سكاكين جزّين الملوّنة
تعتبر الصناعة الحرفيّة الجزّينية الواجهة "الرائعة" لعاصمة السّياحة، في الجنوب، مدينة جزّين، تأسّست هذه الصناعة عام 1770م. وتطوّرت مع مرور الوقت بشكل يتأقلم مع فنون القرن الواحد والعشرين، فنوّع الصنّاع الجزّينيّ أحجامها وألوانها ومصادرها وزركشتها، جاعلا من شكل الطائر الجميل زينة لمقابض، ترمز إلى السلام، مصنوعة من قرن الكبش او الجاموس، وفيها العظام الملوّنة والمعادن اللامعة.
كانت الصناعة الجزّينيّة تعتبر «مزراب ذهب» تدرّ أرباحا كثيرة على صانعيها من خلال حركة المبيع القويّة. ويتردد ان الرئيس الفرنسي الراحل شارل ديغول كان متيّماً بهذا النوع من الهدايا، وقد أهداه الرئيس اللبناني الراحل فؤاد شهاب مجموعة منها. ويحرص الرؤساء اللبنانيون على حمل منتجات جزّين كرمز وطني في زياراتهم الرسمية. ويؤكد روّاد هذه الصناعة انّ الهدايا الجزّينيّة تعتبر من أفخم الهدايا التي تقدّم للشّخصيّات والرؤساء وتضاهي أهميتها هدايا كريستوفل في باريس وغاليري كريستيز في لندن. وتشكّل هذه الصناعة مورد رزق لمعظم اهالي جزّين، البالغ عددهم نحو 35 الف نسمة، موزّعين على مساحة لا تتجاوز الـ2120 هكتاراً.
بيته يدلّ عليه
تشير الزخارف الحديدية الملونة التي تزين شرفات منزل سمير الحدّاد في جزين، إلى فنّ حرفيّ رائع يميز هذا المنزل القابع قرب الشارع العام، عند زاوية المدينة الجنوبية الشرقية، ويحكي سيرة صاحبه، عميد الحرفة الجزينية الأشهر، صناعة السكاكين، ومبدع تطورها.
ورث سمير الحدّاد المهنة الحرفة عن والده سعيد، المتعاقبة بدءاً من جدّ الجدّ حبيب الحداد فجبّور، ثم حبيب وبعده ألفريد والد سعيد. ويقرّ باعتزاز أنه طور الحرفة «300 بالمئة، استلمتها بدائية ناشفة، وأدخلت إليها الأناقة والذوق والفن والعطاء والتقدم، وحاكيت بها أوروبا، وصولاً إلى أنه لا يمكن لأي أوروبي اليوم، أن يتعالى عليّ أو يتشوّف بالتقدم؛ أنا ولدت فنّاناً من بطن أمي، ومن يرد الاطلاع على ثمار هذا الابداع، فليأت، ومن ثمارهم تعرفونهم».
معمل سمير الحداد في غرف بيته وعلى السطح وفي الطبقة السفلى «تركيا علمتنا ألا نفتح معامل واسعة، لم تزل مؤثرة فينا مئات السنوات التي حكمتنا بها؛ ولأنني أردت الاحاطة بكل شغلي، جعلت معملي في بيتي، تحت إشرافي ونظري، أعمل نهاراً، وإذا خطرت فكرة، أحاول تنفيذها ليلاً؛ أنا المبرد الذي أشتغل به، من إعدادي، صنعته على ذوقي، بما أريده منه وليس بما يقدر على شغله، جعلته تكنولوجيا لا تغلط، لا تتلف وتدوم طويلاً؛ وبذلك ضاهيت الصناعة الأوروبية».
لم ينتظر عميد الحرفة المعدات الصناعية المتطورة لينتج أعمالاً مميزة "بدأت أخترع آلات وماكينات صناعية متطورة في وقت عجزت فيه عن الحصول على أيد ماهرة، فكرت بتطوير آلات تعطي نتائج أكثر من الإنسان، ولذلك لم أخترع جهازاً أو آلة لتطوير المهنة إلا وكانت النتائج أفضل مما كنت متوقعاً، وما كان يفشل في أن يكون أفضل مهارة من يد الإنسان، كنت أرميه على الفور، حتى لو كانت تكلفته عالية وأخذ وقتاً كبيراً من السهر والجهد والتفكير؛ هذه هي القصة كلها والحكاية وعيون بهية – مازحاً-".
احترام الفن – الإنسان
وإذ يفتخر ويتباهي سمير الحداد بما يبدعه، إلا أنه عاتب على بعض المرجعيات المحلية في جزين "ليس من أجل النقود، بل من أجل احترام الفنّ.
سيف «ذو الفقار»
ما بات حديث مدينة جزين والصحافة، ومعروفاً "للقاصي والداني" هو السيف الذي صنعه سمير الحداد وأطلق عليه اسم «ذو الفقار» اسم سيف الإمام علي بن أبي طالب من بولاد وذهب وعاج وعظم ملون. جعل طوله متراً ونيفاً وعرض قبضته نحو عشرين سنتيمتراً ووزنه خمسة كيلوغرامات. ويتحدّى صاحب السيف ومخترعه «أن يأتي أحد بمثل الهيبة التي جعلتها لحدّي السيف وانسيابه، سوف أركع له». ومن يقف قبالة السيف يستطع أن يرى وجهه من دون تموجات أو اعوجاج في الصورة. وجعل قبضته كذلك خليطاً من البولاد المطعم بالذهب والعاج والعظم الأحمر وهو من اختراع الحداد. أما طائر القبضة فأتقن الحداد في رسم العين «مئة عين رسمت حتى ضحكت لعين».
أما مبلغ الشراء الأول الذي عرض ثمناً للسيف، فقد بلغ خمسة وعشرين ألف دولار أمريكي؛ «كنت قبضت ثمنه 25 ألف دولار ووضعتها في جيبي، وغاب السيف عن عيني، لكن غيري ليس أولى مني في الاستمتاع بروعته، لذلك احتفظت به لنفسي ولعائلتي من بعدي».