العلامة فضل الله في خطبة العيد:التوافق المتين يؤسس لاستقلال حقيقي
نلمح عودة للأدوار الدولية التعطيلية على حساب تلك الساعية للحل
أمريكا لا تريد لأحد أن يسجل عليها أنها خسرت رهاناتها في لبنان
رأى العلامة السيد محمد حسين فضل الله في خطبة عيد الأضحى في مسجد الإمامين الحسنين صباح اليوم أن "هذا العيد الذي أراد الله فيه للحجاج وغيرهم أن يقدموا الذبائح لإطعام الفقراء والمساكين، ومحطة لتقوية عنصر التقوى بالتقرب إلى الله، تحول لدى بعض الذين يستحلون دماء المسلمين والمسالمين إلى فرصة لذبح الناس وارتكاب المجازر في الآمنين، من خلال العصبيات التكفيرية والذهنيات المتخلفة، حتى أصبح أكثر من بلد إسلامي لا يأمن فيه الإنسان على نفسه ممن يفترض أن يعيشوا الأخوة الإيمانية مع سائر المسلمين والروح الإسلامية المنفتحة على الآخر، وأن يتحركوا بهدي من روحية هذا العيد الذي انطلق ليكون عيد وحدة يلبي فيه المؤمنون نداء ربهم، ليعتصموا بحبله جميعا ولا يتفرقوا".
وقال: "نسأل الله في هذا العيد أن يلهم القائمين على الشؤون الشرعية أن يوحدوا رؤيتهم الاجتهادية، سواء لجهة الشروط الشرعية أو لجهة الاعتماد على الحساب الدقيق، من أجل توحيد بدايات الشهور في كل العالم الإسلامي ولا سيما أن المسألة ليست مسألة اجتماعية بحتة، وإنما مسألة تتصل بالجانب الشرعي لتكليف الناس. ومن جانب آخر، فإن العالم الإسلامي الذي يبلغ عدد سكانه المليار والنصف، لا يزال في موقع الضعف والتمزق أمام المستكبرين الذين يسيطرون على مقدراته السياسية من خلال سعي الحكومات المهيمنة على بلاد المسلمين الخاضعة للاستكبار لإبقاء الأوضاع الإسلامية في دائرة الخضوع والسيطرة، بعيدا من مواقع القوة في حركتها من أجل تقرير مصيرها في قضاياها الحيوية. أما من الناحية الاقتصادية، فإن كل الموارد التي تملكها الأمة من ثروات طبيعية في داخل الأرض وفي خارجها، ومن مواقع استراتيجية مهمة، باتت تحت سيطرة القوى الاستكبارية، أما ثروات الأمة النقدية فتختزنها مصارف الدول المستكبرة من أجل استثماراتها التي قد تستغلها الصهيونية من جهة، والدول الكبرى من جهة أخرى".
أضاف: "كل ذلك يجعل العالم الإسلامي الذي تعاني شعوبه الفقر والحرمان مضطرا إلى الاقتراض من المستكبرين بفوائد مرتفعة وشروط مدمرة والتزامات ثقافية وتربوية واجتماعية وسياسية، الأمر الذي يجعل هذه الشعوب لا تستفيد من الدول التي تسمي نفسها دولا إسلامية، بل إنها، أي هذه الدول، تمنح قوتها الاقتصادية للمستكبرين. وتتضخم المشكلة الإسلامية في الاحتلال الذي يسيطر على شعوبها ليستغل كل أوضاعها السياسية والاقتصادية والأمنية، وينشر الفوضى في كل مواقعها ويستخدم مقدراتها لتنفيذ مشاريعه التي تنتج الأزمات الكبرى في كل منطقة من مناطقها، ويستغل احتلالها ليكون جسرا يعبر عليه إلى مصالحه الاستراتيجية، هذا إلى جانب الضحايا التي تتساقط في كل يوم بالعشرات أو المئات في شكل مباشر أو غير مباشر. وهكذا تتطور المسألة لتخلق الفتن والحروب والاهتزازات الأمنية للسيطرة على منابع النفط أو المواقع الاستراتيجية في هذا البلد أو ذاك، الأمر الذي يجعلها تسقط تحت تأثير الفوضى ومقتل الضحايا الأبرياء من دون معنى.
ورأى فضل الله أن "الاستكبار والصهيونية المتحالفة معه يعملان على استغلال التنوعات المذهبية والطائفية والعرقية في عالمنا الإسلامي والعربي، وذلك بهدف خلق الفتن التي تربك الواقع كله، ما قد يترك تأثيره على العلاقات الإسلامية-الإسلامية، أو الدينية أو القومية، بما يؤدي إلى دمار المنطقة كلها على أساس الفوضى المجنونة"، واعتبر أن "العالم الإسلامي يملك من المقدرات ما يجعله قادرا على أن يشارك في تقرير مصير العالم كله، ولكن الضعف الذاتي الداخلي من جهة والقوة القاهرة المهيمنة عليه بفعل حراس الاستكبار وموظفيه من جهة أخرى، يمنعانه من ذلك".
وقال: "نناشد المسلمين، في هذا العيد، أن يأخذوا بأسباب القوة والعزة والكرامة والحرية، ليكون عيدا يرتفع فيه الواقع الإسلامي إلى المستوى الأعلى الذي يريد الله له أن يكون خير أمة أخرجت للناس، لأن لا عيد مع الضعف ومع الخضوع والمهانة والسقوط تحت تأثير قوة الآخرين. علينا أن نعرف أن أمريكا التي يتجاذب إدارتها فريق ممن يعدون حمائم وآخر من الصقور، لا تزال تفكر بأن تكون بعض المواقع في العالم العربي والإسلامي ساحة من ساحات مغامراتها وحروبها، لأن ثمة في هذه الإدارة من هو إسرائيلي أكثر من الإسرائيليين، وعلى رأس هؤلاء نائب بوش تشيني الذي لا يزال يبعث إلى كيان العدو من يبلغه أن الحرب على إيران لا تزال واردة".
وتابع: "نعرف تماما أن الحرب الأمريكية على العراق انطلقت بتشجيع إسرائيلي للتخلص من موقع يعتبره العدو استراتيجيا في مواجهته، وندرك في هذه الأيام بالذات أن إسرائيل هي الوحيدة التي قد تستفيد من حرب أمريكية ضد إيران، وهي التي أصيبت بالصدمة بعد تقرير الاستخبارات الأمريكية الأخير، ولذلك فهي تريد استخدام القوة الأمريكية لحسابها وحساب مصالحها، وإن أدى ذلك إلى نتائج مدمرة على أمريكا ومصالحها وعلى المنطقة برمتها. لذلك، فإننا نقول للأمريكيين وللمؤسسات الأمريكية بأن الوقت حان لكي تتخلصوا من مغامرات المحافظين الجدد التي لا تأخذ مصالح أمريكا في الحسبان، وحان الوقت للعالم كله لكي يعمل لاحتواء هذا الفريق الأرعن المعادي للانسان والإنسانية، والساعي لتدمير العالم وتعذيبه تحت عنوان الحروب الحسنة، وهي الحروب التي كانت وبالا على الإنسانية كلها، وأسهمت في اتساع رقعة الإرهاب وفي زيادة أعداد الإرهابيين".
وختم فضل الله: "أما لبنان، فإننا نلمح فيه عودة للأدوار الدولية التعطيلية على حساب الأدوار الساعية للحل، لأن الإدارة الأمريكية لا تريد لأحد أن يسجل عليها أنها خسرت رهاناتها في لبنان، ونحن نعتقد أن أي توافق حقيقي مبني على قواعد سياسية متينة هو الذي يمكن أن يؤسس لاستقلال حقيقي ويمنع من التدخلات الخارجية في لبنان. إننا في الوقت الذي نشعر بالأسى أمام هذا الهبوط في الأداء أو في الخطاب السياسي في لبنان، نعتقد أن الفرص لا تزال قائمة لبناء حلول واقعية متوازنة، ولا نريد للخطاب السياسي المشحون والمتوتر أن يقود إلى اهتزازات سياسية تقودنا نحو مشاكل أمنية، إذ يكفي الناس ما تكتوي به من نيران الغلاء والأزمة الاقتصادية والسياسية".