع على حملة «كمل جميلك» لتصيب الشباب المناهض لحكم العسكر بالذهول. لكن موته جاء ليغلق كل تلك الملفات، فاسترد «أبو النجوم» صورته وصوته كمنشد الثورة أو كما عبرت الناشطة بسمة الحسيني على صفحته على الفايسبوك: «لا أحد ينسى أنّه ظل شوكة في حلق أي نظام. مهما اختلفنا معه يكفي أنّه رفع صوته في وجه عبد الناصر في عز جبروته وبطشه، وفي وجه السادات في عز فجره، وواجه مبارك في عز صمت الشعراء والمثقفين». على الصعيد الشعري لم ينل ما يستحقه من اهتمام نقدي جاد باستثناء مقالات كتبها نقاد كبار أمثال الطاهر مكي، وإبراهيم فتحي، وعلي الراعي. ظل شعره بعيداً عن الدرس الأكاديمي، وبالتالي خارج دوائر الاعتراف الرسمي التي كانت موضوعاً لسخرية الشاعر حتى بعد اتساع الهامش السياسي في السنوات العشر الأخيرة التي تحول فيها نجم إلى وجه تلفزيوني معروف. ثم جاءت «ثورة يناير» لتعطيه قدراً من الإنصاف. أعادت وزارة الثقافة إصدار أعماله الكاملة في طبعة شعبية وجدت رواجاً كبيراً، لكنها لم تسهم في وضع نصوص نجم في معمل الفحص النقدي حيث تميز بين الزجل المكتوب بغرض النقد الاجتماعي والهجاء السياسي وبين النص الشعري الخالص. في تجربة شعراء العامية المصريين، يقع نجم من حيث التصنيف العمري بين شعراء الستينيات، الجيل الذي جاء بعد الأب المؤسس فؤاد حداد وشاعر التحول الكبير صلاح جاهين. يُعَدّ نجم في طليعة جيل عبد الرحمن الأبنودي، وسيد حجاب، ومجدي نجيب، وفؤاد قاعود، وهو أقرب في كتابته إلى الأخير. وفيما راهنت تجربة حداد على تخليص الشعر من زجل بيرم التونسي وإعطاء العامية مخيلة جديدة توازن بين تقاليد الشعر العربي الكلاسيكي ونزعة تجديد تنهل من الشعر الفرنسي، سعى جاهين إلى مواكبة حركة التجديد المتمثلة في شعر التفعيلة المكتوب بالفصحى مع كتابة مصدرها لغة الحياة اليومية تُعلي من النزعة البصرية، وهو أمر طوّره الأبنودي، معتمداً على تراثه الشفاهي الصعيدي وأضاف إليه حجاب بسعيه للبناء على منجز جاهين والإنصات إلى مهمشي قرى الصيادين. غير أنّ «الفاجومي» كان أقرب في روحه إلى تجربة فؤاد قاعود الذي كان يكتب رباعيات زجلية تستثمر روح النقد الاجتماعي لدى بيرم التونسي. لكن نجم ــ وهو شاعر مدينة بامتياز ــ أخذ هذه الروح إلى حدها الأقصى وأحدث تحولاً حين ربط هذا النقد بنمط من الهجاء السياسي شاع في لغة الحياة اليومية مع نزعة كاريكاتورية جعلت قصائده صالحة لتقدم في فضاء الأداء الدرامي كما نعرفه في قصائد «البتاع»، «شحاتة المعسل»، «موال الفول واللحمة». وهو الفضاء الذي مكنه من العيش والاستقرار في ذاكرة تعيد إنتاج أعماله في أشكال فنية كثيرة بفضل قدرته على التقاط نماذجه الدرامية بحسه الاجتماعي الساخر الذي جعل شعره لصيقاً بالناس أكثر من أي شاعر آخر بين مجايليه. وإلى أن تحين لحظة وضع تركته تحت مجهر النقد، لا يمكن النظر إلى تجربة نجم من دون إدراك القانون الذي حكم نظرته إلى الشعر كفضاء لممارسة الحرية والتحايل على شروط الحياة ومن دون التأكيد أنّه شاعر الشعب الذي أكد في أكثر من مناسبة أنه تعلم من الناس، وراهن على أنّ مديح السلطان مصيره مزابل التاريخ، فحسم خياره وانحاز إلى شعبه حتى قال عنه الشاعر الفرنسي لوي أراغون: «إن فيه قوة تسقط الأسوار»، وسماه علي الراعي «الشاعر البندقية». أحمد فؤاد نجم... بهية تبكي شاعر الغلابة .. جنازة شعبية ونعشه على الأكف: بلّغ عمّي إمام أنّنا عملنا ثورة محمد الخولي القاهرة | سلك أحمد فؤاد نجم أمس «الطريق اللي ملهوش راجع» بعدما ودعه أصدقاؤه ورفاقه وتلاميذه، إلى مثواه الأخير في «مقابر الغفير». الطريق الذي سلكه نجم كان طويلاً. عن عمر يناهز 84 عاماً، رحل فجر أمس في منزله في المقطم. ورغم رحيله في هذه السنّ، إلا أنّ خبر وفاته كان مفاجأة للجميع، فالرجل لم يرقد يوماً، بل كان عائداً من السفر منذ ثلاثة أيام فقط بعد مشاركته في مهرجان تراثي في عمان، حيث تنبأ بثورة ثالثة في مصر قائلاً: «ما تخافوش على مصر. النصر قرّب من عينينا. الناس قلقانة على مصر. عندنا الشباب دول شياطين. ماحدش حيقدر يضحك عليهم زينا». هؤلاء الشباب «الشياطين» الذين كان نجم يراهن عليهم طوال الوقت أصيبوا بصدمة غيابه التي بدت واضحة عليهم أمس أثناء تشييع جنازة «الفاجومي» التي خرجت من «مسجد الإمام الحسين»، وشارك فيها العديد من النشطاء والسياسيين مقابل غياب وزير الثقافة صابر عرب أو أي تمثيل حكومي أو رئاسي. رفض المشيّعون إيداع جثمان الفقيد في سيارة الموتى، بل أصرّوا على حمل نعشه على أكتافهم حتى مدافن الأسرة في «مقابر الغفير» في «السيدة عائشة»، وأعلنوا إقامة عزاء له مساء أمس في «مسجد بلال بن رباح» في المقطم، وكذلك في «مسجد عمر مكرم» غداً الخميس. صاحب القصائد الثورية التي كانت وقود شعارات «ثورة 25 يناير»، تنبأ بالثورة منذ السبعينيات حين كتب عن انتفاضة الـ 1979 يقول: «كل ما تهل البشاير/ من يناير كل عام/ يدخل النور الزنازن/ يطرد الخوف الظلام». وأرشيفه الشعري يؤكد أنّه «الفاجومي» الذي هجا الرؤساء وهم في عز عنفوانهم وقوتهم، فسجن في عهد الرئيسين جمال عبد الناصر وأنور السادات، واستمرت انتقاداته للسلطة في عهدي حسني مبارك ومحمد مرسي، لكن من دون أن يتعرض للسجن في أي من العهدين. ومن أبرز الشخصيات التي شاركت في تشييع جثمان نجم أمس مؤسس «التيار الشعبي المصري» حمدين صباحي، ورئيس «الحزب المصري الديموقراطي» محمد أبو الغار، والرئيس السابق لـ«حزب التجمع» رفعت السعيد، والقيادي في الحزب نفسه حسين عبد الرزاق، ومدير «المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية» خالد علي، والسيناريست والصحافي بلال فضل، ومؤسس فرقة «اسكندريلا»حازم شاهين التي كانت تغني أشعار نجم، والمنتج محمد العدل، والشاعر زين العابدين فؤاد، وصاحب «دار ميريت» الناشر محمد هاشم، والمذيعة ريم ماجد، والشاعر تميم البرغوثي الذي كان والده الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي قد غرّد على تويتر قائلاً: «أحمد فؤاد نجم. ستظل تزعجهم من هناك. الوداع يا صاحبي»، إضافة إلى حضور عدد كبير من النشطاء السياسيين. وأكد الحضور أنهم حضروا لتشييع نجم كواحد من أهم الشعراء، استخدم الشعر للتعبير عن البسطاء وهمومهم، وكان مناضلاً، عنيداً طوال حياته. وقال حمدين صباحي إنّ «عزاءنا الوحيد في رحيله أن أعماله ستبقى حاضرة فى كل موقف»، بينما قال خالد علي إنّ نجم «ظل يناضل حتى آخر يوم في عمره ودفع الثمن من عمره الذي قضاه في السجون». وبينما بدت ابنته نوارة نجم منهارة ومذهولة وسط الحشود، كانت ناشطة مشاركة في التشييع تبكي وهي تقول: «بلّغ الشيخ إمام يا نجم إنّنا عملنا ثورة، واتبعنا من كل الناس واحنا مبعناش». نجم هو الآخر لم يبع كلماته على مدار تاريخه. كان حاضراً بكلماته اللاذعة، وقصائده الثورية، أميناً على الكلمة «بذيئاً» كما وصفه السادات. .. في خوش قدم... بدأت الحكاية مدحت صفوت القاهرة | فؤاد نجم والشيخ إمام... مَنْ يحسدُ مَن على الرحيل؟ السؤال يفرض نفسه بعد وفاة الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم، واهتمام وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة بنبأ رحيل «شاعر الثورة». حين توفي الشيخ إمام في السابع من حزيران (يونيو) 1995، لم تهتم وسائل الإعلام الرسمية بالنبأ الجلل. وبالطبع، تجاهل التلفزيون الرسمي الخبر، ولم يلق بالاً برحيل «مطرب الشعب». اكتفت صحيفة «الأهرام» بزاوية صغيرة ونعي لم يتجاوز سطرين؛ إذ نشرت: «المغني الكفيف الشيخ إمام (78 عاماً) توفي أمس. كان يعاني من السكر، وكان الشيخ إمام قد اشتهر بعد نكسة عام 67. وقدم العديد من الأغاني النقدية التي كتبها له أحمد فؤاد نجم، كذلك فإنه حاصل على الأسطوانة البلاتينية من الاتحاد الدولي للأغنية»! كان يمكن تغطيةَ خبر وفاة أحمد فؤاد نجم أن تكون أسوأ لولا... «ثورة يناير». بفضلها، نال حظاً أوفر في الاهتمام بنبأ رحيله، ووصل الأمر إلى بث التلفزيون المصري خبر الوفاة ونعي الشاعر. كان اللقاء الأول بين نجم والشيخ إمام سنة 1962 في منطقة «خوش قدم» ليبدآ مسيرة فنية ونضالية استمرت قرابة منتصف الثمانينيات. كتبا ولحنا عشرات الأغنيات الوطنية والسياسية، التي لاقت في البدء قبولاً من السلطة المصرية في العهد الناصري، إلا أنها سرعان ما ضاقت ذرعاً بحدة «الفاجومي والشيخ». هكذا، اعتقلتهما معاً بعد صدور أغنيتهما «الحمد الله» بعد النكسة. ومع بداية العهد الساداتي، تقاسم الشاعر والملحن مطاردة السلطة وزنازينها خلال الأعوام 1972، 1975، 1977، و1978. من جهته، اعتبر نجم «خوش قدم» ورشة تصنيع قصائده؛ وكتب ذات مرة: «كل يوم عن التاني، كنت أتمكن أكثر من صنع الشعر لأني كنت أفهم أكثر من خلال الاحتكاك بالشباب المثقف في سهرات «خوش قدم» الممتعة. ومن أهم القناعات التي اعتنقتها في تلك الفترة أنّ الفن بشكل عام، والشعر بشكل خاص، كائي حي. أي إنّ «الشعرا بيخلفوا القصايد زي الناس ما بيخلفوا العيال»». في منتصف التسعينيات، على صفحات «الأهرام» ذاتها، نشر عدد من الكتاب والفنانين والمثقفين نعياً «مدفوع الأجر» للشيخ إمام، كان نصه «البقاء لله. القوى الوطنية المصرية تنعى للشعب المصري والأمة العربية، فنان الشعب الشيخ إمام عيسى، ولد في أبو الفرس عام 1917 ومات في خوش قدم عام 1995، وتقام ليلة المآتم في الثامنة حتى العاشرة في «مسجد عمر مكرم» اليوم الجمعة». وحوى النعي العديد من الأسماء اللامعة، على رأسهم رفيق دربه فؤاد نجم. بعد رحيل «الفاجومي» أمس، سارعت الصحف والقنوات لإعلان العزاء والحداد على روح نجم واستحالت مواقع التواصل الاجتماعي إلى دفاتر عزاء. وعلى المستوى الإعلامي أعلنت قناة «أون. تي. في» الحداد على صاحب قصيدة «جيفارا مات»، واضعة شارة سوداء فوق شاشتها. رغم الخلافات التي دبّت بين الثنائي وأدّت إلى قطيعة عام 1984، إلا أنّ هذه التجربة الاستثنائية ستبقى ماثلة بعدما ألهمت أجيالاً منذ النكسة حتى «الثورة الثالثة» التي وعدنا بها «الفاجومي» قبل الوداع. .. قصائده التي لن تموت محمد الخولي يصعب على الباحث أن يحدد على وجه الدقة كم قصيدة كتبها أحمد فؤاد نجم، فقراؤه يكتشفون كل يوم قصيدة له. الملاحظة الوحيدة التي يمكن رصدها خلال مراجعة قصائده ودواوينه أنّ أغلبها كتبها في سجون النظام، سواء كان في سجن جمال عبد الناصر، أو أنور السادات من بعده. قصائد نجم لا يزال الشباب يقتبسون أبياتاً منها، ويتداولونها على صفحاتهم الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي. ومن أهم قصائد نجم «الرسالة رقم (1) من معتقل طره» (كتبها في معتقل طره/ يناير 1977) و«السندباد» (1970)، و«ح نغني» (1974)، و«بهية» (معتقل القناطر 1968) ، و«سلام للأرض» (معتقل القناطر 1970) ، و«انا رحت القلعة» (معتقل القلعة 1972)، و«القواد الفصيح» (سجن الاستئناف 1973) ، و«الخط دا خطي» (معتقل القناطر 1971)، و«أوأه» (معتقل القلعة 1973)، و«في المعتقل» (معتقل القلعة 1969)، و بيان هام» (1976)، و«نوارة» (1973)، و«سايجون» (1974)، و«الشعب الزين» (1969)، و«محكمة» (1970)، و«ورقة من ملف القضية» (1973)، و«الشحاتين» (1980)، و«اليويو» (1972)، و«قيدوا شمعه» (معتقل القناطر 1971)، و«كلب الست» (1965)، و«دولا مين» (1973)، و«تل الزعتر» (1976)، و«صباح الخير» (معتقل القلعة 1973)، و«شيد قصورك» (معتقل القناطر 1973)، «رسالة: واه ياعبدالودود» (1967)، و«الجدع جدع» (1968)، و«بيانات على تذكرة مسجون» (معتقل القلعة 1974) ، و«على الربابة» (سجن الاستئناف 1973)، و«شقع بقع» (1969)، و«هما مين» (1977)، و«البتاع» (1980)، و«الزيارة: زيارة لضريح جمال عبدالناصر» (1984). تلك بعض من قصائد نجم وغيرها الكثير التي نالت شهرة واسعة خاصة تلك التي لحنها وغناها رفيق دربه الشيخ إمام عيسى. .. الراديكالي النزق الذي هجا «الستّ» مرتين نجوان درويش القدس المحتلة | [إلى مصطفى إبراهيم صاحب «المانيفستو»] يشاء القدر أن أكتب لك في يوم و الألم مجسّداً. فليس في كل يوم تستقبل الأرض شاعراً، كما أن إرجاع شاعر إلى التراب ليس بالأمر الهيّن. وعلى كثرة ما يتخيّل خيالي، فإني لا أتصور أحمد فؤاد نجم ميتاً. يمكن لي أن أتخيله مطلّاً على مشيعيه بتعليق ساخر أو ممازحاً «التربي» الذي حفر قبره. كل ذلك ممكن ولكن لا أتخيله وديعاً مستسلماً. كما أني لست الوحيد الذي فوجئ اليوم أنه ابن 84 سنة. فحتّى إطلالالته الأخيرة، والوهن باد على صحته، ظلت فيها فتوة الشباب بل ومسحة طيش تحول دون حسابه من الشيوخ. أتذكّر كم كانت تسحرني «بذاءته» وأرى «الأدب» كلّه فيها. هل تذكر هجاءه لأم كلثوم؟ كلا، ليس تلك القصيدة التي يعرفها الجميع عن «كلب الست» الذي عضّ فتى فحبسوا الفتى حين علمت الشرطة أن غريمه كلب أم كلثوم. ولكن أقصد تلك الهجائية في «الفوازير» التي يعنيها بها: «يا وليه عيب اختشي يا شبه ايد الهون/ دنتي اللي زيّك مشي يا مرضَّعة قلاوون» وقلاوون كما تعرف أحد حكام مصر في العهد المملوكي. تصوّر اللؤم. تصوّر أن هناك من كان بإمكانه أن يقول هذا الكلام عن أعظم مغنية عرفتها مصر والعرب وربما العالم. (في ساعات يأسي المطبق أقول لنفسي إن حياتي لم تكن فظاظة كلها وإني عرفت السعادة في ساعات سماعي لصوت أم كلثوم). في مرة، استدعت أم كلثوم نجم للقائها في بيتها، وهو أمر لم تكن تفعله كثيراً، تلك السيدة الأشبه بقلعة عالية الأسوار. حين دخلتْ عليه في الصالة أشارت بإصبعها نحوه من فوق إلى تحت وقالت مع ابتسامة: «هو إنتَ»؟(روى نجم القصة في لقاء تلفزيوني) طلبت منه أن يكتب لها أغنيات. أمعن في بذاءته؛ قال لها: أنا لا أكتب لأحد، قصائدي عندك. غفرت له «كلب الست» ولكن لم تغفر له تبجّحه. انتهت المقابلة. ولم تغن له «الست». تخيّل ماذا كنّا سنكسب لو غنّت أم كلثوم قصيدة أو بضع قصائد من «الفاجومي»؟ وعودة إلى تلك الهجائية اللئيمة التي كتبها لأم كلثوم، فإن عظمة الثقافة المصرية برأيي هي أنها كانت قادرة على إنجاب أم كلثوم وقادرة على الإتيان بأحمد فؤاد نجم الذي في لحظة ما قام بهجائها. لأسباب مبدئية كما زعم لاحقاً؛ حسّه بالعدالة الاجتماعية في «واقعة الكلب» كان أعلى من شغفه بفنّها و«عبادته» لصوتها. كان يدرك أكثر من أي إنسان معنى هذا «الكيان العظيم» الذي تشكله «الست»، لكنه كان نفسه ولا يمكن أن نلومه على ما كتب. لا يمسّني شيء أكثر من الراديكالية، وخصوصاً حين تكون خاسرة، ولولا الراديكالية لما كانت الحياة تستحق أن تعاش. الشعر مسّ من الراديكالية. ولكنها أحياناً، بل وكثيراً ما تشطح. فأم كلثوم التي قال فيها نجم في لحظة طيش: «مدحتي عشرين ملك وميت وزير ورئيس/ وعبد الملك والمفتري وعتريس» هي مغنية تحرر وطني من أرفع مقام ولعلها من أفضل ما صار للعرب في تاريخهم المعاصر. لكن الراديكالي وخصوصاً في صباه قليل صبر. ونحن نحبّه رغم ذلك بل لأجل نزقه، لأننا نعرف أن هذا النزق حب أبكم وأن البذاءة طريقة في الدفاع عن الإنسانية حين تكون مهددة. أما قيمته الشعرية، فلنترك الكلام فيها للنقاد، الذين لو انتبهوا لقالوا إنّه خلاصة وتتويج جهد شعراء العامية المصرية، ولو أنصفوا لقالوا إنه أهم شاعر مصري بعد أحمد شوقي. هويته المصرية والعربية، أُمميته، موضوعاته، تقدميته، موقفه الطبقي، ثوريته، لغته الشعرية الخصبة الثرية المتنوعة، اتساع مساحته الإيقاعية ورونق جملته الأخاذ، سخريته، تناقضاته أيضاً. كل ما سبق، جعله من هو. سيطيب لي أن أتخيل جنّةً يدخلها نجم فَزِعاً منقبضاً بجلّابيته. وأتخيل الست هناك في أعلى مقام (مثلما كانت على الأرض) تشير نحوه بإصبعها من فوق إلى تحت وهي تكتم ابتسامة ممتلئة: «هو انتَ، تاني؟». .. من رام الله إلى يافا... فلسطين ارتدت ثوب الحداد رشا حلوة عكا | لمحبيه من أبناء الأرض المحتلة وبناتها علاقة خاصة مع «النجم». والأهمّ أنّ حبّ الناس له لم يكن يوماً موسمياً، وكلماته لم تكن متعلقة بفترة زمنية وإنسانية محددة، بل هي حية منذ لحظة كتابتها حتى يومنا هذا. وبذلك، استطاع كشاعر أن يجعل الكلمة السياسية بمثابة سرد وجودي غير متعلق بزمكانية ما؛ فهي تحكي عن انتفاضة الخبز عام 1977، وتحكي عن ثورة «25 يناير» بالضبط. وحين قال: «وكلّ يوم في حبّك تزيد الممنوعات/ وكلّ يوم بحبّك أكثر من اللي فات»، كان يخاطب مصر، ولكنّ حبّه لـ«بهية» لم يختلف عن الحبّ لفلسطين ولم يحتج إلى كلمات أخرى للتعبير عنه. قبل فترة قصيرة، انتشرت شائعة مفادها أنّ «الفاجومي» ينوي زيارة الضفة الغربية، وجرى تداولها على أنها خبر مؤكد مرفق بالعتب والمزايدات. لكن بعد يومين على الشائعة، نشرت ابنة الشاعر نوارة نجم «ستاتوس» عبر الفايسبوك نفت فيه الخبر، مؤكدة أنّ والدها صرح مراراً بأنه لن يزور فلسطين إلا بعد التحرير. لم تغب فلسطين عن كلمته وحياته، ولم يفقد الأمل يوماً بأن التحرّر من الاحتلال آتٍ لا محالة، هو الذي قال بعد انتصار ثورة «25 يناير»: «يا إخوانا في فلسطين، إحنا جايين». عاشت فلسطين فيه وفي سفره على مدار حياته، وعاش في أهلها الذين وإن أقفل الاحتلال طرق بلدهم، لم يستطع أن يمنع قصيدة العمّ نجم بأن تصل إلى كلّ البيوت والقلوب. كان مشوار القصيدة من قلمه إلى فلسطين، هو التجسيد الحيّ لجملته: «يا فلسطينية وأنا بدي سافر حداكو». لم يشاء محبّوه أن يرحل الفاجومي بلا كلمة وداع من فلسطين. بمبادرة عفوية، أقيمت مساء أمس الثلاثاء أمسية إكراماً لروح الشاعر في «مسرح الميدان» في حيفا بعنوان «فلسطين تودع أحمد فؤاد نجم»، تخللتها تأدية أغنيات الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم بصوت الفنان الفلسطيني ألبير مرعب وابنته ماريا مرعب. علماً بأنّ ألبير خصص مسيرته الفنّية لتقديم أغنيات الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم إلى الجمهور الفلسطيني، بالإضافة إلى قراءات من قصائد «الفاجومي» قدمها الفنان عامر حليحل. وفي رام الله، سيعقد بعد ظهر اليوم الأربعاء بيت عزاء للشاعر في «مقهى رام الله». وفي يافا، ستقام أمسية بعد غد الجمعة بعنوان «الخط ده خطي» في «مسرح السرايا» تتخللها إضاءة شموع لروح الشاعر، وعرض فيلم قصير يتناول حياته، مع مداخلة حول شعره، وقراءات من قصائده وأغنيات يقدمها عدد من الفنانين الفلسطينيين. سافر «الفاجومي»، ولم يكذِّب أحد هذا الخبر، ولم يخرج هو بصوته بتصريح ساخر يشتم به الموت ويعلن من خلاله حبّه المتجدد للحياة. لكن «وبات الأمل سندباد في الخواطر/ وعاش الأمل في الجوانح مسافر»، هي الدروس الحيّة التي علمتنا إياه قصيدة العمّ نجم الذي لا يموت وإن «الغربة طالت كفاية» وأكثر. .. «آخر خبر» على الشاشات: الفاجومي مات محمد عبد الرحمن القاهرة | منذ الثامنة من صباح أمس، التقط ملايين مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي في مصر أنفاسهم وتوقفوا عن الجدل السياسي الذي لا ينتهي منذ عزل الرئيس محمد مرسي. تفرّغ هؤلاء لنعي أحمد فؤاد نجم واستعادة أشعاره العزيزة على قلوبهم. لم يتداول الحزانى قصائد بعينها، بل تحول الـ«تايم لاين» إلى ديوان يجمع كل أشعار نجم تقريباً، وأعاد البعض تسجيلات نادرة له، سواء مع الشيخ إمام، أو آخرين، فضلاً عن صور ومواقف مرت في سنواته الـ84. وهناك من اختار قصيدة «جيفارا مات» للراحل مع تحريف مطلعها وتحويلها إلى: «الفاجومي مات» أو «نجم مات». الحدث كان أيضاً مناسبة لممارسة الشماتة من قبل بعض المنتمين إلى الإخوان. بداية، اشتبك الحزانى على وفاة «الفاجومي» مع أنصار الجماعة، قبل أن يتفرّغ محبّو «الشاعر البندقية» لمتابعة أخبار الجنازة. وكان الحدث مناسبة ليتأكد كثيرون أنّ الحساب المنسوب إلى أحمد فؤاد نجم على تويتر الذي شارف على بلوغ نصف مليون متابع لا يخص الراحل. ورغم أنّ صاحب الحساب نفسه وابنة نجم الكبرى نوارة أكدا مراراً أن لا حسابات للشاعر على تويتر، استمر الإقبال على الحساب وتداول ما ينشر من تغريدات. الناعون عبر مواقع التواصل اختاروا إما كلمات ركزت على كونه الشاعر القريب من الناس، والعصامي، والمعارض لكل الأنظمة، أو مقاطع من قصائده. المطرب حمزة نمرة المنتمي إلى الإخوان قال: «مهما كان رأيه السياسي، تجبرك الموهبة الفنية الفذة على احترام وتقدير عم أحمد فؤاد نجم. تعلمت منه الكثير ولم أتشرف بمقابلته. رحمة الله عليك». المذيعة في «بي. بي. سي. عربية» رشا قنديل نعت نجم بكلماته، فكتبت: «مُر الكلام زي الحسام يقطع مكان ما يمر. أما المديح.. سهل ومريح. يخدع صحيح ويغُر. والكلمة دين من غير إيدين بس الوفا ع الحر». كذلك، سارع الشاعر أحمد شبكة إلى نشر قصيدة رثى فيها نجم: «جيفارا مات، وفاجومي عاش، أصل اللي زيّه حلمه لسّه مانتهاش، أصل اللي سمعه لسّة في حالة اندهاش، أصل اللي راح وياه في سكّة راح ماجاش، يبقى اللي يسأل عنه، قول له، فاجومي عاش»، من الوسط الفني، كتب خالد الصاوي الذي جسّد شخصية نجم في فيلم «الفاجومي» (2011) أنّ روح الشاعر العظيمة القوية شعرت بأنها أكملت رسالتها، واصفاً نجم بأنّه أكثر من شاعر واحد، وأنّ على الشعب أن يتأمل طويلاً في شخصية هذا «الهرم المصري». أما شيريهان، فغرّدت: «في رحمة الله وسلامة، يا من كنت للمصري صوتاً وكلمة حق. وليس فقط المصري بل الإنسان». وأخيراً، ودّعه الفنان السوري سميح شقير صديقه قائلاً: «وداعاً أخي وصديقي ورفيقي في رحلة هجاء الواقع ورفضه بحثاً عن واقع أكثر عدالة وإنسانية. وداعاً أحمد فؤاد نجم، وقد كنت شوكة في حلوق المستبدين، صديقاً للفقراء، جاعلاً من أكواخ مصر قامة في الروح تضاهي الأهرامات. بشعرك العاري من المداورة والزيف أزحت الستار عن ألم الناس وأحلام البسطاء ساخراً من السجون والسجان. عميقاً كالنيل كنت. وشامخاً كالمسلة، وكنت صديقي الذي يشعرني بأنّ القاهرة بيتي وبأنّ الشام تسكن في أحداق القاهرة، فوداعاً يا صديق العمر ولو الى حين». .. مات نجم: الله حي! رامي الأمين «شيوعي»، «تهمة» جاهزة لكل من يسمع أغنيات الشيخ إمام. وما أحلاها تهمة، حينما يقارنها المرء بـ «تهم» هذا الزمان التي لا تخلو من الطائفية والتعصب. و«الشيوعي» تستدعي تهمة ثانية جاهزة أيضاً: «كافر»، وفي رواية أخرى: «ملحد»، وأحياناً: «زنديق». وكل ذلك لأنك تستمع إلى الشيخ إمام يغني من كلمات أحمد فؤاد نجم. فالثنائي الذي افترق قبل وفاة إمام، بسبب الخلافات، كان «يوصم» بالشيوعية من قبل السلطة، ومن قبل المعارضات الإسلامية، وقد عبّر نجم خير تعبير عن هذه التصنيفات في قصيدته «ده شيعة واحنا سنة»، حين قال: «وناس تقول شيوعي وعامل نفسه شيعي، عشان خايفين طبيعي ليبقوا ثورتين». وهي عبارة تصح في أيامنا هذه رغم انقضاء سنوات طويلة على كتابتها من قبل نجم الذي أسلم روحه يوم أمس. في مجتمع طائفي، لطالما بدا الثنائي نجم وإمام نافراً، مستفزاً، ومدعاة نبذ من قبل الغالبية الساحقة التي لا تريد لأي تنوع أن يقلق راحتها. هكذا، قلّما تسمع في جيل الشباب من يستمع إلى الشيخ إمام، وبعض «التكفيريين» منهم يقول فيه ما لا يقال في الخمرة، ويدعون إلى اجتنابه. فيما تجتاح التفاهة، مدعّمة بجيوش من السطحيين، عالم الغناء، ولا تستفز جيلاً من الشباب المنقسم بين تيارين جارفين: الأول يمجّد التفاهة، والثاني يمجّد السلطة الدينية التي لا تقف بالمناسبة في وجه التفاهة، بل تذهب إلى حلف من تحت الطاولة معها. ويجتمع التياران بزخمهما لانتزاع كل ما يعارضهما من طريقهما. لكن في المرحلة «الذهبية» التي بزغ فيها نجم وإمام، استطاع اليسار أن يحتضنهما فنياً، وأن يسوّق لهما كما ينبغي، ولذلك الصقت بهما «تهمة» الشيوعية، نظراً إلى تبني الأحزاب الشيوعية لهما. لكن بعد انهيار الإتحاد السوفياتي، وتقهقر اليسار العالمي، ومعه «اليسارات» المحلية، بدأ تقهقر نجم والشيخ إمام، حتى وفاة الأخير عام 1995. مات اليسار، ثم مات الشيخ إمام، وأطال الله بعمر نجم، حتى شهد مفاصل تاريخية، منها تحرير الجنوب اللبناني، ومنها سقوط أنظمة عربية قمعية، فضلاً عن مئات آلاف الفيديو كليبات الهابطة والفتاوى المضحكة على الشاشات العربية، وتسنى له أن يصنع نجومية ما، عبر تقديمه برنامجاً تلفزيونياً على قناة «دريم»، ومن ثم مشاركته كضيف في العديد من البرامج التلفزيونية. ومع ذلك لم يعطه ذلك قدرة على إحياء الشيخ إمام، لا بل شكّلت بعض اطلالات نجم ومواقفه السياسية صفعة للشيخ في قبره. بقيت شعبية إمام ونجم محصورة باولئك الذين تلحق بهم «لعنة الشيوعية»، فمتى رضيت السلطة الدينية عنهما، شاع ذكرهما، ومتى حلّت اللعنة الدينية أو السلطوية عليهما، أعيدا بالقوة إلى زنازين النسيان. كان نجم يحاول دائماً أن يخرج من الزنزانة، عبر مهادنة هاتين السلطتين، لكنه كان يعود إلى رشده في كل مرة، ويخرج عليهما ويهاجمهما، فيعود إلى النبذ من جديد. بموت نجم، يتضاعف خطر شطب الذاكرة المتعلقة به وبالشيخ إمام. اليوتيوب يخفف قليلاً من سطوة النسيان. أغنيات الشيخ تتداول اليوم على الفايسبوك وتويتر كتحية له ولنجم، في مناسبة رحيل الأخير. لكن الخشية أن تسيطر «المناسباتية» على أغنيات هذا الثنائي، فتحيا في المناسبات، ثم تعود إلى عتمة قبرها في الأيام العادية. حينها لا تنفع الذكرى، ولا ينفع الندم. ولا يعود ينفع سوى التقرب إلى الله، لنردد مع الكافرين الزنادقة الملحدين الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم: الله حي، الله حي، وسّع سكّة يمرّ الضي... ..