الدكتور مهنا ألقى محاضرة في الجامعة العربية في القاهرة
عاد رئيس مؤسسة عامل الدكتور كامل مهنا من القاهرة حيث شارك في مؤتمر عقد في مقر الأمانة العامة للجامعة العربية، حول "دور المجتمع المدني في القمة الاقتصادية والتنموية والاجتماعية: شراكة من أجل التنمية" ولقد ألقى مهنا محاضرة في هذا الإطار حول تفعيل دور المجتمع المدني العربي بحضور السفير هشام يوسف ممثلا" الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى والسفيرة ميرفت تلاوي المنسق العام للقمة الاقتصادية والتنموية والاجتماعية ومفوض المجتمع المدني في الجامعة رئيس الحكومة السابق طاهر المعري وممثلين عن المجتمع المدني العربي.
عرض مهنا في مداخلته ما يعانيه العالم العربي في المجال التنموي حيث يواجه تحديات كبيرة، من بينها: وجود 100 مليون أمي بينهم 60% من النساء، حجم الإنفاق على الصحة 2% بينما هو عالميا" 11%، معدل البطالة 10.7 حيث الحاجة لتوفير 85 مليون فرصة عمل من أجل تخفيض البطالة، حجم الاستثمار على الاختراعات العلمية 0.14 من الناتج المحلي بينما هو 2.9 في اليابان، الملحقون في الفروع العلمية 11% بينما هم في الدول الصناعية 45%، الاختراعات المسجلة في أرجاء المنطقة 400 بينما هي في الولايات المتحدة الأميركية 134.000، إن عدد الكتب المترجمة منذ القرن التاسع ميلادي 10.000 أي ما يساوي ما يترجم بسنة واحدة في إسبانيا.
وأضاف د. مهنا بأن العالم العربي يشترك مع عموم بلدان العالم الثالث في تحمل العبء الأكبر من سلبيات نمط النمو السائد في العالم، حيث تشكل منطقتنا إحدى أكثر نقاط العالم حرارة وتفجرا"، فباتت آثار العولمة في الشرق الأوسط مرادفة لحرب الأديان والفوضى والتطرف والأصولية في ظل تصلب فكر صهيوني بائد يسانده عدم الفهم أو عمى بعض الدول المستمر في رفض تطلع شعب عربي فلسطيني لحقوقه ولحقوق الشعوب العربية.
كما أشار د. مهنا في محاضرته إلى المعوقات من حيث عدم تبلور دور المجتمع المدني بشكل مستقل عن الدولة. إذ لم تتمكن بنى المجتمع المدني من تحديد مجال، متميز عن الدولة وعن البنى التقليدية الموروثة، والانتظام على أساس مفاهيم معاصرة، وعلاقات تنتمي إلى عصر الدولة الحديثة. كذلك غياب الديمقراطية السياسية والمجتمعية.
كما أكد د. مهنا على أهمية اعتماد رؤية شاملة ومحفزة للتنمية من خلال عدة خطوات منها إن شعار فكّر عالميا" ونفذ محليا" " Think globally and act locally أصبح بمثابة الوصية الأولى من وصايا التنمية المستدامة " مما يؤكد أهمية العمل على: العمل على إقامة السوق العربية المشتركة، وتطور فعاليتها وحضورها في تحديد السياسات العالمية الاقتصادية والاجتماعية، حتى لا يفرض عليها اتفاقات لا تتناسب مع مصالح شعوبها. تكوين رؤية شاملة ومحفزة، رؤية لدولنا بعد عشرين أو ثلاثين سنة وتصميم محكم لبلوغ هذه الرؤية على مراحل، وليس مرة أخرى مجرد قائمة من المشاريع العامة والتوجهات العامة والتمنيات سرعان ما نتخلى عنها أو نعجز عن تنفيذها. القيام بخطوات في بناء إجماع وطني وقومي حول فلسفة التنمية الشاملة في البلاد العربية، عبر صياغة عقد اجتماعي جديد بين الحكومة والقطاع الخاص والقطاع المدني، في إطار شراكة ثلاثية بهدف تعبئة أفضل لقدرات المجتمع وإدارة أكثر رشادة لشؤون الحكم، وينطوي هذا المفهوم على إعادة تحديد مجالات العمل والنشاط لكل من الحكومة والقطاع الخاص وبنى المجتمع المدني. شريطة صياغة سياسات تمكن الربط بين النمو الاقتصادي من جهة والتنمية الاجتماعية من جهة ثانية وإدارة ذكية لهذه السياسات.
وتعرّض د. كامل مهنا في محاضرته إلى آلية عمل تنفيذ هذه الرؤية بين الحكومة وبنى المجتمع المدني من خلال اعتبار منظمات المجتمع المدني شريكا" أساسيا" مع الحكومة على قاعدة الحوار والتشاور والتنسيق والتعاون، وعلى أساس قيام الحكومة بمسؤولياتها في رفع مستوى الخدمات وتوسيع نطاقها وفعاليتها وليس الحد من دورها التدخلي والمركزي كما تقتضي إستراتيجية إعادة الهيكلة الاقتصادية. تحسين الأداء الداخلي لمنظمات المجتمع المدني والعمل على تطوير الممارسات المؤسسية ومشاركة الفئات المستهدفة في تحديد الاحتياجات، وإتاحة الفرصة لظهور عناصر جديدة في إدارة شؤون المنظمات، والتأكيد على أهمية تداول وتجدد القيادة، وتكثيف الجهود نحو التنسيق القطاعي فيما بينها على قاعدة العمل المتخصص والمنهجية العلمية. مشاركة المرأة والشباب في العمل الانمائي والدفاعي كمدخل للتنمية المتكاملة.
أما عن آلية تفعيل المجتمع المدني التنموي والدفاعي عبر الشراكة مع الحكومة فقد اعتبر د. مهنا أن الفقر والبطالة والأمية هي نتاج سياسات غير سليمة سواء كانت محلية أو دولية، وإن حل تلك المشكلات لن يتحقق بدون عدالة حقيقية سياسية واجتماعية واقتصادية تضع في اعتبارها التركيز على النساء والأطفال وكافة الفئات المهمشة والضعيفة، وذلك ضمن الخطوط العامة التالية: وعي من قبل بنى المجتمع المدني للقضايا المطروحة وبلورة رؤية واضحة ومحددة حول الحلول المطلوبة على الصعيد الوطني على أساس أن الحكومة هي المسؤولة عن شؤون المواطنين، وإن الهيئات الأهلية وبنى المجتمع المدني لها دور مشارك وتكاملي وقوة ضاغطة من أجل تصويب السياسات العامة. تشجيع المؤسسات الأهلية الرعائية لاعتماد برامج تنموية تؤدي إلى تمكين الفئات المستهدفة، ودعم البناء المؤسسي للمنظمات الأهلية، وتطوير برامج التدريب لكوادر هذه الهيئات، وتعزيز قدرة العاملين على المهارات الإدارية والمحاسبية، وإيجاد آلية لضمان الشفافية والمساءلة المتبادلة المحلية. وتعزيز الثقة بمصادر تمويل هذه الهيئات (تمويل غير مشبوه)، وتأمين استقلالية عن الهيئات المانحة. تعزيز العلاقات مع قوى الضغط ومختلف بنى المجتمع المدني من أجل مكافحة الفساد بكافة صوره، ودعم التعددية والديمقراطية، وتعزيز دور المرأة وتمكينها، والاهتمام بالطفولة، واحترام حقوق الإنسان وحرية التعبير. تعزيز الاستقلالية في التمويل للقطاع المدني وخلق أنماط متعددة للتكامل فيما بينها ومع القطاعات الرسمية والخاصة، فالتنمية – مسؤولية كل أفراد المجتمع – تتطلب التزاما" وقناعة من الجميع. وما يتعلق بالتعاون بين منظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص، اعتماد الشعار التالي: "أنسنة القطاع الخاص، واحتراف القطاع الإنساني". التأكيد على أن سياسة العدوان والعنف التي تتبعها دولة إسرائيل تجاه الشعبين الفلسطيني واللبناني تعيق بدرجة كبيرة تطور ونمو المنظمات غير الحكومية في هذين البلدين وذلك بإضافة أعباء إنمائية وخدماتية هائلة تفوق طاقة هذا القطاع وبشكل يمنعه من لعب دور تنموي شمولي فاعل بالرغم من كبر قطاع منظمات المجتمع المدني في هذين البلدين. التأكيد على أن الاحتلال الأميركي للعراق يهدد بشكل واضح المجتمع المدني والتنمية البشرية للشعب العراقي، كذلك دوامة العنف والحروب في باقي البلدان العربية التي تستنزف المنطقة ماديا" وبشريا" وحضاريا".
وأضاف د. مهنا بأن العالم العربي لا يزال يصنف في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين في خانة الدول النامية، وهو التعبير الملطف للدول المتخلفة، كما لا تزال التقارير الدولية تشدد على إدراجه في خانة المناطق المنكوبة. لم تشفع سياسات التحديث والتنمية حتى الآن إدخاله في العصر الحديث، كما لم تتمكن تطورات العولمة والتقدم والتكنولوجيا من انتشاله من بؤرة التخلف المتعدد الجوانب. يطرح كثيرون في العالم العربي وخارجه أسئلة عن الأسباب التي حالت ولا تزال دون انتقال العرب إلى الحداثة والتحديث ومواكبة تطورات الزمن المتقدم، قياسا" بأمم لا تملك الحد الأدنى مما يملكه العرب من إمكانات وطاقات مادية.
أما الكلمة الأخيرة لدكتور كامل مهنا في محاضرته عن دور المجتمع المدني فقد ركزت على اعتماد المبادئ التالية في سبيل الشراكة من أجل التنمية ومن أجل تفعيل المجتمع المدني في ضوء التجربة الطويلة في "مؤسسة عامل" المدنية والشبكات المحلية والعربية والدولية:
1 – رفع شعار "التفكير الإيجابي والتفاؤل المستمر" في مواجهة شعار "الهدم على يدي ولا البناء على يد الغير".
2 – اعتماد خطة الثلاث ميمات: مبدأ، موقف، ممارسة. فالبعض منا لديه مبدأ، ولكن لا ينسجم مع الموقف أو الممارسة، والبعض الآخر لديه ممارسة جيدة، ولكن ليس لديه مبدأ. بينما المطلوب أن ينسجم المبدأ مع الموقف ومع الممارسة. أي كما يقول نيلسون مانديلا "إذا ما توفرت الرؤية مع التطبيق العملي، فباستطاعتنا أن نغير العالم".
3 – أما حول طريقة العمل مع الأصدقاء والمحايدين والخصوم الموجودون في المجتمع، اعتمدنا الخطة التالية: توثيق العلاقة مع الأصدقاء والعمل على تحويل المحايدين إلى أصدقاء والسعي إلى تحييد الأخصام. أي العمل عكس الثقافة السائدة في مجتمعاتنا، إذ أننا نختلف حول القليل الذي يفرقنا ونهمل الكثير الذي يجمعنا.
وكان د. كامل مهنا قد عقد اجتماعا" مع السفير هشام يوسف في مكتبه في القاهرة.
ألبوم صور أنشطة مؤسسة عامل في الخيام والجوار
النص الكامل للمحاضرة:
دور المجتمع المدني في القمة الاقتصادية والتنموية والاجتماعية:
" شراكة من أجل التنمية"
"تفعيل دور المجتمع المدني لتعزيز مشاركته في عملية التنمية"
آليات تفعيل دور المجتمع المدني
القاهرة 12 – 13 مارس / آذار 2008
الدكتور كامل مهنا
أخصائي في طب الأطفال، أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية
المنسق العام لتجمع الهيئات الأهلية التطوعية العربية
رئيس مؤسسة عامل
فهرس
I - تمهيد
II – التطورات التي حصلت على المجتمع المدني في العالم العربي
III – المعوقات أمام تطوير المجتمع المدني في العالم العربي
1. على الصعيد العام
2. على صعيد بنى المجتمع المدني
3. على صعيد العلاقة مع الحكومة
4. على صعيد العلاقة مع الهيئات المانحة
IV – آلية تفعيل دور المجتمع المدني
1. توجه يتعلق بالآلية المطلوبة للشراكة مع الحكومة
2. دور الحكومة في رسم الشراكة مع بنى المجتمع المدني
3. دور بنى المجتمع المدني التنموي
4. السبل الكفيلة بتطوير قواعد الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني
V – خاتمة
I - تمهيد
أتوجه بداية بالشكر الجزيل لمعالي الدكتور عمرو موسى أمين عام جامعة الدول العربية ولدولة الرئيس الدكتور طاهر المصري مفوض المجتمع المدني ولمعالي الدكتورة ميرفت تلاوي منسقة القمة الاقتصادية والتنموية والاجتماعية وإلى الأخوات والأخوة القيمين على هذا اللقاء الذين أتاحوا لي فرصة التحدث أمامكم حول كيفية تفعيل دور المجتمع المدني في عملية التنمية وآليات هذا التفعيل.
بعد مرور أكثر من ستين عاما" على نشوء الأمم المتحدة، نرى العنف طاغيا" والفقراء يزدادون فقرا" والأغنياء ثراء. لقد استضافت الأمم المتحدة لمواجهة هذا الواقع في سبتمبر عام 2000 قمة الألفية حيث وضع حشد من قادة العالم، التنمية في صدر جدول الأعمال العالمي من خلال تبنيهم للأهداف التنموية للألفية، وتحديد أهداف واضحة للحد من الفقر، الجوع، المرض، الأمية، تلوث البيئة والتمييز ضد المرأة وذلك بحلول العام 2015.
لقد وقعت الدول العربية على إعلان الألفية بأهدافه التنموية الثمانية وغاياته الثماني عشر. وأطلق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تقرير الأهداف التنموية للألفية في البلدان العربية وكيفية الوصول إلى الغايات المطلوبة بحلول عام 2015.
وبالتوافق مع هذه الأهداف، اتجه العالم نحو ما أسمته الوثيقة "إقامة شراكة عالمية من أجل التنمية" وترتبت مجموعة من الالتزامات على دول العالم بدأت تترجم في أطر عمل أكدت على دور المجتمع المدني ومن ضمنه المنظمات الأهلية كقوة دافعة تلعب دورا" مهما" في التحول السياسي والاجتماعي ومن ضمنها تحقيق أهداف الألفية التنموية.
وفي هذا السياق شهدت نهاية القرن العشرين توسعا" كبيرا" لمفهوم المجتمع المدني والعمل التنموي على الصعيد العالمي، فانعقدت المؤتمرات الدولية حول عدد من القضايا التي تواجه تنمية العالم الثالث ... لقد أعادت هذه المؤتمرات النظر بالأدبيات التنموية معتبرة الهيئات غير الحكومية "قطاعا" ثالثا" " Third sector وشريكا" إلى جانب الحكومات والقطاع الخاص. وقدمت مفهوما" إجرائيا" للمجتمع المدني معتبرة المنظمات غير الحكومية التي انتشرت في العقدين الأخيرين من القرن الماضي، الوريث الشرعي للحركات الاجتماعية.
- يواجه عالمنا العربي في المجال التنموي تحديات كبيرة، من بينها:
1. وجود 100 مليون أمي بينهم 60% من النساء.
2. حجم الإنفاق على الصحة 2% بينما هو عالميا" 11%.
3. معدل البطالة 10.7 حيث الحاجة لتوفير 85 مليون فرصة عمل من أجل تخفيض البطالة.
4. حجم الاستثمار على الاختراعات العلمية 0.14 من الناتج المحلي، بينما هو 2.9 في اليابان.
5. الملحقون في الفروع العلمية 11% بينما هم في الدول الصناعية 45%.
6. الاختراعات المسجلة في أرجاء المنطقة 400 بينما هي في الولايات المتحدة الأميركية 134.000.
7. إن عدد الكتب المترجمة منذ القرن التاسع ميلادي 10.000 أي ما يساوي ما يترجم بسنة واحدة في إسبانيا.
- يشترك العالم العربي مع عموم بلدان العالم الثالث في تحمل العبء الأكبر من سلبيات نمط النمو السائد في العالم، حيث تشكل منطقتنا إحدى أكثر نقاط العالم حرارة وتفجرا"، فباتت آثار العولمة في الشرق الأوسط مرادفة لحرب الأديان والفوضى والتطرف والأصولية في ظل تصلب فكر صهيوني بائد يسانده عدم الفهم أو عمى بعض الدول المستمر في رفض تطلع شعب عربي فلسطيني لحقوقه ولحقوق الشعوب العربية.
- في مواجهة هذا الواقع تشهد الدول العربية انتشارا" واسعا" لمفاهيم التنمية عبر منظمات المجتمع المدني ومراكز الأبحاث والوزارات المعنية. لقد كثرت التقارير حول الفقر ومعدلاته وكيفية محاربته، ولقد توزعت المشاريع إلى اهتمامات مفصلية كالمرأة والتنمية والشفافية ومحاربة الفقر والفساد والحكامة الجيدة والبيئة وتعزيز دور المنظمات الحقوقية والجمعيات ذات الصلة بالدفاع عن حقوق الإنسان عبر رسم خطط عمل تنموية ومن ضمنها أهداف الألفية. ولقد صدرت التقارير الوطنية في الدول العربية حول كيفية تنفيذ هذه الأهداف بالتعاون بين برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ووزارتي الشؤون الاجتماعية والصحة العامة.
سنستعرض في هذا البحث التطورات التي حصلت على صعيد المجتمع المدني في العالم العربي، والمعوقات أمام تطوره وآليات تفعيله.
II – التطورات التي حصلت على المجتمع المدني في العالم العربي
لقد تنوعت الكتابة عن المجتمع المدني وتعددت خلال العشرية الأخيرة من القرن العشرين ومستهل الألفية الجديدة، بيد أنها، وهذا وجه المفارقة، تشكو من إشكاليات معرفية تجعل من مفهوم المجتمع المدني معضلة عالمية. وفي العالم العربي، فإن الدراسات التي أنجزت تركز بشكل أساسي على البعد الفكري على حساب المضمون المعرفي - ولا تعكس في جميع الأحوال - بشكل دقيق مكانة وقيمة العمل المتوفرة لمنظمات المجتمع المدني ودورها في عملية التحول الديمقراطي، ومن أجل التمكن من فهم دور المجتمع المدني في البلاد العربية في العملية التنموية وآليات تفعيله نطرح الملاحظات الأساسية التالية:
1 – الملاحظة الأولى:
إن المجتمع المدني كإشكالية لم يدخل في حقل الدراسات إلا بعد انتهاء الاستعمار وتكوّن الدولة الحديثة، ومن المفارقة أن النخب العربية أتيحت لها فرص للتفكير في إشكالية المجتمع المدني، حيث أسست إطارات مشتركة للنضال ضد المستعمر، أو عند تأسيسها أحزابا" ونقابات عمالية ذات استراتيجية نضالية، تكافح من أجل الاستقلال، إنها عوامل تساعد على تطوير مفهوم المجتمع المدني، إلا أن مسألة الديمقراطية مثل أسئلة بناء الدولة، بقيت معلقة، وانصرفت النخب لأولويات أخرى.
2 - الملاحظة الثانية:
لقد تطور الخطاب حول المجتمع المدني في السنوات الماضية، فازدادت الجاذبية في القول بالمجتمع المدني في ظرف تراجعت فيه قدرة المشاريع التاريخية على تعبئة الناس، فضلا" عن تعاظم المخاطر التي تترصد وحدة الأوطان أو تماسكها عبر حدود الطوائف والمذاهب وغيرها من المجموعات ذات العصبية.
3 – الملاحظة الثالثة:
لقد تبين أن موضوع المجتمع المدني مترامي الأطراف ومتنوع المقاربات، فالحديث عن المجتمع المدني يرمي إلى إثارة مسألة الديمقراطية دون أن يسميها، وهو أيضا" تلميح إلى ممارسة للسياسة على نحو لا يرى فيها سعيا" وراء السلطة بوصفها استيلاء على الدولة، كما يقصد إلى إيلاء العلاقة بين الدولة والمجتمع ما تستحقه من اهتمام طال إغفاله.
أ - تعريف مصطلح المجتمع المدني
تأسيسا" على الملاحظات أعلاه وفي هذا السياق لا بد لنا من الالتفات إلى مصطلح "المجتمع المدني" الذي يحتمل أكثر من تحديد، وكأنه في التباساته يكشف عن التباسات العلاقة المذكورة بين المجتمع التقليدي والمجتمع المدني الحديث، فتكوينات "المجتمع المدني" تعبر عن مصالح جماعات وفئات قد تتنافى أو تتعارض، غير أن الذي يجمع بينها هو اعتمادها معايير "إنجازيه" حديثة، لا معايير "ارثيه" تقليدية، وهي مبدئيا" مستقلة عن السيطرة المباشرة لجهاز الدولة، وبتكاثر منظمات المجتمع المدني وفعاليتها، ستشعر أعداد متزايدة من الناس أن هناك بديلا" وظيفيا" معقولا" عن التكوينات الإرثية التقليدية (المذهبية والطائفية والعشائرية) ويؤدي ذلك إلى تقوية الولاء لهذا البديل وإضعاف الولاء للثانية .
يصب تعريف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للمجتمع المدني في هذا الاتجاه، إذ يعرّفه "بالمفهوم العصري الذي لا ينطبق على بنى الدولة والمجتمع قبل تشكل الدولة الحديثة. وهو يحدد مجالا" متمايزا" عن السلطة وأجهزتها وعن البنى التقليدية الموروثة في آن. ويشير إلى الانتظام والعلاقات القائمة على أساس مفاهيم معاصرة وعلاقات تنتمي إلى عصر الدولة الحديثة، تستند إلى معايير المواطنية والمشاركة الطوعية والانتظامات على أساس الخيارات الفكرية والجماعية المهنية، الخ ...
ولكن دون الدخول في بحث أكاديمي حول مفهوم المجتمع المدني ومؤسساته خاصة حيث تنوعت المدارس في توصيف مهماته بدءا" من روسو وصولا" إلى المدرسة المادية، إلا أنه يجدر الإشارة إلى أن اصطلاح المجتمع المدني هو وليد تقاطع تاريخي ما بين زمان ومكان، وتعود انطلاقته إلى المجتمعات الغربية تحديدا" في القرن الثامن عشر.و قد ارتبط منذ ظهوره بالفكر الليبرالي ثم ترافق في الحقبات التاريخية اللاحقة مع الفكر العلماني الذي دعا إلى الفصل ما بين الحياة المدنية والحياة الدينية.
وإذا كان روسو قد اعتبر أن المجتمع المدني يتمايز عن الدولة ويشكّل مصدرا" للسلطات فيها من حيث قدرته على وضع القيود والضوابط لها، فإن انطونيو غرامشي اعتبر المجتمع المدني أداة للترهيب الرمزي فتحدث عن نوعين من السيطرة داخل الدولة: السيطرة السياسية التي ترتكز على أجهزة الدولة أو الأجهزة الأمنية، والسيطرة المدنية وترتكز على الأجهزة الإيديولوجية غير الرسمية ( مؤسسات غير رسمية، جمعيات، أحزاب، نقابات، اتحادات... ).
من هنا يمثل المجتمع المدني ساحة الصراع الحقيقية التي تنجذب إليها وتتفاعل فيها قوى التغيير من اجل التحكم والإشراف على أجهزة الدولة، عبر تجاوز الروابط البدائية، العائلية، العشائرية، القبلية، الأهلية، الدينية، الطائفية، باتجاه إقامة علاقات جديدة بين الأفراد والجماعات على أساس المصالح المشتركة والأيديولوجيات الجامعة بحيث تفرز خطابا" وطنيا" واستراتيجية وطنية تهدف إلى تحقيق المزيد من الديمقراطية والمزيد من الضمانات لحقوق الإنسان، فهي فضاء للحرية يركز على حق الفرد والمجتمع والمواطن.
ب - حالة المجتمع المدني في البلاد العربية
توجد صعوبات في مقاربة دور المجتمع المدني في العالم العربي:
1 - الصعوبة الأولى تتعلق بحالة الحقل، فالأبحاث محدودة بالمقارنة مع حجم ودور بنى المجتمع المدني ومن بين الأسباب:
إن تقديم تحليل شامل عن الدراسات التي أجريت عن المجتمع المدني يجابه بعدد من العقبات، أهمها:
عدم توفر سوى مادة قليلة من البحث التحليلي الموثق للقضايا المطروحة.
عدم قيام ممثلو المجتمع المدني بتحضير كاف في ما يختص بتعريف دورهم داخل المجتمع وربطها بعمليات التحول الاجتماعي وكيفية تفاعل هذا الدور مع هذا التحول.
إن الأدبيات البحثية المتعلقة بهذا الحقل، والتي ظهرت في الغرب خلال العقود الماضية، هي في متناول دائرة ضيقة من المهتمين، وهي لا تدخل ضمن الاهتمامات الملحة.
2 - الصعوبة الثانية تتعلق بالمفاهيم المستخدمة في هذا الحقل (بما في ذلك مصطلح المجتمع المدني أو مصطلح "المنظمات الأهلية" أو "غير الحكومية") لم تشكل بعد مدار بحث كاف في أوساط المنظمات الأهلية نفسهاأو في المراكز الأكاديمية بشكل يمكنها من إعادة إنتاج تعريفات مقبولة لها ومناسبة لدورها.
3 - الصعوبة الثالثة تتعلق بتميز هذا الحقل بعدم التجانس سواء في طبيعة بنى المجتمع المدني أو بالسمات الخاصة بالأطر السياسية والاجتماعية التي تعمل فيها هذه البنى، مما يجعل أي محاولة متسرعة لاستخلاص استنتاجات عامة إلى إنتاج فهم مشوه للواقع وغير مساعد للباحث.
لذلك لا بد من اعتبار هذه الدراسة إسهاما" متواضعا" في مجال الاهتمام المتزايد لهذه الناحية في مختلف الأوساط، ومهما يكن تأثير هذا الجهد، فإننا على يقين بتنامي الاهتمام داخل المجتمع المدني وخارجه بأهمية هذا الدور كقوة دافعة تلعب دورا" مهما" في التحول الاجتماعي.
III - المعوقات أمام تطوير دور المجتمع المدني في العالم العربي:
أ – على الصعيد العام:
لقد أدركت من خلال تجربتي الشخصية منذ ثلاثة عقود ونصف، إن في المخيمات الفلسطينية، عبر جمعية "النجدة الاجتماعية"، أو في المناطق اللبنانية من خلال"مؤسسة عامل" المدنية أو "تجمع الهيئات الأهلية التطوعية في لبنان" (الذي يضم كبريات الجمعيات اللبنانية) أو "الشبكة العربية للمنظمات الأهلية" أو "الشبكة العربية للمنظمات غير الحكومية للتنميةأو في اليمن أو ظفار .. الخ، وجود المعوقات التالية في مجتمعاتنا العربية:
1 – غياب للرؤية الواضحة في عملنا، مما يجعلنا نغرق في الجزئيات والتفاصيل.
2 – طغيان ثقافة الانقسام والتشرذم مما يبعثر الجهود ويعطل الطاقات ويضيع الهدف الرئيسي.
3 – اعتماد أساليب النقد المتواصل خاصة السلبي والهدام منها.
4 - تبني الثقافة القطعية في ممارساتنا، أو طريقة "البلاغ رقم واحد"، أو أسلوب الأسود أو الأبيض، أي أن نقوم بتغيير كل شيء دفعة واحدة أو لا نفعل شيئا"، مما يؤدي إلى الفشل، وغالبا" عن حسن نية فنشعر بالإحباط وتحميل الآخرين وزر الفشل، وادعاء النقاء الذاتي والطهرانية، وذلك بدل العمل من خلال خطة محددة ومحفزة تنفذ على مراحل، فلا تراكم ولا تواصل ولا اعتماد للتطور التدريجي في تنفيذ إستراتيجية طويلة الأمد.
5 –هيمنة "الفرد" الـ "Boss" في مجتمعاتنا. في المنزل والمدرسة والجمعية والشركة والحزب والعائلة والعشيرة وصولا" إلى الدولة وبالتالي غياب لروح الفريق والعمل الجماعي.
6 – أما فيما يتعلق بالواقع القائم (والكلام موجه هنا للنخبة المثقفة التي يقع على عاتقها مسؤولية التغيير في المجتمعات ومن ضمنها بنى المجتمع المدني)، فإننا غالبا" ما نتصرف على أساس أن يكون رأينا هو الواقع بدل أن نعمل على تطوير الواقع لكي يقترب من الرأي الذي نؤمن به.
7 – وجود هوة بين ما نقوله وما نفعله، (لقد انطبع في ذاكرتي خلال تخصصي في الطب في فرنسا ما حصل أثناء هزيمة حزيران 1967، فعندما كنا نختبئ، نحن الطلبة العرب، في غرفنا تجنبا" لإهانات الغربيين، كنا نسمع في نفس الوقت البيانات من الإذاعات العربية متحدثة عن الانتصارات والتقدم على جبهات القتال).
ب – معوقات على صعيد بنى المجتمع المدني:
1. عدم تبلور دور المجتمع المدني بشكل مستقل عن الدولة. لم تتمكن بنى المجتمع المدني من تحديد مجال، متميز عن الدولة وعن البنى التقليدية الموروثة، والانتظام على أساس مفاهيم معاصرة، و علاقات تنتمي إلى عصر الدولة الحديثة.
2. عمل فردي و غياب روح الفريق داخل منظمات المجتمع المدني: إن العمل الاجتماعي هو عبارة عن جمع للطاقات العاملة الفردية والجماعية والذي يجب أن يعتمد على النظرة الوظيفية المهنية في المؤسسة أو المؤسسات أي أن يكون الجميع قيادات وهيئات في خدمة الفكرة أو المشروع وليس في خدمة الشخص أو الفرد ، إلا أن مجتمعاتنا لم تتعود حتى الآن على العمل بروح الفريق، ولا تزال عقلية الاعتماد على الفرد هي السمة الغالبة في بلاد العالم الثالث. ولقد ازدهرت هذه العقلية في الأرياف ثم غزت المدينة حيث ترسخت علاقات الانتماء والولاء على حساب البنى المؤسسية الوظيفية، وإن هذه العقلية ليست قائمة باتجاه واحد بل في الاتجاهين فالقاعدة قد تعودت على الحاجة إلى قائد حيث تهيمن عقلية المريسة "BOSSISME ".
3. عملية الذاتية داخل كل هيئة في التعاطي مع الآخرين: إن إنشاء الشبكات يقتضي تقديم تضحيات من منظمات المجتمع المدني وخصوصا" من قياداتها، على حساب الذات ولصالح العمل المشترك . إنها عملية مؤلمة، لها علاقة بلعبة السلطة ويجب أن يكون عنوانها العطاء وليس فقط الأخذ أي عملية باتجاهين وليس باتجاه واحد. ونظرا" لبروز الذاتية الموجودة أساسا" داخل كل جمعية، تبرز أيضا" في التعاطي مع الآخرين. إن هذه العقلية السائدة في مجتمعنا تنعكس على أي تعاون أو تنسيق بين بنى المجتمع المدني وحتى داخل المؤسسة الواحدة.
4. صعوبة الانتقال من الخدمات إلى التنمية: الصعوبات التي تعاني منها منظمات المجتمع المدني في الانتقال من ذهنية الخدمات على أهميتها إلى برامج التنمية . فالتنمية بمفهومها الجديد تتطلب تخطيطا" واعيا" فهي - كونها مسؤولية كل أفراد المجتمع - تتطلب قناعة والتزاما" فكريا"، بالسعي والعمل على تعديل "المخلفات القديمة" لتحقيق الصالح العام.
5. تراجع المساعدات المالية: إن تراجع المساعدات يولد صعوبات لدى منظمات المجتمع المدني خصوصا" تلك التي تعاني من ضعف في التمويل لإنجاز عملية التحول من الخدمات إلى التنمية. والملتزمة بحقوق الإنسان والساعية لتنمية قدراته بمعزل عن انتمائه السياسي أو الديني والجغرافي. وفي معظم الحالات إن التمويل والمساعدات التي تصل من الهيئات المانحة تخصص بشكل أساسي لإنجاز الدراسات والتدريب والتأهيل فقط وليس لتقوية القدرات الذاتية للجمعيات وللشبكات ومختلف بنى المجتمع المدني.
6. العائق التشريعي: إن التشريعات الناظمة للعلاقة مع الحكومة، والتطبيق الخاطئ يلغي استقلالية المؤسسات الأهلية وبنى المجتمع المدني.
7. إن أحد أهم العقبات الأساسية أمام الفعالية التنموية لبنى المجتمع المدني هو : طبيعة برامج عمل هذه المنظمات نفسها، والذي يعتمد أسلوبا" مؤقتا"، لا ينسجم مع المفاهيم الجديدة في إعطاء الأولوية للعامل البشري ولتوسيع قاعدة المشاركة في عملية التنمية، و صدور المبادرة عن الجماعات المتضررة، واقتران الخدمة بتحفيز المشاركة والعمل النشيط من الجماعات المستهدفة في تحقيق أهدافها.
8. عدم توفر أهلية داخلية لدى هذه المؤسسات بمعنى أن يكون كل عضو في هذه الهيئات ملتزما" بمبادئ التنمية : وتمليك الأعضاء العاملين الرؤية التنموية وإشراكهم في عمل ميداني في هذا الاتجاه، وتمكين العاملين أي الاستفادة من الطاقات المتوفرة محليا"، ودعم المبادرات الفردية والعامة وتنميتها لتكوين قيادات محلية .
9. معوقات لها علاقة بطبيعة العمل الاجتماعي، إذ يبرز فيه، كما هو الحال في الواقع السياسي، نوع من الصراع على مناطق النفوذ، ويتم التعبير عن هذا الصراع بأشكال مختلفة: مناطقية حزبية طائفية ... الخ، وأحيانا" يتم الاتفاق على اقتسام مناطق النفوذ، حيث تتحالف مجموعة من الهيئات وتشكل إطارا" تنسيقيا" فيما بينها، فينشئ إطار آخر أو أكثر في المقابل، كما أن طبيعة الجمعيات أيضا" تنعكس على العمل المشترك، إذ يوجد نوع من الجمعيات الكبيرة (إمبراطوريات) لها شعاراتها وأدبياتها وإعلامها مع تميز بنرجسية ذاتية، مما يولد غالبا" لدى الجمعيات الصغيرة شعور بعدم القدرة على تقديم إنجازات أساسية قياسا" إلى الجمعيات الكبيرة، فيصبح عندها عقدة النقص وشعور بالاضطهاد من هذه الجمعيات أو من مؤسسات الدولة التي لا تقدم لها المساعدات كما هو الحال مع الجمعيات الكبيرة والقريبة من مصادر القرار.
10. عمق الفجوة بين النظرية والتطبيق: إن العديد من القيمين على الجمعيات، لا يضجرون من طرح خطاب جبهوي والحث على التسامي فوق الحساسيات والأمور الخاصة، نجدهم في أول تجربة ومع أول مسؤولية يتسلمونها ضمن إطار مشترك أشد ممارسة للفئوية، ويقومون بمحاولات لتحسين موازين القوى الداخلية في الجمعية التي ينتمون إليها وذلك بالاستعانة بالعوامل الخارجية وعلى حساب العمل المشترك.
11. تخلف برامج عمل وهياكل المنظمات، وضعف الممارسة الديمقراطية الداخلية، والتنافس والتكرار والانقسام فيما بين المنظمات غير الحكومية، وقصور البناء الإداري والمؤسسي وضعف العامل الذاتي لأعضاء الشبكات الذين يقبلون بأن تنحصر مسؤولية العمل المشترك في عدد محدود من الأشخاص بالإضافة إلى غياب البعد الإعلامي للتوعية وتهيئة المناخ وقصور نظام المعلومات.
12. وجود بعض الشبكات "كعدة للشغل" بقرار من أفراد أو بعض الهيئات من أجل الحصول على التمثيل وسياحة المؤتمرات والسفر الدائم، مع اعتماد خطاب حقوق الإنسان والتنمية مع وكلاء محليين يمارسون الـ Charity business، حيث بات يوجد هياكل عالمية وإقليمية وقطرية تحولت إلى هياكل هرمية يسيطر عليها نفر من الناس منفردين شبيهة بالواقع العربي اللاديمقراطي.
ج - معوقات تتعلق بالأنظمة والحكومات:
1. غياب الديمقراطية السياسية والمجتمعية.
2. تقليص المشاركة الأهلية والشعبية في إدارة المجتمع وصنع القرار السياسي.
3. بيروقراطية الدولة وعدم قيامها بمسؤولياتها إزاء متطلبات واحتياجات المواطنين.
4. المركزية وسيادة منطق الاستبداد الأبوي والسياسي والتي تؤدي إلى مصادرة العمل المدني وتقليصه.
5. التشريعات التي تعوق دور الفرد والمجتمع وتتعارض مع الديمقراطية وحقوق الإنسان وخاصة تشريعات الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني.
6. محاولات الأنظمة للالتفاف حول دور المنظمات غير الحكومية، بخلق منظمات تابعة للأجهزة التنفيذية للدولة والإدعاء بكونها منظمات غير حكومية وذلك لاستقطاب التمويلات الدولية، وإجهاض الدور الفعلي لهذه المنظمات.
7. إن سياسة التمييز من قبل القطاع العام بين جمعية وأخرى، ينعكس على العلاقة الداخلية بين الهيئات الأهلية، خصوصا" فيما يتعلق بتوزيع المساعدات والأدوار واتخاذ المواقف من السياسة الاجتماعية والإنمائية للحكومة .
8. إن الخطط الاقتصادية المعتمدة في الدول العربية لا تقوم على ترابط البعدين الاقتصادي والاجتماعي ضمن استراتيجية تنموية واحدة توفر الحماية الاجتماعية، مما ساهم ويساهم في إفقار الأكثرية الساحقة من المواطنين ويزيد من أعداد الفئات المهمشة وبالتالي زيادة الأعباء على منظمات المجتمع المدني ويؤدي إلى توتر العلاقة بينها وبين جمهورها الذي يئن وهي غير قادرة على الاستجابة لطلباته.
9. إن عدم توفر الإحصاءات والمعلومات الدقيقة مما ينتج عنه عدم التمكن من وضع سياسة وطنية إنمائية شاملة يحدد من خلالها دور كل جهة من حكومة ومنظمات مجتمع مدني وخاصة ودولية، ومما يبقي الازدواجية في المشاريع وهدر الطاقات وبعثرة الجهود وتكرار لنفس الأنشطة وعدم تأمين متطلبات الناس في حدودها.
10. تفاوت العلاقة بين الدولة ومنظمات المجتمع المدني: تتفاوت النظرة من قبل الجهات الرسمية إلى علاقة منظمات المجتمع المدني بالحكومة، فمنها من يعتبرها ملحقا" أو مكملا" أو متعارضا" معها. إلا أنه في جميع الحالات بات هناك "مجتمع مدني" لكل من السلطة والمعارضة، وباقي القوى الأخرى وهي بمثابة "عدة للشغل"، مما جعلنا نقترح تسمية المنظمات الملتزمة بقضايا الشعب بدل تعبير "المجتمع المدني" لكي تتحدد طبيعة العلاقة.
11. عدم وجود شراكة حقيقية بين القطاع العام ومنظمات المجتمع المدني. إن كلمة شراكة تفترض وجود نوع من الندية، فهل ينظر القيمون على القطاع العام إلى ممثلي المجتمع المدني نظرة مساواة أم هناك نظرة فوقية. أما بالنسبة لممثلي المنظمات، هل لديهم الثقة الكافية بالنفس من أجل تجاوز العقد الماثلة أمام هالة الألقاب والمواقع الضاربة جذورها عميقا" في المجتمعات الشرقية.
لقد تبين حتى الآن أن التجارب المشتركة الحاصلة ترتبط بشكل عام بالأشخاص الموجودين على رأس الوزارات ومنظمات المجتمع المدني أكثر مما هي تعبير عن خطة ونهج واضحين لجميع الفرقاء من خلال رؤية يحدد من خلالها دور كل طرف.
د – معوقات الشراكة على صعيد الهيئات المانحة:
1. استمرار العديد من الهيئات المانحة في التعاطي بذهنية " المشروع " " والمساعدة " الموروثة عن الاستعمار، بدل التعاطي بروح الشراكة PARTENARIAT أي أن نتشارك فيما بيننا كل حسب إمكاناته وتوجهاته من أجل توفير التنمية والعدالة الاجتماعية .
2. إن الجزء الأكبر من المساعدات يصرف على إنجاز الدراسات وإقامة المؤتمرات وبرامج التدريب والتأهيل، وليس في العمل على تقوية القدرات الذاتية لكل جمعية وللشبكات التي تعمل على تعزيز برامج التنمية الذاتية. هذا بالإضافة إلى التراجع في حجم المساعدات من قبل الهيئات المانحة للجمعيات الأهلية.
3. تعاظم النظرة الفوقية في ظل سياسة اقتصاد السوق وطغيان القيم المادية على ما عداها، بالرغم من كل الخطابات حول التنمية المستدامة وحقوق الإنسان.
IV – آلية تفعيل دور المجتمع المدني العربي:
"وقل ما فائدة الدولة إذا لم يكن الجميع على سطحها"
مقتطف من كتاب "الدولة" لمؤلفه تيجان م. صلاح (1998)
أولا" : وضع رؤية شاملة للتنمية، تحدد من خلالها آلية تفعيل دور المجتمع المدني.
ثانيا" : آلية عمل الشراكة بين الحكومة وبنى المجتمع المدني.
ثالثا" : آلية تفعيل المجتمع المدني التنموي والدفاعي عبر الشراكة مع الحكومة
رابعا" : السبل الكفيلة بتطوير قواعد الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص وبنى المجتمع المدني.
أولا" : اعتماد رؤية شاملة ومحفزة للتنمية:
أ – إن شعار فكّر عالميا" ونفذ محليا" " Think globally and act locally أصبح بمثابة الوصية الأولى من وصايا التنمية المستدامة " مما يؤكد أهمية العمل على:
"1 - العمل على إقامة السوق العربية المشتركة، وتطور فعاليتها وحضورها في تحديد السياسات العالمية الاقتصادية والاجتماعية، حتى لا يفرض عليها اتفاقات لا تتناسب مع مصالح شعوبها،
2" - تكوين رؤية شاملة ومحفزة، رؤية لدولنا بعد عشرين أو ثلاثين سنة وتصميم محكم لبلوغ هذه الرؤية على مراحل، وليس مرة أخرى مجرد قائمة من المشاريع العامة والتوجهات العامة والتمنيات سرعان ما نتخلى عنها أو نعجز عن تنفيذها.
3" - القيام بخطوات في بناء إجماع وطني وقومي حول فلسفة التنمية الشاملة في البلاد العربية، عبر صياغة عقد اجتماعي جديد بين الحكومة والقطاع الخاص والقطاع المدني، في إطار شراكة ثلاثية بهدف تعبئة أفضل لقدرات المجتمع وإدارة أكثر رشادة لشؤون الحكم، وينطوي هذا المفهوم على إعادة تحديد مجالات العمل والنشاط لكل من الحكومة والقطاع الخاص وبنى المجتمع المدني. شريطة صياغة سياسات تمكن الربط بين النمو الاقتصادي من جهة والتنمية الاجتماعية من جهة ثانية وإدارة ذكية لهذه السياسات.
ب – آلية عمل تنفيذ هذه الرؤية بين الحكومة وبنى المجتمع المدني:
1 - اعتبار منظمات المجتمع المدني شريكا" أساسيا" مع الحكومة على قاعدة الحوار والتشاور والتنسيق والتعاون، وعلى أساس قيام الحكومة بمسؤولياتها في رفع مستوى الخدمات وتوسيع نطاقها وفعاليتها وليس الحد من دورها التدخلي والمركزي كما تقتضي إستراتيجية إعادة الهيكلة الاقتصادية.
2 - تحسين الأداء الداخلي لمنظمات المجتمع المدني والعمل على تطوير الممارسات المؤسسية ومشاركة الفئات المستهدفة في تحديد الاحتياجات، وإتاحة الفرصة لظهور عناصر جديدة في إدارة شؤون المنظمات، والتأكيد على أهمية تداول وتجدد القيادة، وتكثيف الجهود نحو التنسيق القطاعي فيما بينها على قاعدة العمل المتخصص والمنهجية العلمية.
3 - مشاركة المرأة والشباب في العمل الانمائي والدفاعي كمدخل للتنمية المتكاملة.
ثانيا" : آلية عمل الشراكة بين الحكومة وبنى المجتمع المدني:
1 - وضع الأسس السليمة لبناء الشراكة، عبر توفير الجو السياسي والتشريعي الذي يسهل على منظمات المجتمع المدني القيام بدورها في ظل احترام الاستقلالية المؤسسية.
2 – إنجاز قانون جديد بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني يعزز من دور الجمعيات ومن استقلاليتها ومن حرية التنظيم وحرية الرأي وحرية التعبير.
3 – اعتماد معايير واحدة، في التعامل مع منظمات المجتمع المدني، وتطوير أجواء الثقة المتبادلة.
4 - تيسير تبادل وتفاعل الخبرات والتجارب مع منظمات المجتمع المدني وتهيئة المناخ لدور أكثر فعالية لها في عملها التنموي.
5 – تزويد منظمات المجتمع المدني بالمعلومات وإصدار قانون حرية الحصول على المعلومات.
6 – تحديد الدور التكاملي لكل من الحكومة ومنظمات المجتمع المدني واشتراك ممثلي المجتمعات المحلية والناس، أصحاب الشأن عبر آليات تعزز المشاركة المجتمعية وتطور مفاهيم الديمقراطية يكون في أساسها توفير حقوق الإنسان في التعبير، الصحة، التعليم، العمل، السكن، الغذاء، البيئة، وتعزيز وتفعيل دور المرأة بهدف إشراكها في صنع القرار، وخلق فرص أمام الشباب، والتركيز على الفئات المهمشة اجتماعيا".
ثالثا" : آلية تفعيل المجتمع المدني التنموي والدفاعي عبر الشراكة مع الحكومة:
اعتبار أن الفقر والبطالة والأمية هي نتاج سياسات غير سليمة سواء كانت محلية أو دولية، وإن حل تلك المشكلات لن يتحقق بدون عدالة حقيقية سياسية واجتماعية واقتصادية تضع في اعتبارها التركيز على النساء والأطفال وكافة الفئات المهمشة والضعيفة، وذلك ضمن الخطوط العامة التالية:
1 - وعي من قبل بنى المجتمع المدني للقضايا المطروحة وبلورة رؤية واضحة ومحددة حول الحلول المطلوبة على الصعيد الوطني على أساس أن الحكومة هي المسؤولة عن شؤون المواطنين، وإن الهيئات الأهلية وبنى المجتمع المدني لها دور مشارك وتكاملي وقوة ضاغطة من أجل تصويب السياسات العامة.
2 – عدم وقوع منظمات المجتمع المدني في الفخ المنصوب لها، أي أن تأخذ دور الدولة في المجال الخدماتي عبر القيام بالدور المفترض أن تقوم به الدولة، إذ أن اعتماد سياسة التصحيح الهيكلي، الذي يقتضي إضعاف الدور الاجتماعي للدولة وتعزيز الخصخصة، سيضاعف من مهمات الهيئات الأهلية والشبكات. والمطلوب هو تقوية المجتمع المدني وتنميته وإغناء مؤسساته وتعبئة طاقاته، وفي نفس الوقت تقوية الدولة العادلة الناظمة لعلاقات المجتمع والموازنة لقواه، وردم الهوة بين المجتمع والدولة ومصالحتهما، بحيث تكون الدولة في خدمة المجتمع ويتمثل المجتمع في الدولة.
3 – في إطار الشبكات وتوزيع المهام على الأعضاء من خلال اختصاص كل جمعية، العمل على أن تتولى كل جمعية قيادة البرامج والنشاط على صعيد مشترك في المجال الذي تبرع فيه ويشكل اهتمامها الأول، مما يجعل الجمعية تقوم بنفس الدور الذي تقوم به أساسا" داخل إطارها لتتعداه للإطار التشبيكي مما يساعد على الانتقال من دور الجمعية نحو المؤسسة الجامعة وإنشاء قيادة جماعية على أن تقود كل جمعية الشبكة في المجال الذي تتميز به .
4 - القيام بتنفيذ برامج قصيرة وطويلة المدى من أجل توعية المجتمع والعاملين في المنظمات غير الحكومية والتدريب على المشاركة الشعبية الفاعلة في إدارة المجتمع وصنع القرار السياسي وذلك في إطار من التخطيط.
5 - القيام بوظيفة الرقابة الشعبية والمؤسسية على الدولة وهي تؤدي دورها وتقوم بوظيفتها.
6 - التوجه نحو تدبير مصادر التمويل الذاتي لتوفير أكبر قدر من الاستقلالية للمنظمات غير الحكومية.
7 - توفير نماذج رائدة في مجالات مكافحة الفقر والبطالة والأمية وتوفير فرص العمل.
8 - إطلاق طاقات عمل ومبادرات المنظمات غير الحكومية بتحريرها من قيود البيروقراطية وتوجيه الاهتمام نحو المنظمات القاعدية والشعبية ودعمها بالخبرات والطاقات.
9 - وضع وتعميم نموذج التنسيق بين المنظمات الأهلية المحلية الهادفة إلى العمل المشترك في برامج مراكز للتنمية المحلية المتكاملة وإشعار المنظمات الممولة بفائدة وضرورة دفع هذا النموذج المرتكز إلى تكامل حاجات المجتمع المحلي، وذلك تلافيا" للهدر في الطاقات والأموال وتلافيا" للتفتيت والتنافر في هذا المجتمع.
10 - تطوير مفاهيم وأداء بنى المجتمع المدني لممارسة شراكة متكافئة ومتفاعلة مع الحكومة (تطبيق توصيات قمم الأمم المتحدة، والتزام الدول العربية بتنفيذ هذه الشراكة).
11 - وضع الآلية التنظيمية على مختلف المستويات لمشاركة منظمات المجتمع المدني في بلورة الخطط الوطنية التنموية وكيفية وضعها حيز التنفيذ. (توفير جذر مشترك في حال تبني هذا الفهم وبالتالي الابتعاد عن ذهنية التوظيف المباشر في السياسة).
12 - وضع الدراسات حول دور وإمكانات منظمات المجتمع المدني ومستوى القدرة على المشاركة مع الحكومة في عملية التنمية خصوصا" في المناطق الريفية. واعتماد التجارب الناجحة لنماذج رائدة يحتذى بها في عملية الشراكة.
13 - تشجيع المؤسسات الأهلية الرعائية لاعتماد برامج تنموية تؤدي إلى تمكين الفئات المستهدفة، ودعم البناء المؤسسي للمنظمات الأهلية، وتطوير برامج التدريب لكوادر هذه الهيئات، وتعزيز قدرة العاملين على المهارات الإدارية والمحاسبية، وإيجاد آلية لضمان الشفافية والمساءلة المتبادلة المحلية. وتعزيز الثقة بمصادر تمويل هذه الهيئات (تمويل غير مشبوه)، وتأمين استقلالية عن الهيئات المانحة.
14 - تعزيز العلاقات مع قوى الضغط ومختلف بنى المجتمع المدني من أجل مكافحة الفساد بكافة صوره، ودعم التعددية والديمقراطية، وتعزيز دور المرأة وتمكينها، والاهتمام بالطفولة، واحترام حقوق الإنسان وحرية التعبير.
إن المحاولات الجادة في السنوات الأخيرة من التشاور والعمل المشترك وتشكيل إئتلافات قطاعية في كثير من أنحاء العالم لمعالجة قضايا وموضوعات محددة (مثل حماية البيئة، حقوق الإنسان، حقوق المرأة، قضايا التعليم والصحة، الطفولة ... الخ)، إن حملات الضغط هذه يجب أن تستمر وتتوسع وطنيا" وإقليميا" وعالميا". كذلك الانخراط بالنشاط الدولي المعقود في هذا المجال عبر تحالف عالمي لمنظمات المجتمع المدني. لقد حان الوقت لمزيد من العمل وبجرأة لدعم الاتجاه نحو التضامن العالمي والمواطنة العالمية ومواجهة تراجع مؤشرات التنمية التي تعصف بالاستقرار وتعمق الفوارق بين من يملك ومن لا يملك، والإسهام في تحقيق العدالة بين الناس في المجتمع.
15 - توسيع قاعدة العضوية في منظمات المجتمع المدني، وتعميق المشاركة والممارسة الديمقراطية. كذلك توسيع الدور التنموي لبنى المجتمع المدني والتكامل فيما بين القطاع الثالث وتعزيز الشبكات القطاعية.
16 - تعزيز الاستقلالية في التمويل للقطاع المدني وخلق أنماط متعددة للتكامل فيما بينها ومع القطاعات الرسمية والخاصة، فالتنمية – مسؤولية كل أفراد المجتمع – تتطلب التزاما" وقناعة من الجميع. وما يتعلق بالتعاون بين منظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص، اعتماد الشعار التالي: "أنسنة القطاع الخاص، واحتراف القطاع الإنساني".
“Humanize the private sector and professionalize the humanitarian sector”
17 – تشكيل أداة ضغط للتأثير في السياسة العامة: لكي يستطيع القطاع المدني لعب دور الشريك في التنمية ومطالبته لحكومة بالاعتراف بهذا الدور يتطلب منه القيام بمراجعة نقدية لأدائه وبرامجه، والعمل على تعزيز الآليات والممارسات الديمقراطية داخل المنظمات نفسها، وبلورة رؤية استراتيجية عامة لدوره وليس حملات ظرفية ومؤقتة غير مكتملة كذلك إعطاء الأولوية للتوجه للفئات الاجتماعية الأكثر عرضة، والاستجابة لمعطيات العمل القاعدي بدل الجنوح نحو إعطاء الأولوية للتوجه نحو الجهات المانحة التي ينبغي عدم اقتصار عملها على التعامل مع نتائج المشكلات الصحية والاجتماعية بل بذل الجهود الكافية للتعامل مع الأسباب. إذ أن خطط النمو – لا التنمية – تتقرر عادة بين الحكومة ورجال الاقتصاد والمراكز المالية الدولية، مما يعني تهميشا" لدور المجتمع المدني، من هنا يقع على عاتق الهيئات الأهلية وبنى المجتمع المدني إعادة صياغة الاحتياجات التنموية ومحاولة التأثير في السياسات العامة واختراق نموذج النمو الاقتصادي المطروح جزئيا" أو قطاعيا"، والسعي لمعالجة الآثار السلبية للنمو السائد، وذلك عبر تفعيل المجتمع المدني بحيث يشكل أداة ضغط (ADVOCACY AND LOBBYNG) للتأثير على السياسة الرسمية وتعديل استراتيجيات هذه السياسة لتكون في صالح كافة المواطنين، بغض النظر عن انتمائهم الجغرافي أو الديني أو السياسي.
18 - قيام ميثاق تعاون بين مختلف بنى المجتمع المدني، تتوزع فيه الأدوار عبر أنماط متعددة من التكامل والعمل على خلق طروحات على المستوى السياسي واعتبار التنمية مسؤولية كل أفراد المجتمع، مما يتطلب التزاما" فكريا" وعملا" لتعديل "المخلفات القديمة" لتحقيق" الصالح العام.
19 - أن تتمتع منظمات المجتمع المدني بأهلية داخلية، أي أن يكون الأعضاء ملتزمين بمبادئ التنمية، وأن تعمل هذه المؤسسات على توفير الديمقراطية والمشاركة والاستقلالية عبر تمليك الأعضاء الرؤية التنموية، وتمكينهم من توظيف الطاقات المتوفرة ميدانيا"، ودعم المبادرات الفردية والعامة، وتكوين قيادات محلية جديدة.
20 - أن تعي منظمات المجتمع المدني دوما" إلى أن دورها يكتمل بمشاركة الناس لا بالحلول محلهم، أي أن يكون الدور غير تمثيلي، قوامه المصداقية والالتزام بالمسار التنموي من موقع غير محايد، ويعبر عن مصالح الناس.
21 - التأكيد على أن تكون العلاقات المتبادلة بين المنظمات غير الحكومية والمؤسسات المانحة قائمة على التنسيق المشترك وعلاقة مشاركة على أساس من التساوي والندية، دون طغيان قوى المؤسسات الغنية على المنظمات غير الحكومية في البلدان النامية، وذلك بأن تكون الأولوية لمراعاة المتطلبات المحلية والفعلية في إطار من التنمية العادلة والمتوازنة وفي ذلك كله نكون منطلقين من أن ديمقراطية المجتمعات والمشاركة لهما دور أساسي في عملية التنمية.
22 - التأكيد على أن سياسة العدوان والعنف التي تتبعها دولة إسرائيل تجاه الشعبين الفلسطيني واللبناني تعيق بدرجة كبيرة تطور ونمو المنظمات غير الحكومية في هذين البلدين وذلك بإضافة أعباء إنمائية وخدماتية هائلة تفوق طاقة هذا القطاع وبشكل يمنعه من لعب دور تنموي شمولي فاعل بالرغم من كبر قطاع منظمات المجتمع المدني في هذين البلدين.
23 - التأكيد على أن الاحتلال الأميركي للعراق يهدد بشكل واضح المجتمع المدني والتنمية البشرية للشعب العراقي، كذلك دوامة العنف والحروب في باقي البلدان العربية التي تستنزف المنطقة ماديا" وبشريا" وحضاريا".
V – خاتمة
لا يزال العالم العربي يصنف في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين في خانة الدول النامية، وهو التعبير الملطف للدول المتخلفة، كما لا تزال التقارير الدولية تشدد على إدراجه في خانة المناطق المنكوبة. لم تشفع سياسات التحديث والتنمية حتى الآن إدخاله في العصر الحديث، كما لم تتمكن تطورات العولمة والتقدم والتكنولوجيا من انتشاله من بؤرة التخلف المتعدد الجوانب. يطرح كثيرون في العالم العربي وخارجه أسئلة عن الأسباب التي حالت ولا تزال دون انتقال العرب إلى الحداثة والتحديث ومواكبة تطورات الزمن المتقدم، قياسا" بأمم لا تملك الحد الأدنى مما يملكه العرب من إمكانات وطاقات مادية.
لقد وقعت الدول العربية على إعلان الألفية مع تحديد أهداف واضحة للحد من الفقر، الجوع، المرض، الأمية، تلوث البيئة والتمييز ضد المرأة وذلك بحلول العام 2015. مما يترتب عليها مجموعة من الالتزامات تترجم في أطر عمل أكدت على دور المجتمع المدني ومن ضمنه المنظمات الأهلية كقوة دافعة تلعب دورا" مهما" في التحول السياسي والاجتماعي ومن ضمنها تحقيق أهداف الألفية التنموية.
إن الخروج من الواقع الحالي يقتضي اعتماد ركنين أساسيين هما:
1 – الركن الأول: دمقرطة التنمية:
إن تحقيق أهداف الألفية التنموية يتم من خلال: اقتصاد منتج، وحفز الاستثمارات الخاصة، والخروج من الفقر، والقضاء على الأمية والبطالة، والحد من الهجرة وتقليص الهوة بين المناطق أو بين الفئات الاجتماعية واللحاق بالتطور الثقافي العالمي، وهي جميعها تمثل تحديات أساسية لمستقبل المنطقة العربية، لا يمكن تحقيقها إلا من خلال دمقرطة التنمية التي تقوم على إشراك مختلف القوى والفئات الاجتماعية ومن ضمنها بنى المجتمع المدني في تحديد السياسات والخيارات الاقتصادية والاجتماعية والبشرية في العالم العربي، المصنوعة محليا" والمقررة من الداخل، ويحول دون اتخاذ التنمية منحا" عاموديا" سواء اجتماعيا" أم قطاعيا" أم مناطقيا" ولتحقيق ذلك علينا التعاون مع العالم الخارجي وفيما بيننا في العالم العربي والخروج من عقدة الخوف من الفرض والإملاء والدخول في علائق تشاركية وتفاعلية متكافئة.
2 – الركن الثاني: تمكين المؤسسات الديمقراطية في العالم العربي:
إن الركن الثاني في عملية تحقيق أهداف الألفية الذي يمثل تحقيقه شرطا" الركن السابق، هو تمكين المؤسسات الديمقراطية في الدول العربية بتعزيز المشاركة السياسية وبناء دولة القانون والمؤسسات وتفعيل دور المواطن وإعادة تحديد علاقته بالدولة وتقوية دور السلطة القضائية واستقلاليتها، والقضاء على الفساد، وخلق آليات للشفافية والمساءلة واحترام دور السلطة التشريعية وعقلنة الثقافة السياسية وصون التعددية السياسية وضمان تداول السلطة وتوسيع مساحة الحرية ورقعة العمل للمجتمع المدني. كلها شروط أساسية لاندفاع الدولة في طريق التنمية الديمقراطية نفسها.
إن العالم العربي في أشد الحاجة اليوم إلى تثبيت هذين الركنين للانطلاق في عملية تحقيق أهداف الألفية والنهوض المستقبلي حيث العالم يغدو أكثر تقاربا" وتداخلا" وترابطا" وحيث ظاهرة التكتلات الإقليمية أو المقاربة باتت تمثل سمة القرن الجديد،.إن نظاما" عربيا" جديدا" يمثل ركنا "التنمية الديمقراطية"، و"تمكين المؤسسات الديمقراطية" أبرز مقوماته هو القادر على تحقيق أهداف الألفية وعلى احتلال موقع في النظام العالمي الجديد الآخذ في التكون.
إن الانطلاق برفع هذين الركنين في العالم العربي يتطلب إنجاحه أيضا" إخراج هذه المنطقة من دوامة العنف والحروب والاحتلالات التي استنزفت المنطقة ماديا" وبشريا" وحضاريا" على مدى عقود. إن الخروج من هذا الواقع الاستنزافي يمثل مدخلا" أساسيا" لتحقيق النهوض في العالم العربي.
كلمة أخيرة، وفي إطار العمل على انتشالنا من الواقع الصعب الذي نعيشه، وفي ضوء التجربة الطويلة في "مؤسسة عامل" المدنية والشبكات المحلية والعربية والدولية، قررنا اعتماد المبادئ التالية في سبيل الشراكة من أجل التنمية ومن أجل تفعيل المجتمع المدني.
1 – رفع شعار "التفكير الإيجابي والتفاؤل المستمر" في مواجهة شعار "الهدم على يدي ولا البناء على يد الغير".
2 – اعتماد خطة الثلاث ميمات: مبدأ، موقف، ممارسة. فالبعض منا لديه مبدأ، ولكن لا ينسجم مع الموقف أو الممارسة، والبعض الآخر لديه ممارسة جيدة، ولكن ليس لديه مبدأ. بينما المطلوب أن ينسجم المبدأ مع الموقف ومع الممارسة. أي كما يقول نيلسون مانديلا "إذا ما توفرت الرؤية مع التطبيق العملي، فباستطاعتنا أن نغير العالم".
3 – أما حول طريقة العمل مع الأصدقاء والمحايدين والخصوم الموجودون في المجتمع، اعتمدنا الخطة التالية: توثيق العلاقة مع الأصدقاء والعمل على تحويل المحايدين إلى أصدقاء والسعي إلى تحييد الأخصام. أي العمل عكس الثقافة السائدة في مجتمعاتنا، إذ أننا نختلف حول القليل الذي يفرقنا ونهمل الكثير الذي يجمعنا.