تمثال لرفيق الحريري في ميناء الحصن يخالف القوانين والأنظمة
العقار ملك للدولة والمرسوم يلحظ إقامة مرأب عليه وحق استثماره يعود إلى شركة خاصة
قد لا يكون هناك لبنانيون كثيرون يجاهرون برفضهم إقامة متحف ونصب تذكاري يكرّم رئيس الحكومة الأسبق الراحل رفيق الحريري ــــــ على الرغم من المبالغة الحاصلة في إطلاق اسمه على المؤسسات والمرافق والشوارع والساحات ـــــــ بل إن أكثرية اللبنانيين تنظر إلى هذه المسألة، باعتبارها «أقل الواجب» تجاه شهيدها الذي ارتبط اسمه بأكبر مشروع للإعمار وإعادة البناء بعد الحرب، وبما سمّي «الاستقلال الثاني» بعد خروج القوات العسكرية السورية من لبنان على أثر جريمة اغتياله.
إلا أن عدم وجود المعترضين العلنيين، لا يبرّر كل هذا التجاوز للقوانين والأنظمة المرعية الإجراء الذي يمارسه فريق سياسي يستأثر بالحكم حالياً، وهو ما انفكّ يتحف اللبنانيين بخطابه اليومي المتكرر عن «مشروع الدولة» في مواجهة «الدولة ضمن الدولة»، فيعمد ــــــ كعادته ــــــ الى استغلال أملاك الدولة وتنفيذ أشغال وإقامة إنشاءات من دون اتّباع الإجراءات الإلزامية والحصول على الرخص والأذونات المطلوبة... والأهم، أنه يضرب بعرض الحائط حقوق الغير، مشيراً إلى أنها غير ذات قيمة في قاموسه لممارسة السلطة والنفوذ على طريقة «أنظمة الصحراء» و«ديكتاتوريات أفريقيا وأميركا اللاتينية»، أو على طريقة «ميليشيات الأمر الواقع في زمن الحرب».
فقد بدأ منذ فترة تنفيذ أشغال في القطاع الرقم (3) على العقار 1428 في منطقة ميناء الحصن بين فندقي السان جورج والفينيسيا بهدف إقامة متحف ونصب تذكاري للرئيس الراحل رفيق الحريري بالقرب من الموقع الذي حصلت فيه جريمة اغتياله... وتبين أن هذه الأشغال تتمّ من دون صدور مرسوم يغيّر وجهة استعمال العقار المخصص لبناء مرأب عام للسيارات بطريقة الـ B.O.T، ومن دون التعويض على شركة الفنادق الكبرى للشرق التي تملك حق الأفضلية في استثمار هذا العقار بموجب عقد بينها وبين الدولة ممثلة بمجلس الإنماء والإعمار ولقاء أشغال نفّذتها الشركة على نفقتها لمصلحة الدولة في ردم البحر الذي نشأ عليه العقار المذكور... كما أن هذه الأشغال تجري من دون الحصول على التراخيص والأذونات التي تجيزها، بموجب القوانين والأنظمة التي ترعى مثل هذه الحالات.
أسباب المخالفات
لماذا كل هذه المخالفات في مشروع يراد منه تكريم الرئيس الشهيد رفيق الحريري؟
يبدو أن هذا الفريق السياسي قرر الإسراع في إنجاز هذه الأشغال قبل حلول الذكرى السنوية الثالثة لاغتيال الرئيس الحريري في الرابع عشر من شباط المقبل، لذلك لم يكن لديه الوقت الكافي (أو القدرة) لإصدار المراسيم وإنجاز المعاملات الضرورية وتسوية حقوق الغير... فاختار السير بالمشروع على قاعدة «أنا الدولة» و «الدولة لي»... إذ إن تعديل وجهة استثمار العقار المذكور، الذي تبلغ مساحته 3320 متراً مربعاً على الواجهة البحرية، يحتاج الى مرسوم، وبالتالي إلى توقيع رئيس الجمهورية اميل لحّود (قبل انتهاء مدّة ولايته في تشرين الثاني الماضي)، الذي درج منذ استقالة وزراء حزب الله وحركة امل على رد كل مشاريع المراسيم الواردة من الحكومة باعتبارها حكومة غير موجودة... إلا أن اللافت أن الحكومة لم تعد مشروع المرسوم أصلاً خوفاً من الطعن به من جانب الجهة المتضررة، التي كان بإمكانها اللجوء الى القضاء المستعجل لطلب وقف التنفيذ ومنع الأشغال بانتظار البت في النزاع بشأن حقوق استثمار هذا العقار.
كما أن الحصول على الرخص والأذونات قبل المباشرة بالأشغال الجارية، لم يكن ممكناً، لأن هذه الأشغال تنطوي على مخالفة موصوفة ما دام لم يصدر أي مرسوم لتعديل وجهة استعمال العقار المذكور، فضلاً عن أن الجهة المتضررة وصاحبة الحق بالاستثمار، قد سارعت الى طلب وضع إشارة على الصحيفة العقارية لتثبيت حقوقها في هذا المجال.
حقوق الغير
وكانت شركة الفنادق الكبرى للشرق، التي تملك فندق السان جورج، قد فوجئت بتاريخ 21 تشرين الثاني بالأشغال الجاري تنفيذها على العقار المذكور، من دون إبراز أي رخصة للقيام بهذه الأشغال، فسارعت الى توجيه مراسلات متتالية الى كل من مجلس الإنماء والإعمار وبلدية بيروت ومحافظ بيروت والمدير العام لقوى الأمن الداخلي ووزارة المالية ومديرية الشؤون العقارية... إلا أن أحداً من هذه الأطراف المعنية لم يرد على هذه المراسلات، ولم يعرها أي اهتمام، فعمدت الشركة عبر وكيلها المحامي جان غاوي الى إرسال الملف كاملاً الى رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة الذي أحال هذا الملف بدوره الى الأمين العام لمجلس الوزراء سهيل بوجي «للاطّلاع والاستعلام عن هذه الشكوى وكيفية معالجة أسبابها والإفادة السريعة»، فردّ بوجي على الشركة بموجب كتاب رقمه 2385/ص بتاريخ 12/12/2007، يقول لها «يمكنكم مراجعة القضاء المختص بشأن ما تشكون منه».
الجدير بالإشارة أن مجلس الوزراء كان قد أصدر مرسوماً رقمه 7660 بتاريخ 15/12/1995، يحدّد وجهة استعمال العقار بإنشاء مرأب عام للسيارات بطريقة الـ B.O.T، وقام مجلس الإنماء والإعمار بتوقيع عقد مع الشركة المذكورة يعطيها الأفضلية لتنفيذ المرأب واستثماره كتعويض لها عن أشغال نفّذتها لحساب الدولة... واللافت أن الشركة تنتظر منذ ذلك الوقت إعطاءها إذن المباشرة بتنفيذ المشروع بعدما أبلغت المجلس رغبتها في ممارسة حقها، وتقدّمت بالملف الهندسي والمالي، وحصلت على موافقة المجلس على هذا الملف بتاريخ 28/7/1998، كما حصلت على موافقة مجلس الوزراء بقراره رقم 14 بتاريخ 20/8/1998.
وأنذرت شركة الفنادق الكبرى للشرق شركة «جينيكو» لصاحبها شفيق الحريري التي تتولى تنفيذ الأشغال، وطالبتها بإظهار الرخص التي تجيز لها ما تقوم به، إلا أن الشركة المذكورة أبرزت «ورقة» موقّعة من محافظ بيروت بالتكليف ناصيف قالوش موجهة الى قائد شرطة بيروت تنص على ما يأتي «يسمح لشركة جينيكو التي يملكها شفيق الحريري بالقيام بالأعمال الرامية الى إزالة بعض الأشجار مقابل فندق فينيسيا وإقامة تمثال ونصب لدولة الرئيس الشهيد رفيق الحريري في ساحة القدس المواجهة للفندق وبالخدمات اللازمة تحت الساحة، على أن يتم التنسيق مع دائرة الحدائق فيما يعود لنزع الأشجار ونقلها لزرعها في مكان آخر. نأمل تسهيل مهمة الشركة».
(الأخبار)
مجرد إشارة
قضية العقار 1428 في منطقة ميناء الحصن، ليست القضية الوحيدة التي تسيء الى الشهيد رفيق الحريري، بدلاً من أن تكرّمه، فقد سبقت ذلك، ملابسات استدعت تحفّظ بعض المساهمين في شركة سوليدير على قرارها في حزيران 2005 القاضي بتخصيص العقار الرقم 1525 في منطقة المرفأ العقارية لإقامة ضريح الحريري، إذ إن هذا القرار رمى الى التفرغ عن هذا العقار لورثة الرئيس الشهيد، بدلاً من أن يبقيها في عهدة الشركة أو في عهدة بلدية بيروت، أو الدولة!
كما أن بعض القرارات السابقة التي اتخذها مجلس بلدية بيروت قضت بتركيب تمثال برونزي للرئيس الشهيد رفيق الحريري في الحديقة مقابل مدخل السرايا الحكومية، والموافقة على تسمية ساحة النجمة باسم ساحة الرئيس رفيق الحريري، وإقامة تمثال تذكاري داخل مطار بيروت الدولي... فضلاً عن إطلاق اسم الرئيس الشهيد على مطار بيروت الدولي وبعض الشوارع والجادّات والمرافق الأخرى... وهذا ما يثير الاستغراب نظراً لغياب أي مشروع أو تنسيق واضح لتكريم شهيد لبنان.