مخاوف من تفاعلات مسيحية للفراغ والوسـاطــات مشلــولــة في انتظـــار أنـابـوليس
عون يعتبر الرابية لا بكركي المرجعية السياسية
مع دخول حقبة الفراغ الرئاسي يومها الثالث، عاد الغموض سيد الموقف من حيث الاحتمالات "المتربصة" بموعد التأجيل الخامس لجلسة الانتخابات الرئاسية والمحدد في 30 تشرين الثاني الجاري، وسط اجواء لا تشجع على التفاؤل بامكان التوصل الى توافق قبل هذا الموعد ينتشل البلاد من الازمة الكبيرة التي تعانيها.
ذلك ان اليومين الاخيرين شهدا شللاً تاماً للمبادرات والوساطات والاتصالات بدت معه مختلف القوى السياسية كأنها تجري مراجعات لمرحلة الاخفاق في التوصل الى توافق والتحضير للمرحلة الفاصلة عن اعادة اطلاق المساعي، ربما بشروط وعوامل جديدة مختلفة عن السابق. وعلى رغم تركيز المواقف السياسية المعلنة على اهمية التعجيل في انتخاب رئيس للجمهورية وتجنب الانعكاسات الخطرة للفراغ الرئاسي على كل المستويات السياسية والاقتصادية والامنية، فان المعطيات المتوافرة لدى فريقي الغالبية والمعارضة لا تشير الى اي امكان لحل سريع قبل اسابيع، مما يعني ان خلو الساحة السياسية من الوسطاء الاوروبيين والعرب سيترك "عهد الفراغ" يتمادى الى مدة غير قصيرة.
وقالت مصادر سياسية مطلعة لـ"النهار" مساء أمس، ان الجميع ينتظرون اجتماع انابوليس ولن يكون هناك أي تحرك جدي قبل اتضاح نتائج هذا الاجتماع وانعكاساته على الوضع في لبنان. واوضحت ان ازمة الفراغ الرئاسي شكلت تطوراً خطيرا من حيث ربط الوضع اللبناني مجددا بالقوى الاقليمية والدولية، مشيرة خصوصا الى ترقب كبير لتطورات العلاقة بين الولايات المتحدة وسوريا في هذا المؤتمر وما يمكن ان تفضي اليه من انعكاسات على لبنان. واضافت ان بعض الاتصالات التي اجريت عقب خلو سدة الرئاسة في محاولة لانعاش المشاورات الداخلية لم تؤد الى اي نتيجة اذ تبين من خلالها ان ثمة معطيات جديدة لدى طرفي النزاع لا تسمح الآن بالخوض مجددا في اسماء المرشحين المثبتين في لائحة البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، وان تلميحات بدأت تصدر من بعض الجهات الى طرح اسماء جديدة في مرحلة التفاوض المقبلة، علما ان صفير الذي ينقل زوار بكركي انه يفصح امامهم عن مرارة وسخط كبيرين حيال ما جرى، لن يكون في وارد الخوض تكرارا في اي اسماء تتجاوز لائحته وان يكن لا يمانع في تداول اسماء اخرى.
ولفتت في هذا السياق الى ان الحركة التي يزمع رئيس "تكتل التغيير والاصلاح" العماد ميشال عون القيام بها بدعوته السياسيين المسيحيين والاحزاب والهيئات النقابية والاقتصادية المسيحية الى مشاورات لثلاثة ايام في الرابية توحي بأن المشهد المسيحي مقبل على تفاعلات قوية غداة حصول الفراغ الرئاسي الذي يتقاذف اطراف النزاع المسؤولية عنه. ولم تكتم تخوفها من مزيد من التعقيدات التي قد تبرز في وجه اي محاولات توافقية جديدة مع شلل الوساطات من جهة واحتدام المواقف السياسية من جهة اخرى على النحو الذي رسمته بعض المؤشرات في اليومين الاخيرين.
وفي هذا الاطار اعتبر "حزب الله" في اول موقف له بعد نشوء الفراغ الرئاسي ان "لبنان دخل في فراغ مزدوج هو فراغ الحكومة والرئاسة اي انه من دون سلطة تنفيذية". واعلن نائب امينه العام الشيخ نعيم قاسم ان "مسار الحل اصبح واضحاً ومعروفاً، اذ ان موقف الجنرال عون هو نقطة ارتكاز اساسية لاي حل ومن دون العودة الى نقطة الارتكاز هذه لا امكان لتجاوز هذا الموقع الاساسي في البلد". ووصف "كل محاولة لتجاوزه" بأنها "وهم وعبثية وتضييع للفرص".
اما المواقف التي اعلنها العماد عون ليلاً في حديثين تلفزيونيين، فرسمت ملامح غيوم ملبدة بينه وبين بكركي وخصوصاً مع اعتباره ان اسمه "ادرج في لائحة البطريرك من اجل حذفه". وفي ما يؤكد ان المشاورات المسيحية الواسعة التي دعا اليها في الرابية لثلاثة ايام تهدف الى تثبيت "مرجعيته السياسية" للمسيحيين، قال عون: "بكركي تلعب دور الاستشارة السياسية فهي ليست المسؤولة السياسية الاولى لدى المسيحيين بل الرابية". ورأى ان البطريرك "يسمع جيداً لكنه لا يتكلم فهو يعرف من عرقل اللقاء المسيحي وتقع عليه مسؤولية اعلان ذلك ويجب الا تغيّب بكركي الحقيقة بينما الشارع المسيحي ينتظر منها ان تعلن من عطّل اللقاء والتوافق المسيحي". واذ اعتبر ان "الفراغ مطلب اميركي" تساءل: "كيف يقبلون التسمية من البطريرك ويرفضونها ممن يمثل الاكثرية المسيحية اي البطريرك السياسي في الشارع المسيحي؟".
واعلن انه طلب من النائب سعد الحريري "ان نتكامل ونلعب دوري بشارة الخوري ورياض الصلح لننقذ لبنان، فأجابني "بس الناس ما بيحبوك"، فلم يكن مني الا ان اجبته "انت ايضاً ما بيحبوك الناس". وعندما طرحنا ان نسمي (مرشحاً) آخر قال افضل بند في المبادرة ان العماد عون سحب ترشيحه".
ودعا عون النائب وليد جنبلاط الى "الاعتذار عملياً عن افعاله واقواله قبل لقائي به فهو كان احد المسببين الكبار في عملية ابعادي عن الوطن منذ 17 عاماً". وخلص الى ان سلوك الرئيس السابق اميل لحود "شكل غطاء لحكومة فؤاد السنيورة".
وكان البطريرك صفير قال في عظة الاحد الاولى التي ألقاها بعد فراغ سدة الرئاسة "اننا اصبحنا في فترة انتقالية قد تقودنا الى الاستقرار كما قد تقودنا الى الفوضى والاقتتال". وطالب الجميع "ان يبرهنوا عن رصانة وجدية ووطنية صادقة". واضاف ان "تبوؤ المراكز العالية ما كان يوماً ارضاء للانانية والمجد الباطل بل لخدمة الشعب (...) عسى ان يلهم الله من يتوقون بأنظارهم وقلوبهم الى تبوؤ منصب رئاسة جمهورية لبنان ان يعوا هذه الحقائق البديهية ويتصرفوا بوحيها".
في غضون ذلك، نفى وزير الخارجية السوري وليد المعلم وجود اي صفقة لتسهيل مهمة قوى 14 آذار في الانتخابات الرئاسية في لبنان في مقابل ادراج قضية الجولان على جدول اعمال اجتماع انابوليس للسلام المنتظر عقده غداً في الولايات المتحدة. وقال في مقابلة مع قناة "الجزيرة" الفضائية القطرية ان "سوريا لا تعقد صفقات على حساب الحقوق العربية او مواقفها"، وان دمشق "تبذل جهوداً مضنية مع الفرنسيين" من اجل التوصل الى مرشح توافقي للرئاسة في لبنان وانتخابه وفق الدستور اللبناني بمعزل تام عما يجري في اجتماع انابوليس. واكد المعلم ان "لا علاقة مباشرة او غير مباشرة لسوريا بالعماد ميشال عون"، وان لا علاقة لمبادرة عون باجتماع انابوليس، واعتبر ان تنحي الاخير عن ترشيحه "موقف وطني سام يجب ان يقدّر عالياً له".