"الجمهور" يحب وهاب والشتيمة
يُقدّر وئام وهاب، الوزير المجهول في حكومة عمر كرامي في العام 2004، على اختراقه المجال السياسي في سرعة قياسية. وإذا كانت قلة قليلة تعرف ما كان يفعله قبل تعيينه وزيراً للبيئة، فإن وهاب ابن لحظة اختلال المجال السياسي، التالية على توليه الوزارة، أي اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري. فالمجال السياسي في تلك اللحظة خسر العديد من ضوابطه ودخله أفراد- كما الحشود في التظاهرات- مدججون بحدة المرحلة. وفيما أُفرزت وظائف جديدة، نُصّب وهاب بوقاً برتبة وزير، لا يملك سلطة ولا نفوذاً، لكنه يقول ما لا يُقال.
لكن وهاب، الذي أعلن مؤخراً أن 20 تشرين الثاني هو موعد استقبال طلبات الانتساب إلى سراياه العسكرية الجديدة (سرايا التوحيد)، كان أكثر موهبة من زملاء له، ظهروا في الاختلال، وبقيوا في موقعهم الدوني. ولا علاقة لذلك، على الأرجح، بتأسيسه تيار التوحيد في العام 2006، أي مأسسة حضوره السياسي، الذي تحول لاحقاً، اتساقاً مع تطور تمثلات وهاب وفهمه دوره، إلى حزب التوحيد العربي.
والحال أن وهاب، في حضوره التلفزيوني، أقله، تحول من بوق إلى حامل رسائل، وإن كان في ذلك مبالغة في توصيف دوره وحجمه. لكن الأكيد أن كلامه صار يؤخذ على محمل الجد، وهو من الأكثر مشاهدة تلفزيونياً. وهذا ما يحمل مفارقته في سيرته. ذلك أن أسهمه ارتفعت عند جمهور المشاهدين، وهم من جمهور مموله حزب الله في الغالب، وهو جمهوره المستهدف، حين شتم ساخراً المحكمة الدولية. أي حين قال كلاماً لا يستحق الانتباه في السياسة، إلا أنه، بشكل أو بآخر، يعبّر عن حال السياسة.
ووهاب منذ استقرار منصبه، سياسياً من الصف الثاني وحامل رسائل، غادر أسلوب الشتم الفج، وإن كان جمهوره يتوقع منه ذلك، دائماً. أو حتى يطلبه. وهذا ما يبدو كثير الذكاء، تسويقياً. ذلك أن اللحظة المؤسسة لا يمكن أن تُعاد بالطريقة نفسها، وإن كانت مرغوبة، بل تُستعاد وتُحمّل خيالات وتهويمات لا تنتهي. وهذا ما يمكن أن يُقال عن الفنانين والأدباء، بلا قياس أو تشبيه. لكن وهاب، في آخر المسألة، وفي دوره المحدود في السياسة، لا يبدو غير مؤدٍّ جريء وصريح. أي أنه، بوعي أو من دونه، تمكن من تجاوز انغلاق المجال السياسي الرئيسي، بالأداء المغاير. والسياسة، المعطلة عندنا، ليست غير أداء تلفزيوني.
على أن درزية وهاب لا تبدو قليلة القيمة، خصوصاً في سعيه الواضح إلى إبراز "مكانته" بين أهله. كأنه ينفي، دائماً، أنه ينطلق إلى جمهوره الذي ينتمي إلى مذهب آخر من فراغ مذهبي. وهذا التفارق الأساس عن زملاء له في المرحلة البوقية، عدا السمات الشخصية، وإن بدا نفوذه هزيلاً مقارنة بمن يظن أنه ينافسه، أي وليد جنبلاط. وهي منافسة تبدو مزاحاً يعرف وهاب كيف يحوله مادة سياسية. كأن يقول إنه سيطلق جناحاً عسكرياً، آخر، موجهاً إلى الدروز في زمن قلقهم المتفاقم، ويفتح باب الانتساب والتدريب، ليقف إلى جانب الجيش والمقاومة. وهذه معجزة، في الصراحة والتبجح، لا ينتجها غير مؤدٍ يعتقد أن السياسة عرض فني، أي قول وحركة لا أثر لهما.
صحيفة المدن