الديون المستحقة للمتعهدين بملايين الدولارات
يروي المهندس المدني إيلي (اسم مستعار لأنه فضل عدم ذكر اسمه) أنه قصد الجنوب من أجل العمل في إعادة بناء المنازل التي دمرتها إسرائيل، واشترى من أجل ذلك معدات، لكي يتولى عملية البناء تصميما وتنفيذا.
عمل أولا في بلدة صريفا، فأشرف على بناء سبعة عشر منزلا، ودفع قسما من ثمن مواد البناء من رأسماله الخاص، على اعتبار أن أصحاب المنازل تقاضوا الدفعة الأولى من التعويضات، وسوف يسددون ثمن المواد من الدفعة الثانية المفترض أنها على الطريق. لكن الدفعة الثانية لم تصل حتى اليوم، فبقي له مبلغ سبعين ألف دولار في ذمة اصحاب المنازل، بانتظار تسديدها، وقد تبنت السعودية إعمار بلدة صريفا، لكن التعويضات تدفع عن طريق الهيئة العليا للاغاثة.
انتقل إيلي من صريفا إلى عيناتا، وفتح سبع ورش بناء، مستندا إلى أن دولة قطر تبنتها، وهي الأكثر سرعة في دفع التعويضات. لكن الدفع توقف فجأة في تموز الماضي، كما قال إيلي، وأرجأ أصحاب المنازل دفع أجور بناء منازلهم من تموز إلى آب، ثم أيلول، وتراكمت الديون حتى اصبح له في ذمتهم مئة وخمسين ألف دولار. استدان قسما من تلك الأموال من أحد المصارف من أجل استكمال الورش، وسدد عنه والده مبلغ ثمانين ألف دولار بدل مواد بناء.
بعد ذلك انتقل إلى كونين، لكنه تاب عن العمل في منازل تخضع لنظام التعويضات، وهو يعمل حاليا في بناء أربع فيلات، موضحا أنه يعرف مهندسا آخر لديه ديون في ذمة أصحاب المنازل تصل إلى نصف مليون دولار.
يقول إيلي إنه يوجد تجار مواد بناء باعوا للمتعهدين مواد بمبالغ تراوحت بين مليون ومليون ونصف مليون دولار، وفجأة توقف تسديد الأموال، لأن المتعهدين لم يتقاضوا أموالهم من اصحاب المنازل.
ويوضح أن تجار مواد البناء يحصلون عادة أرباحا تتراوح ما بين العشرة والخمس عشرة بالمئة، لكنهم استغلوا في بداية مشروع الاعمار حصول المواطنين المتضررين على التعويضات وحاجتهم إلى البناء، فارتفع سعر طن الحديد عن السعر العالمي مثلا ثلاثمئة دولار. وصل عالميا إلى سعر سبعمئة دولار وفي لبنان إلى ألف دولار، فيما ارتفع سعر طن الترابة الذي يصنع في لبنان من ستين دولار إلى مئة وثلاثين دولارا. ثم تراجع بعد ذلك سعر الحديد وعاد الى سبعمئة وخمسين دولارا، والترابة إلى تسعين دولارا. مضيفا أنه في بلد مثل لبنان يتبع النظام الاقتصادي الحر فإن التجار الكبار يحصلون أرباحا كبرى بوصفهم يتحكمون باسعار سوق الشراء والمبيع.
كما ساهم في تفاقم الازمة بناء عدد كبير من المواطنين المتضررين منازل أكبر من السابقة، من دون أن يحسبوا في البداية ما إذا كانت تلك المنازل دائمة أم لا، وقام عدد من الذين حصلوا على بدلات أكثر من وحدة سكنية ببناء منازل خاصة لاولادهم في أراض يملكونها، الأمر الذي أدى إلى اتساع حجم البناء في القرى.
ويشير إلى أن منطقة جنوب الليطاني غير ممسوحة عقاريا، الأمر الذي يؤدي إلى عدم بروز حجم المشكلة قبل حصولها.
ويرتبط بحركة الاعمار عدد من المهن التي يتاثر أصحابها بتلك الحركة، صعودا أو هبوطا، وهم في البداية. المهندسون، معماريون ومدنيون، نجارو البطون، معلمو بناء حجر الخفان، وتلبيس الحجر، الوراقون، العاملون في مجال التمديدات الصحية والكهربائية، الدهانون والبلاطون ونجارو الخشب والألمينيوم والحديد، ومن بينهم أصحاب معدات الحفر وبائعو مواد البناء وناقلو المياه لورش الاعمار.
تقف خلف هؤلاء، العائلات التي تعتاش من بيع المواد الغذائية، وهناك مطاعم صغرى فتحت من أجل إعداد وجبات طعام للعمال، لأن عددا كبيرا منهم يقطن خارج المناطق المتضررة، أو جاء من خارج لبنان. كما فتحت محلات لاستخدام أجهزة الكومبيوتر والانترنت.