الخيام نسخة تجريبية · Khiyam v2
أخبار وذاكرة ومجتمع
← الأرشيف

مأساة الغجر الذين لم يعوّض عليهم لا مادياً ولا أدبياً.. على عكس اليهود

2007/10/4 · · المقال رقم 1788
"الغجر بين المجزرة والمحرقة": كتاب يوثّق معاناتهم مدى قرون خلّفت ألمانيا النازية بعد هزيمتها عام 1945 أكثر من كارثة أبرزها مأساة الغجر الذين لم يعوض عليهم لا مادياً ولا أدبياً، على عكس اليهود الذين اهتموا بتوثيق معاناتهم من السياسة العنصرية. ففي كتاب "الغجر بين المجزرة والمحرقة"، للكاتب المصري رمسيس عوض الصادر عن المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة، أن بعض الفنانين والكتّاب أنصفوا الغجر بخلاف الكنيسة والدولة في أوروبا، وكذلك بعض علماء الانتروبولوجيا الذين يبحثون في أصول الاجناس، حتى أصبحت مأساة الغجر أكثر تعقيداً وتشعباً من اليهود، إذ لا ترتبط بنهج الزعيم النازي أدولف هتلر الذي حكم ألمانيا بقبضة من حديد منذ عام 1933، وإنما بتاريخ طويل من الاضطهاد والتمييز شاركت فيه معظم الدول الأوروبية. وورد في الكتاب ان الغجر يتحدرون من قبائل جوالة في شمال الهند، "ولكن المسلمين أغاروا عليهم ودمروا بلادهم وشتتوهم في أرجاء العالم". ورحلت موجة منهم إلى أوروبا قبل نحو ألف سنة، وتعرضوا لعداء الكنيسة ورجال الدين وبلغت قمة مأساتهم في الحرب العالمية الثانية حيث "أباد النازيون ربع مليون" منهم. وجاءت الإبادة النازية للغجر حصيلة قرون من التمييز، إذ "نص القانون الإنكليزي الصادر عام 1554 على قتل الغجر"، وأضافت فرنسا في القرن السابع عشر إجراءً "تعسفياً جديداً يتلخص في حلق شعر رؤوس النساء والأطفال". ولجأ بعض الدول إلى "ممارسات وحشية" لتمييز الغجر بقطع الأذن اليسرى أو اليمنى أو وسم الأجساد. وحوكم في المجر نحو 200 غجري عام 1782 "بتهمة أكل لحوم البشر". وشدد واضع الكتاب على أن مظاهر العداء الأوروبي للغجر امتدت إلى الكنيسة، فصدرت قوانين معادية لهم، واعتبروا "حشرات" بحسب ما وصفهم أحد القساوسة في القرن الثامن عشر. وأدت مشاعر العداء إلى ذيوع "شائعات عنهم بأنهم ذرية حواء التي ضاجعت آدم بعد موته فأنجبت منه أول غجري". وقال الكاتب انه كانت لبعض الفنانين مواقف إيجابية، منهم مؤلف رواية "دون كيشوت" الإسباني ميغيل دي سرفانتس (1547-1616)، فهو من أوائل الذين "مجّدوا حياة الغجر الذين يعيشون في أحضان الطبيعة" في كتابه "لا غيتانيلا". وأشاد الموسيقي الفرنسي جورج بيزيه (1838-1875) في أوبرا "كارمن"، التي قدمها للمرة الاولى عام 1850، بحياة الغجر الطليقة. وفي مقابل روح التسامح لدى الكتاب والفنانين، قال عوض إن "علماء الأجناس مهدوا بأفكارهم العنصرية لظهور التمييز النازي ضد الغجر، منهم عالم الأنتروبولوجيا إتش. غونتر في بحثه "أنتروبولوجية أوروبا" الذي "اعتبره النازيون كتابهم المقدس". وأجرى عالم الإتنيات روبرت ريتر أبحاثاً "عنصرية مسؤولة بشكل أو بآخر عن إبادة النازيين لهم". وأضاف أن العلماء النازيين وجدوا في الغجر ضالتهم لإجراء التجارب "على السلالات الدنيا"، وأن أبحاثاً نشرت منذ مطلع القرن العشرين عن التفوق العنصري الألماني وزادت حدتها بعد الحرب العالمية الأولى. ففي 1920 نشر اثنان من العلماء كتاباً عنوانه "اعتماد سياسة قتل من لا يستحقون الحياة". وقرأ هتلر عام 1923 وهو في السجن كتاب "الوراثة الإنسانية وصحة الأعراق"، وضمّن أفكاره في كتابه الشهير "كفاحي". وأشار الكاتب الى أن النازيين حين أدركوا خسارتهم للحرب دمروا الملفات التي توثق عنصريتهم، ونجح اليهود في الاحتفاظ ببعض الوثائق، في حين طوى الزمن مأساة الغجر بسبب أمية السواد الأعظم منهم. ومن المفارقات أن "اليهود هم الذين رووا للعالم مأساة الغجر، ولم يخرج من الغجر مثقف أو باحث يستقصي مصائرهم في معسكرات الاعتقال". ويعمل عوض أستاذا للأدب الإنكليزي في جامعة عين شمس وله نحو خمسين كتابا منها "برتراند راسل الإنسان" عام 1961، و"موقف ماركس وإنغلز من الآداب العالمية"، و"شكسبير في مصر"، و"جورج أورويل... حياته وأدبه"، و"من ستالين إلى غورباتشيوف".