عين الرمانة: بيجي الليل وبيحل ّ الويل
في ذاك الثلثاء الأسود لم يعد "من طوني تحت الشمس"! غيب الموت باكرًا ابن التسعة عشر ربيعا بعدما ذاق السم الأبيض ليسقي والديه علقم الحياة. ولتغرق عين الرمانة في حزن عميق على ابنها وغيره من شباب المنطقة الذين قضوا نتيجة الادمان على المخدرات.
كفيلة بتغييب الولد الشاب إلى الأبد. هو "كسر" قلب والديه باكر ًا بعدما ذهب ضحية إغواء المخدر : "فليت بكير يا ماما، الله يسامحك، بكرت كتير"! عبارة بالكاد تمكنت الوالدة المفجوعة من التلفظ بها أثناء تقبلها التعازي . الدار واسعة والمعزون كثر. هم أتوا لمؤاساة أهل الفقيد في مصابهم الأليم. كيف لا؟ وطوني "كان يحب الكل ّ ويساعد الكل ّ "! ولكن طوني لم يحب نفسه! لم يقاوم سحر المخدرات فانقلب السحرعلى الساحر وتحول السم الأبيض إلى آلة دمار ٍ حقيقية للولد وأهله.
قمر ٌ.... لم يكتمل!
يبقى فراق طوني نكبة والديه الكبرى ومنها تتفرع نكبتهما الثانية: هو وحيد! لا أخ أو أخت له... ر ّ بوه "بالشبر والنذر".... كان قد احتفل أوائل الشهر الجاري بعيد مولده. عيد مولد تخنقه أكثر من غصة. لم يكن مرتاح ً ا في ذاك اليوم وكأن قلبه حدثه بأن ساعته باتت وشيكة. هو بالكاد أكمل العشرين من العمر... سيبقى قمر العائلة الذي لم يكتمل!
الموت سبق كل المحاولات!
لم يوفر الأهل وسيلة للجم ولدهم عن تعاطي المخدرات. هم حاولوا إبعاده عن الموت فأدخلوه مراكز علاج من الإدمان ووصل بهم الأمر إلى إخضاعه لجلسات كهربائية قد تنسيه "تلك المادة الملعونة" ولكن الموت كان أسرع من كل المحاولات...
عشرون حبة ترامال)نوع من الحبوب المخدرة (و نصف إبرة هيرويين... وطوني مستلق ٍ على الأرض بعدما لفظ أنفاسه الأخيرة: مشهد حل كوقع الصاعقة على الوالدة المفجوعة لدى دخولها غرفة النوم لتفقد ولدها. هول الكارثة على قدر ما فجع الأم الثكلى "كسر" قلب الوالد أيضا: "بعدما بقي 11 شهر ًا في أم النور. كان صار أحسن. ولكن ما إن عاد إلى الحي ّ ورأى أصدقاءه مجددًا حتى عاود تعاطي المخدرات.
أولاد الحرام كثر. طوني تحسن. خرج يوم الإثنين من دير الصليب. الإثنين نام في المنزل. الثلثاء نام في البراد"!
صحيح أن طوني رحل. رحل ككثرغيره من الشباب. هم بكروا في الرحيل رغم أن الحياة تليق بهم.
رحيلهم يترك في القلب غصة مضاعفة: فراغ جسدي ونفسي كبير في قلوب محبيهم ! ترامال، كوكايين، هيرويين، دولسانا) دواء ضد السعال (... تتعدد الاسماء والموت واحد: شباب يسقطون كالعصافير الواحد تلو الآخر...
لا حسيب أو رقيب!
طوني ليس الحالة الاولى في منطقته في عين الرمانة. درب الموت سبقه إليه شبان كثر من اتراب جيله. شبان ومراهقون وصغار "يسرحون ويمرحون" لي ً لا في الشوارع بلا حسيب أو رقيب وفق روايات بعض سكان المنطقة. "يحل ّ الليل يحل ّ الويل!" تقول فيفيان ( من سكان المنطقة): " نحن نرى أولاد تتراوح أعمارهم بين 8 و 14 سنة يقبعون على أرصفة الطرقات بعد منتصف الليل، يدخنون، يتعاطون المخدرات، يشربون الكحول. أنو وين صرنا يا عالم . في أي عصر نحنا؟" قبل أن
تقاطعها أختها لتعقب على حديثها قائلة: "شي مش طبيعي. أولاد بعمر 12 و 14 سنة يشكون حقنا ً مخدرة في أعناقهم وأجفانهم!" رأي ثالث، يرويه إيلي: "في كل يوم أرى في أزقة المنطقة الضيقة مجموعة من الاولاد تتراوح أعمارهم من 9 إلى 14 سنة يضعون "الحلق" في آذانهم ويتبدلون الكلام البذيء والأحاديث النابية... نحن نطالب بتكثيف الدوريات الامنية ليلا ً ونهارًا فما كان يحدث سرا ً في الليل بات يحصل اليوم في وضح النهار. حرام أولاد في مثل هذه الأعمار تروح هيك!".