عين الحلوة: كثافة سكانية.. واقع صحي سيّئ وتعليم متدن ومطلوبون بالجملة
تقرير »شاهد« عن الوجه الإنساني لعين الحلوة: ما هو أبعد من الأمن..
أعدت مؤسسة شاهد لحقوق الانسان تقريرا يشرح الجوانب الانسانية غير المضاء عليها اعلاميا لمخيم عين الحلوة، تنشره »السفير« بالاتفاق مع المؤسسة.
خط طويل من السيارات التي تنتظر الدخول. تدقيق في الهويات والوجوه. تسجيل لأوراق السيارات وأرقامها. انتشار عناصر الجيش عند نقطة التفتيش في حالة تأهب واستنفار. تأفف وضجر، بكاء من هذا الطفل الذي طال به الانتظار تحت أشعة الشمس الحارقة، أو ذاك الطالب، أو المريض، أو العامل.. يظن الزائر للمرة الاولى أنه يدخل الى منطقة عسكرية، أو أن من يعيش في ذاك المكان هم مجموعة من الأشخاص الخطرين، لا سبعين ألفا من اللاجئين أو يزيدون. إنه مخيم عين الحلوة.
ومع أن اسمه يوحي بالجمال والهدوء، إلا أن كل شيء في المخيم أو حوله هو عكس ذلك تماما، فلا عين ماء عند سفح الجبل، ولا فيه جمال الطبيعة وروعتها ولا نبع جارٍيا...
ومن منا لم يسمع بمخيم عين الحلوة، أكبر المخيمات وأكثرها اكتظاظا بالبشر، لكن ما نسمعه أو يردده الإعلام هو غير الوجه الإنساني الضائع بين تفاصيل السياسة والأمن، تلك الصورة القاتمة الغارقة في الهموم والسواد، تلك الإنسانية المتوارية خلف سني الحرمان.
يقع مخيم عين الحلوة بالقرب من مدينة صيدا حيث يبعد عن وسطها ٣ كلم فقط، وهو يعتبر امتدادا عمرانيا متصلا مع المدينة. يزيد عدد سكان المخيم عن الـ٧٠٠٠٠ نسمة١ وتبلغ مساحته ٠,٨ كلم مربعا، ما يعني أن الكثافة السكانية عالية جدا. وهو أكبر المخيمات من حيث السكان في لبنان، ويعتبر عاصمة الشتات الفلسطيني في لبنان، ومخيم عين الحلوة يضم عدة مخيمات، تضم مهجرين نتيجة للحرب الأهلية: سكان من مخيم النبطية، سكان من مخيم تل الزعتر المدمرين.
وأهم ما يمكن قوله على الإطلاق هنا، هو أن اللاجئ، أي لاجئ، يعاني حتى لو كان يتمتع بكامل حقوقه. فالفلسطينيون في لبنان مشكلتهم الكبرى أنهم لاجئون بعيدون عن أرضهم وقراهم ومدنهم. ولو كانت العودة ممكنة للفلسطينيين لتمت معالجة جميع المشاكل المتعلقة بمعاناتهم في لبنان، لكن حتى يتحقق ذلك، فإن المطلب الأول هو أن يعيش هؤلاء بكرامة وأن يتمتعوا بحقوقهم المنصوص عليها في مختلف المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان، كذلك بما يؤمن به اللبنانيون أنفسهم في مقدمة الدستور، القانون الأسمى في البلاد.
ويعاني مخيم عين الحلوة هموماً اجتماعية واقتصادية من اهمها:
١ الكثافة السكانية العالية على بقعة جغرافية محدودة: تترك هذه الكثافة آثارا سلبية على علاقات الناس ببعضهم البعض، كما أن التعاطي بين السكان يتسم بالحدة أحيانا نتيجة للضغط. وتقدر الفعاليات السياسية والشعبية في المخيم عدد السكان بما يزيد عن الـ٧٠٠٠٠ نسمة على مساحة محدودة، بينما تقدر الأنروا عدد السكان بحوالي ٤٥٠٠٠ نسمة٢ على مساحة تقدر بـ٠,٨ كلم مربع. مما يعني عمليا ان الكثافة السكانية تبلغ ١٧ نسمة على المتر المربع الواحد.
٢ التعاطي الأمني مع المخيم: تتعاطى الحكومات اللبنانية مع موضوع الفلسطينيين من منطلق أمني. فالفلسطيني في مخيم عين الحلوة موضع شبهة. حواجز التفتيش والتدقيق على كل مداخل المخيم تولد حالة غضب ويأس ونقمة تجاه كل شيء. وقد تقدم الأجهزة الأمنية أسبابا كثيرة لتبرير إجراءاتها، لكن سكان المخيم يدفعون ثمنا باهظا لذلك، إذ أن سكان المخيم ليسوا كلهم مطلوبين للقضاء اللبناني وللأجهزة الأمنية، وليس من المعقول أن تستمر الإجراءات المشددة لفترات طويلة. إن القوانين التي تنظم حالات الطوارئ تحدد شروطا لذلك، أهمها عامل الوقت، وزوال الأسباب. إن التعاطي الأمني بالمطلق مع المخيم له آثار سلبية على السكان، فالضغط يولد الانفجار، ويحرف البوصلة عن اتجاهها الصحيح، ويخلق مشاكل أخرى.
٣ ملف المطلوبين: يعتبر المطلوب للقضاء اللبناني أو للأجهزة الأمنية سواء لارتكابه جنحة أو جناية عبئا اجتماعيا واقتصاديا وأمنيا على سكان المخيم بشكل عام وعلى البيئة المحيطة. وتقدر أوساط اللجان الشعبية عدد المطلوبين بالمئات، أكثر من ٩٠٪ ارتكبوا جنحا (إطلاق نار في الهواء، تجاوزات مالية، مشاكل مع الجيران..) أو اعتبروا أنفسهم مطلوبين بناء على تقارير أمنية بحقهم ربما تكون خاطئة. وبين هذا وذاك يصبح المطلوب عبئا على أهله الذين يتوجب عليهم تقديم الرعاية الشاملة له من المال والطعام والشراب والمأوى والحماية، وذلك لعدم قدرته على الخروج من المخيم، وقد يعتمد على رعاية من جهات سياسية فيصبح أسيرا لها، أو أنه يصاب باليأس فينتقل من تهمة الجنحة الى الجنايات فيمارس العنف. ومن القضايا المثيرة للجدل في ملف المطلوبين هي الرحلة الطويلة التي يقطعها المطلوب أو المتهم والذي يلقى القبض عليه، فيحدث أقرانه وجيرانه عن المعاملة القاسية التي تعرض لها في مراكز التحقيق، ويترك ذلك انطباعا سلبيا جدا مما يجعل المطلوبين يترددون ألف مرة أذا فكروا أن يسلموا أنفسهم للأجهزة الأمنية. ويلقي ملف المطلوبين بكل تعقيداته ظلالاً كثيفة على مجمل الوضع الإنساني في المخيم، وقد تبرر الأجهزة الأمنية سلوكها بسبب هؤلاء المطلوبين والخطر الذي يشكلونه. ويطالب الفلسطينيون بهذا الخصوص أن يمنح المطلوبون عفوا خاصا، أو تتم تسوية لهم تحفظ حق الدولة اللبنانية وأمنها واستقرارها وهيبتها وتعالج مشكلتهم، على غرار تسويات أمنية حصلت سابقا.
٤ الواقع الصحي: تنتشر أمراض التلاسيميا والسكري والضغط بشكل واسع. ومن أهم التحديات التي تواجه سكان المخيم هو ارتفاع حاجات الناس الطبية وكثرة الأمراض، وتداخل شبكة مياه الشرب مع شبكة الصرف الصحي. كما أن المريض شأنه شأن كل المرضى الفلسطينيين يضطر لأن يسلك طريقا صعبة للوصول الى هدفه لإجراء عملية جراحية، خصوصا إذا كانت غير مشمولة من قبل الأونروا. عندها يطرق أبواب الجمعيات الخيرية، والمساجد وفاعلي الخير، وأحيانا لا يجد من يساعده.
٥ التعليم خطوة إلى الأمام وأخرى إلى الوراء: تعاني المسيرة التعليمية في مخيم عين الحلوة صعوبات حقيقية، ففضلاً عن سياسة الأونروا التربوية التي تعاني ترهلاً وضعفاً كبيرين (نظام الدوامين، الترفيع الآلي، اكتظاظ الصفوف في الطلاب) هناك مشاكل أخطر من ذلك كله وهي غياب الرغبة الجادة لدى العديد من الطلاب بالاهتمام بالتعلم، ورغبة أخرى أكبر منها بترك مقاعد الدراسة، ولذلك ما يبرره أو يفسره. ونتيجة لسلسلة طويلة من الحرمان، فإن آفاق المستقبل لدى الطلاب مسدودة. إن معدلات التسرب الآخذة بازدياد تترك بصماتها الواضحة في السلوك الإجتماعي وحتى في مستقبل الفلسطينيين كله في لبنان. كما أن المشاكل الأمنية والتوترات المتنقلة في المخيم أو مع الجيش اللبناني تنعكس مباشرة على المسيرة التعليمية. ويمتاز مخيم عين الحلوة بالحساسية المرتفعة، فأي توتر أمني أو استنفار في أي زاروب أو أي مكان في المخيم مهما كان حجمه فإنه يجعل الطلاب وذويهم والهيئة التدريسية على السواء في حالة هيجان وقلق وتوتر، مما يضطر المدارس لإن تغلق أبوابها لحين انتهاء هذا التوتر أو ذاك، والذي قد يستمر لعدة أيام.
توصيات
ويوصي التقرير الدولة اللبنانية أن تراعي الجوانب الإنسانية عند تعاملها مع المخيمات الفلسطينية بشكل عام ومخيم عين الحلوة بشكل خاص، وأن يمنح الفلسطينيون حقوقهم كلها وعلى رأسها حق العمل والتملك، وتشكيل الجمعيات، والحق في مسكن لائق. كما يوصي الأطراف الفلسطينية بتسوية أوضاعها الداخلية وتشكيل مرجعية قوية تكون إما منتخبة او متوافق عليها للتصدي للمشاكل في المخيمات، ومن بينها مخيم عين الحلوة، وأهم الأولويات في هذا الشأن هي المشاكل الإنسانية (الصحة، التعليم، الإغاثة)، وإيجاد فرص العمل للشباب العاطل، ثم معالجة مشكلة المطلوبين للقضاء اللبناني من غير الفلسطينيين معالجة جذرية. كما يوصي بتسوية شاملة لملف المطلوبين كخطوة هامة تتخذها الدولة اللبنانية، خصوصا أولئك الذين ارتكبوا جنحا، أسوة بتسويات سابقة، ويوصي منظمة الأنروا أن تزيد من خدماتها، وأن تتمتع بمزيد من الشفافية.