جريدة النهار: الدخان الأبيض تصاعد ليلاً وقائد الجيش إلى الرئاسة بلا تعديل دستوري
موفد فرنسي الى بيروت حاملاً "الضمانات" ورايس تستعجل انتخاب المرشح "الذي يريده اللبنانيون"
الدخان الأبيض تصاعد ليلاً والجلسة التاسعة حاسمة
قائد الجيش إلى الرئاسة بلا تعديل دستوري
هل تشهد الجلسة التاسعة لمجلس النواب اليوم، في اطار الجلسات المؤجلة تباعا منذ بداية المهلة الدستورية للاستحقاق الرئاسي في ايلول الماضي، النهاية السعيدة للازمة الطويلة وللفراغ الرئاسي في يومه الرابع والعشرين وينتخب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية؟
على نحو مفاجىء، وخلافا للمناخ الاعلامي والسياسي الظاهر الذي حفل في اليومين الاخيرين بتصعيد في السجالات بين الغالبية والمعارضة عموما وبين نواب من كتلتي الرئيس نبيه بري والنائب سعد الحريري خصوصا، برزت ليل امس ملامح تسوية دستورية لمأزق التعديل الدستوري الضروري لانتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية. وفي حين كانت كل المعطيات تتجه نحو توقع ارجاء تاسع للجلسة المحددة في الثانية عشرة ظهر اليوم في مجلس النواب، لم يعلن فريق الغالبية مقاطعته للجلسة اسوة بما فعله الاسبوع الماضي، ولم يصدر تاليا بيان عن رئاسة المجلس بارجاء الجلسة.
وبعد ساعات من مغادرة مساعد وزيرة الخارجية الاميركية لشؤون الشرق الاوسط ديفيد ولش بيروت متوجها الى باريس من طريق لارنكا لموافاة الوزيرة كوندوليزا رايس التي تشارك في مؤتمر المانحين للسلطة الفلسطينية، تحدثت مصادر واسعة الاطلاع في بيروت الى "النهار" عن تعاظم الضغوط الدولية لاجراء الانتخاب الرئاسي وبلوغها حدا غير مسبوق يذكر بالمناخ الدولي الذي واكب التمديد للرئيس اميل لحود وأفضى الى صدور القرار الدولي 1559 قبل ثلاث سنوات. وكشفت المصادر ان الضغوط مورست في كل الاتجاهات وخصوصا على سوريا، كما ان اتصالات سرية انطلقت في بيروت بحثا عن مخرج اللحظة الاخيرة، خصوصا ان المعطيات كانت تنبئ بان شيئا ما سيصدر اليوم من باريس على هامش مؤتمر المانحين ويرجح ان يصدر على لسان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي شخصيا عقب محادثات سيجريها مع رايس والامين العام للامم المتحدة بان كي – مون ووزراء عرب واوروبيين مشاركين في المؤتمر.
تفسير الدستور
غير ان المفاجأة المحلية برزت في وقت متقدم ليلا مع اعلان مصدر بارز في قوى 14 آذار لـ"النهار" ان نواب الغالبية قرروا حضور الجلسة النيابية اليوم، مشيرا الى ان فرص التوصل الى اتفاق تتزايد وان الجهود مستمرة لبلورة هذا الاتفاق مع ساعات الصباح الاولى التي تسبق انعقاد الجلسة. وقال ان صيغة جرى العمل عليها طوال نهار امس وحتى المساء تقضي بان يعقد مجلس النواب جلسة لتفسير الدستور بحيث تعتبر المهل الدستورية المتصلة بالاستحقاق الرئاسي ساقطة نتيجة الفراغ الرئاسي ولا لزوم تاليا لتعديل الدستور، مما يتيح للمجلس انتخاب العماد سليمان رئيسا للجمهورية من دون تعديل دستوري، الامر الذي يزيل اشكالية مرور التعديل بالحكومة.
ومع أن عددا من النواب لم يستبعد انتخاب العماد سليمان في الجلسة نفسها اذا كرس هذا المخرج، فان هذا الاحتمال لم يتأكد في انتظار معرفة ردود فعل اطراف المعارضة على الشق السياسي الملازم للمخرج الدستوري.
واوضح المصدر البارز ان العقبة التي اعترضت الاتصالات امس تمثلت في اشتراط المعارضة موافقة الغالبية على صيغة للحكومة الجديدة على اساس توزيع 17 مقعدا للغالبية و13 للمعارضة بما يتيح للاخيرة الحصول على الثلث المعطل. لكن قوى 14 آذار رفضت ذلك وقالت انه اذا كان ثمة تنازل سيحصل فهو سيكون للرئيس الجديد، لكنها ابدت انفتاحها على البحث في المخرج الدستوري خارج اطار الحكومة، وطرح المخرج المتصل بعقد جلسة لتفسير الدستور بما يغني عن اي مشروع تعديل يأتي من الحكومة او اقتراح تعديل ينطلق من مجلس النواب.
وعلمت "النهار" في هذا السياق ان النائب ميشال المر والنائب بهيج طبارة اضطلعا بدور محوري في البحث في المخرج الدستوري.
وقال المصدر البارز في قوى الغالبية ان كل الاجواء المفتعلة في الايام السابقة والتي تحدثت عن موافقة الغالبية على صيغة 17 – 13 في الحكومة وعلى توزيع المناصب الاساسية في الدولة من قيادة الجيش الى المجلس الدستوري وسواها لم تجد نفعا في حمل الغالبية على الموافقة على اي شروط مسبقة قبل تعديل الدستور وانتخاب العماد سليمان. واضاف ان النائب سعد الحريري كان وجه كتابا خطيا الى الفرنسيين تعهد فيه امرا واحدا هو تهيئة الاجواء الملائمة امام رئيس الجمهورية المنتخب فور انتخابه لاجراء استشارات من اجل حكومة تتمثل فيها الكتل النيابية وتقوم بكل ما يلزم لتحقيق الوفاق بما فيه وضع قانون انتخاب عادل ومنصف لاجراء الانتخابات النيابية في موعدها. وطالب الحريري خلال الزيارة الاخيرة لوزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير لبيروت باعتماد القضاء دائرة انتخابية في القانون الجديد. لكن المصدر اشار الى ان الرئيس بري لم يتعهد بدوره اعتماد القضاء ورأى انه كما يجب عدم الزام رئيس الجمهورية موضوع الحكومة قبل الاستشارات النيابية الملزمة، يفترض عدم الزام المجلس والحكومة الجديدة موضوع القضاء سلفا. واهكد ان قوى 14 آذار لم توافق على صيغة 17- 13 ورفضت سلب رئيس الجمهورية صلاحياته بشروط مسبقة وتعيينات، وانها مع ضرورة ان يكون للرئيس الجديد كتلته الوزارية في الحكومة ليكون قوياً بحيث لا يكون للغالبية اكثرية الثلثين وللمعارضة الثلث المعطّل.
مبعوث الاليزيه
ومن مراسل "النهار" في باريس ليل امس ان الاليزيه اوفد مبعوثاً الى بيروت ينتظر ان يصل اليها في ساعة مبكرة اليوم.
وقالت مصادر سياسية لبنانية ان الامين العام لقصر الاليزيه كلود غيان غادر باريس ليلاً في طريقه الى بيروت نتيجة اتصالات "استثنائية" ضاغطة اجرتها فرنسا مع سوريا، وادت على ما يبدو الى حصولها على تأكيد سوري لتسهيل الحل بالضغط على حلفائها لانتخاب العماد سليمان من دون شروط مسبقة، على ان تتولى فرنسا اعطاء الضمانات اللازمة للمعارضة من حيث تأليف الحكومة الجديدة ومطالبها الاخرى.
وجاء في بيان صادر عن قصر الاليزيه امس ان ساركوزي سيجتمع بعد ظهر اليوم برايس ليبحث معها في اهم المواضيع الدولية ومنها الوضع في لبنان. وسيعقد اجتماعاً ظهراً مع الامين العام للامم المتحدة لعرض التطورات على الساحة الدولية.
وصرحت رايس بأنها ستتحدث عن الوضع في لبنان على هامش المؤتمر الدولي للمانحين من اجل الدولة الفلسطينية اليوم في باريس. وقالت في الطائرة التي نقلتها الى باريس: "آمل في ان تسنح لي الفرصة للتحدث مع وزراء الخارجية المعنيين على هامش المؤتمر". ولم تذكر وزراء الخارجية الذين ستتحدث معهم عن لبنان. ودعت البرلمان اللبناني الى الاجتماع وخصوصاً بعد الاتفاق الذي حصل بين الغالبية النيابية والمعارضة على قائد الجيش العماد ميشال سليمان كمرشح توافقي.
واضافت ان "انتخاب هذا المرشح اذا كان هو من رسا عليه التفاهم يجب ان يحصل"، مبرزة "ضرورة ان يحصل من دون تهديد، يجب ان يحصل من دون تدخل خارجي". ولم تشر علناً الى اغتيال اللواء الركن فرنسوا الحاج.
وقالت رايس ايضاً: “على جيران لبنان وخصوصاً سوريا ان يشجعوا حلفاءهم وان يطلبوا منهم الكف عن البحث عن الاعذار لعدم التقدم"، في اشارة خصوصاً الى نواب "حزب الله" الذي تعتبره واشنطن منظمة ارهابية. وشددت على ان "اللبنانيين يريدون ان ينتخب رئيسهم"، وانه "لا يجوز ان ترفض ارادتهم هذه".
كوشنير
وكان وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير توقع قبل ذلك ارجاء جديداً للجلسة المقررة اليوم لانتخاب رئيس لبناني مقللاً اهمية هذا الاخفاق المتكرر. وقال في مقابلة مع محطة "جي" الاذاعية الفرنسية: "اعتقد انه سيرجأ انتخاب (الرئيس اللبناني) مرة جديدة".
وسئل هل هو "متفائل" بامكان انتخاب رئيس جديد اليوم، فأجاب: “كلا. لكنه سعى الى تقليل اهمية الارجاء الجديد، في حين كان الرئيس الفرنسي اكد الجمعة ان الاثنين (اليوم) هو "يوم الفرصة الاخيرة" ليتجاوز لبنان ازمته السياسية.
ورأى كوشنير الذي زار لبنان سبع مرات خلال الاشهر الاخيرة في محاولة لمعالجة المأزق السياسي ان "لا فرصة اخيرة اطلاقاً في لبنان. ستكون هناك فرص اخرى... من تأجيل الى آخر، تراجعنا اكثر مما تقدمنا ولكن مع ذلك لا كارثة حتى الآن ولا مواجهات حتى الآن".
السعودية وسوريا
ومن المؤشرات الخارجية اللافتة ايضاً عشية الجلسة النيابية، برزت حملة حادة في عدد من الصحف السعودية امس على نائب الرئيس السوري فاروق الشرع، اعتبرها المراقبون انعكاساً للتأزم الشديد بين السعودية وسوريا حول الملف اللبناني.
وفي ما وصف بأنه هجوم غير مسبوق على الشرع، ذهبت صحيفة "عكاظ" السعودية الى وصف نائب الرئيس السوري بأنه "اخطر" على الامة العربية من اعدائها انفسهم. وقالت ان الشرع "لم يخف رغبة دفينة في استمرار الازمة اللبنانية واستمرار الفراغ الدستوري الذي تعانيه بيروت منذ اكثر من اسبوعين"، واتهمته بتحريض الاطراف اللبنانيين بعضهم على البعض.
كما قالت صحيفة "الشرق الاوسط" ان الشرع "يستحق عن جدارة لقب فاروق الشرخ... لانه ما ان يتحدث في السياسة الا يحدث شرخاً في العلاقات العربية العربية".
واعتبرت صحيفة "الوطن" ان الشرع "فضح دوره ودور زملائه في لبنان حينما اكد انه وحلفاءه اقوى من اي وقت مضى حيث كشف ضمناً من يخرّب عملية انتخاب رئيس للبنان".
طهران
وفي المقابل شددت وزارة الخارجية الايرانية على ان حل الازمة اللبنانية يجب ان يكون لبنانياً لان التدخلات الاجنبية تعقد المشكلة. ونقلت وكالة الجمهورية الاسلامية للانباء "ارنا" الايرانية عن الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية محمد علي حسيني رداً على سؤال يتعلق باتهام زعيم "القوات اللبنانية" سمير جعجع ايران وسوريا بالتدخل في شؤون لبنان: “اننا ندعم الاتفاق والوفاق الوطني بين التيارات والشخصيات اللبنانية... اننا نعتبر ان حل الازمة اللبنانية يجب ان يكون لبنانياً".
واضاف: “اننا نعتقد ان تدخل الدول الاجنبية سيزيد الازمة تعقيداً" وان "ما قامت به ايران في المجال الديبلوماسي يعتبر خطوة لتقريب وجهات نظر الزعماء السياسيين".