غار «حولا» وصابون «صيدا»
عرفت منطقتا وادي التّيم ومرجعيون وكذلك منطقة بنت جبيل، صناعة الصّابون منذ عقود طويلة، أو حتّى منذ قرون؛ ويرتبط تاريخها بتاريخ الزّيتون والزّيت العتيق في المنطقة. وكان الصّابون البلديّ قبل ظهور المساحيق والصّابون المصنّع يستخدم بكثرة في مجمل بيوت المنطقة والجّنوب، في الاستحمام وغسيل الأواني، وفي التّنظيف المنزليّ؛ ويحتلّ مرتبة المفاضلة لخلوّه من المواد الكيماويّة والمركّبات الصّناعيّة.
يقول المربي سليم غنطوس من دير ميماس والذي ينصرف إلى صناعة الصابون في أوقات الفراغ: «تحتاج طبخة الصّابون إلى يوم كامل، بعد تحضير موادها: زيت الزّيتون، «القطرونة» أو «الصود كوستيك» والماء. وبعد صبّ المّاء في البرميل تضاف إليه القطرونة، ويحرّك ليصبح محلولاً ساخنا يترك حتى يغلي؛ فيما تتولى القطرونة عملية فصل الماء عن مزيج الصابون المغلي. تطبخ المادّة على نار خفيفة، كان الحطب سيّدها في القرى؛ وبعد ساعات عدة ينقل الصّابون العجين إلى المقاطع الخشبيّة، يصبّ ويترك حتى يجفّ، ثم يأتي دور السّكين في تقطيعه. ويجري توظيبه بعد نحو 24 ساعة؛ لكن يحبذ استخدامه بعد نحو شهر من صناعته».
صناعة زيت الغار
في بلدة حولا كالعديد من القرى الجنوبية، يزين شجر الغار تلالها وأوديتها وحدائق البيوت، وهي أشجار دائمة الخضرة منفصلة الجنس تزهر في منتصف نيسان، وتستخدم أوراقها كبهارات في إعداد الطعام.
حبات الغار تشبه ثمار الزيتون مع تميزها عنه بلون بني داكن. وتتوزع الثمار بشكل عناقيد جميلة يتم قطافها في فصل الخريف، وتجري عملية القطاف والعصر بطرق تقليدية يدوية تناقلها القرويون من جيل إلى آخر.
تطبخ حبات الغار على نار من حطب في وعاء مخصص، وتنقل بعد تصفيتها من الماء الساخن لتدق في وعاء آخر؛ ثم إلى جرة من فخّار مطلية بالطين من الخارج، تسد فتحتها بعد امتلائها بآصال الأعشاب، وتقلب إلى حفرة متواضعة في قعرها وعاء من تنك. وبعد طمر نصف الجرة بالتبن والعشب أو جفت الزيتون، توقد الأعشاب وتترك يوماً كاملاً، في وقت يصير الزيت العطري الذكي المعقم يتسرب منها إلى الوعاء، ويصبح صالحاً للاستخدام لاحقاً في إعداد الصابون الطبيعي ذي الخواص الجيدة؛ وتغذية البشرة وجذور الشعر وتخليص الجسم من البكتيريا المسببة للرائحة؛ والمساعدة في علاج بعض الأمراض الجلدية كالأكزيما والصدفية.
صناعة الصابون في صيدا
عرفت صيدا صناعة الصابون لأول مرة عبر مصبنة بني جلال الدين، التي كانت تقع في حارة الزويتيني. وكانت تحتوي على طبقة علوية وأُخرى سفلية وبئر ماء معين وآبار معدة لوضع الزيت.
إن صناعة الصابون هي واحدة من أقدم الصناعات التقليدية في صيدا. وإنتاج صيدا من الصابون أفضل إنتاج لبناني من هذه الصناعة. وتعاقب على هذه المهنة عدد من عائلات صيدا الذين أنشأوا معامل صغيرة تعرف باسم مصبنة، وأشهرها مصبنة عودة ومصبنة مجيد خوري. لكن هذه الصناعة ما لبثت أن تطورت وعرفت صيدا أول معمل لصناعة الصابون حمل اسم «صابون براج وعربي»، وكان قرب الحسبة القديمة، وذلك في عام 1935م.
وفي عام 1952م انفصلت الشراكة في المعمل واستمر المعمل ذاته بالإنتاج ولكن هذه المرة باسم «معمل صابون العربي». وفي عام 1978م انتقل معمل العربي من مركزه القديم قرب الحسبة إلى مركزه الحالي عند جسر سينيق. وفي المعمل الجديد تطورت صناعة الصابون عبر معدات حديثة في تصنيعه مع المحافظة على جودة الصناعة التقليدية التي اشتهر بها صابون العربي عبر نصف قرن.
متحف الصّابون «عودة»
يعود تاريخ المتحف الى القرن السابع عشر؛ ويروي حكاية الصّابون في المنطقة الممتدة من حلب الى نابلس، كما يبرز المراحل التي تمر بها عملية التصنيع، انطلاقا من زيت الزيتون؛ فضلا عن تنوع اشكال الصّابون وخصائصه.
يشكّل متحف الصّابون «عودة» في مدينة صيدا مقصداً هاما للزائرين، للتّمتّع بما يضمّه من ثروة هندسية؛ إذ يزوره سنوياً اكثر من 45 الف سائح وضيف من الدول العربية والاجنبية.
هو متحف نادر في منطقة الشّرق الاوسط، وله مثيل وحيد للصابون في فرنسا؛ ويحتوي على معروضات تتضمّن: منتجات الصّابون، وكل ما يتعلّق بلوازم الحمّام التركيّ، والصّابون البلدي والمعطّر والـ«شامبو» الطبيعي، فضلاً عن قسم منتجات المطبخ، من حلويات بالعسل وراحة الحلقوم وماء الزهر والورد، المحلّية الصنع.