إقرت القرية المسيحية في الجليل الأعلى التي يرفض أهلها الاعتراف بموتها
طردهم الاسرائيليون منها عام 1948 ثم دمروها عام 1951..
زار الصحافي الفرنسي جان – بيار بيران من صحيفة "ليبراسيون" قرية إقرت العربية التي دمرها الاسرائيليون عام 1951 وروى لقرائه في عدد الجمعة 13 حزيران مأساة هذه القرية المسيحية في الجليل الاعلى والتي لم يبق منها الا الكنيسة والتي يناضل أهلها منذ 60 عاما للعودة اليها واعادة بنائها فيصطدمون بإصرار السلطات الاسرائيلية على عدم تسجيل سابقة تشجّع بقية العرب الاسرائيليين على العودة الى قراهم والتي سلبتهم اياها الدولة العبرية.
على رغم تدمير القرية على يد الجيش الإسرائيلي عام 1951 ومنع السكان من العودة، تظل الكنيسة مكان عبادة وتعبئة للفلسطينيين.
للقرية اسم وكنيسة ومدافن. ولكن ليس هناك منزل واحد، ولا نفس حية. في الشارع الكبير 899 المحاذي للحدود اللبنانية والذي يمر قرب القرية، لا تعلن أي لافتة لسائقي السيارات بوجودها. أما الخريطة فلا تذكر سوى وجود أنقاض أثرية. ومن أجل الوصول إليها، يجب أن تسير في خط متقوّس لتبلغ درباً وعراً قرب شومرا بالكاد يمكن سلوكه ويتعرّج تحت الأشجار ويتسلّق هضبة بسرعة فائقة. تعلمك لافتة كبيرة بالإنكليزية والعربية والعبرية أنك وصلت "أهلاً بك في إقرت". هنا في هذا المكان المرتفع حيث يهبّ هواء قوي وعذب حتى في فصل الصيف، لا نرى سوى كنيسة القديسة مريم. هذه الكنيسة الخفيضة والمتينة والمتمحورة على قبة زرقاء صغيرة تكون عادة مقفلة بالمفتاح. البناء نظيف ومجهّز جيداً إلى درجة أننا نخال أن القدّاس سيبدأ. وثمة روزنامة مفتوحة على الشهر الجاري. وتشهد ثلاّجة وآنية مطبخ غير مرتّبة على أن الحياة تستمر وأن الكنيسة استعادت الدور الذي كانت تضطلع به في القرون الوسطى: يقصدها مؤمنون ليأكلوا ويناموا فيها.
وهكذا، نشك في أن في هذه القرية الشبح في أعالي الجليل وجوداً سرياً، وفي أنها تخبّئ لغزاً ما.
جنود يُستقبَلون بحفاوة
تُظهر صورة قديمة بالأبيض والأسود موضوعة على عمود، قرية مختلفة. لكن الكنيسة المطابقة لكنيسة القديسة مريم تسمح لنا بأن نحزر أنها في الواقع إقرت. نراها محوطة بمزارع راسخة مع مداميك جميلة. ولا تزال هذه المزارع موجودة، لكنها تحوّلت ركاماً من الحجارة وتختفي تحت شجيرات كثيفة. إذاً إقرت هي قرية ميتة منذ وقت طويل جداً، ولم يبقَ سوى الكنيسة، هذا البناء الوحيد الصامد، والشاهدة الوحيدة على المأساة، لتذكّر بأنها كانت موجودة. ولتذكّر أيضاً بأنها لم تختفِ كلياً. لأنه بعد 57 عاماً على تدمير القرية بفعل القذائف المدفعية والعبوات المتفجّرة، لا يزال الناس يقصدون الكنيسة لعقد قرانهم وتعميد أولادهم. ويدفنون أيضاً موتاهم في المقبرة الصغيرة التي تقع في المستوى السفلي بين الحقول والسهول. ومنذ سنوات عدة، يُحتفَل بالقداس في الكنيسة في أول سبت من الشهر. ويوم الأحد، يتوافد الناس إلى القرية للنزهة، ويلعب الأولاد بالكرة في الساحة القديمة. لأن السكان القدامى، وهم عرب روم كاثوليك، وأيضاً أولادهم وأحفادهم لم يتقبّلوا طردهم على يد الجيش الإسرائيلي عام 1948، فكيف لهم أن يتقبلوا دمارها بعد بضع سنوات؟
تُظهر صور يمكن مشاهدتها في متحف الجيش الإسرائيلي، وصول الجنود الإسرائيليين في 31 تشرين الأول 1948 خلال الحرب الإسرائيلية-العربية الأولى. ونرى السكان يستقبلونهم بحفاوة ويقدّمون لهم الماء والفاكهة. فخلافاً لمعظم البلدات العربية، كانت إقرت تُعتبَر "قرية صديقة" حتى ولو كانت تشكّل جزءاً من الدولة العربية المنصوص عليها في خطة التقسيم التي وضعتها الأمم المتحدة عام 1947. كما أن الجنود يبدون مرتاحين جداً وكأنهم في إجازة.
يتذكّر داود ديب داود ابن الخمسة وثمانين عاماً الذي يُعرَف بـ"ذاكرة إقرت" ويعيش لاجئاً منذ ستين عاماً في قرية رامي العربية على بعد نحو عشرين كيلومتراً: "كنا نجهل نياتهم. قدّمنا لهم الطعام. صدّقوني، لم تبقَ دجاجة واحدة في القرية". في تلك المرحلة، كان عدد سكان إقرت زهاء 490 نسمة. وكانت لديها مدرسة. إنها قرية قديمة جداً تشهد على ذلك معالم أثرية متنوّعة بينها الآثار الرومانية. وكانت أيضاً مزدهرة ومحوطة بستمئة ألف متر مربع من الأراضي الخصبة.
يتابع العجوز الذي يعرف تفاصيل ما جرى "بعد ستة أيام، عاد الجنود مع أمر بطردنا وقطعوا لنا وعداً بأننا سنتمكن من العودة بعد 15 يوماً". وتتدخّل زوجته هدى "لم يرد الشبان في القرية أن يذعنوا للأوامر، ويُرغَموا على الصعود في الشاحنات. فاستعد الجنود لإطلاق النار عليهم. وارتمى الكاهن عند أقدامهم يتوسّل إليهم عدم إطلاق النار".
وقع المحظور
على رغم الوعود التي أطلقها الجنود، لم يتمكّن القرويون من العودة. وهكذا بدأوا إجراء طويلاً لم ينتهِ بعد. فرفعوا قضيتهم، بحسب الأصول، إلى المحكمة العليا الاسرائيلية التي أصدرت أمراً بعودتهم إلى القرية. غير أن الجيش أبقى أمر الإجلاء متذرّعاً بالأسباب الأمنية.
والهضبة التي تربض عليها القرية تطلّ في منظر خلاّب على المنطقة بكاملها: في الغرب، يسبح النظر في المتوسّط لجهة عكا؛ وفي الشرق يقع على جبل حرمون الذي يشرف على مرتفعات الجولان؛ وفي الشمال يحطّ عند القرى اللبنانية الأولى في الجهة الأخرى من الحدود.
عام 1948، كانت استراتيجية هيئة الأركان الإسرائيلية تقضي بـ"نزع الطابع العربي" عن المنطقة الحدودية عبر إلغاء القرى الفلسطينية.
وفي كانون الأول 1951، وقع المحظور. استدعى الجيش المختار وكبار السن إلى هضبة مجاورة لإقرت. ومن هناك، أروهم مشهداً مروّعاً: يدمّر الجنود القرية بكاملها منزلاً تلو الآخر. أولاً القذائف المدفعية ومن ثم العبوات المتفجّرة وفي الختام الجرافات.
يروي داود ديب داود: "حصل هذا عشية عيد الميلاد. كي يمنعونا من العودة إلى منازلنا في شكل نهائي. وفي السنة التالية، وضعت وزارة الزراعة يدها على كل أراضينا. ومات المختار من شدّة الحزن".
الكنيسة وحدها نجت من الدمار. هل تردّد الجنود في تدمير مبنى ديني؟ أم أن السبب هو أن المطران مكسيموس الخامس حكيم كان قد باعها من الدولة الإسرائيلية، مما أثار الغضب الشديد للسكان الذين يوجّهون إليه منذ ذلك الوقت انتقادات لاذعة؟ انطلاقاً من هذه الكنيسة التي لم تعد ملكاً لهم لكنها تشهد على أن القرية كانت موجودة وكان الناس يعيشون فيها حياة هانئة، يخوض سكان إقرت والمتحدّرون منهم – نحو 1500 شخص – "غارات" سلمية لاستعادة أراضيهم. لقد ضاعفوا الدعاوى القضائية ورفعوا شكواهم إلى الكنيست ووقّعوا عرائض. واستطاعوا أن يحملوا البابا يوحنا بولس الثاني على التدخل – من دون جدوى - لأجلهم خلال زيارته التاريخية إلى الأراضي المقدسة عام 2001. ونفّذ أسقف جديد هو المطران يوسف ريّا إضراباً عن الطعام لمدة أربعة أيام أمام الكنيست. لكنهم في مواجهة جيش قوي جداً، أصيب سكان اقرت بالإخفاق تلو الآخر. إلا أنهم لم يستسلموا ونقلوا مقاومتهم وسعيهم إلى استرجاع قريتهم الضائعة من جيل إلى آخر. وشيئاً فشيئاً، من دون الكثير من الضجيج، وعلى رغم أنهم مشتّتون في مختلف أنحاء الجليل، بدأوا يعودون إلى قريتهم. ولم يحصل هذا من دون نضالٍ خاضوه بواسطة الاعتصامات داخل الكنيسة طوال ست سنوات. في البداية، انتزعوا حق دفن موتاهم. ويخبر داود ديب داود: "في المرة الأولى، جاء الجيش ونبش الجثة". وعام 1970، استطاعوا أن يحتفلوا بالعماد للمرة الأولى. وبعد ذلك أحيوا حفلات زفاف. والقداس الذي يحتفل به كاهن رعية أخرى مرة في الشهر أصبح الآن متجذّراً في العادات. ونجد السلوك نفسه في قرية كفر برعم المجاورة؛ هنا أيضاً نجت الكنيسة من دمار القرية.
يقول المؤرّخ الإسرائيلي بيني موريس إن طرد الجيش سكان قريتَي إقرت وكفر برعم وأيضاً النبي روبين وطربيخا (التي أصبحت محلة شومرا الإسرائيلية) تم "من دون علم الحكومة ومن دون أن تناقشه وتوافق عليه [...] لكنها صادقت عليه بطريقة شبه محتومة، بعد حصوله" (•). ومنذ ذلك الوقت، لم يتبدّل موقف السلطات، وكأنه تجمّد بعد إعلان رئيسة الوزراء آنذاك غولدا مئير عام 1972: "ليست الاعتبارات الأمنية وحدها هي التي تمنع صدور إعلان رسمي حول إقرت وكفر برعم بل الرغبة في تجنّب تسجيل سابقة". بعبارة أخرى، من شأن السماح للعرب في هاتين القريتين. الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية، بالعودة إلى منازلهم وحقولهم التي يستثمرها اليوم مزارعون يهود أن يفتح الباب أمام مطالبات كثيرة مشابهة من سكان طُرِدوا من قراهم. عام 2003، رفع سكان إقرت من جديد قضيتهم إلى المحكمة العليا التي رفضت الدعوى.
وابل الصواريخ
"إقرت، إنها تاج على رؤوسنا. من المستحيل أن ننساها"، هذا ما تقوله وردة المدرّسة البالغة من العمر زهاء أربعين عاماً والتي لم تسكن قط في القرية.
وعلى غرار غالبية لاجئي إقرت، ولدت وردة في رامي، القرية العربية التي يتقاسمها المسيحيون والمسلمون. تضيف: "لطالما أشار إلينا الناس هنا بالإصبع، وجعلونا نشعر بأنها ليست قريتنا". ويسارع حبيب داود، أحد أبناء "ذاكرة إقرت"، إلى الإضافة "لا تنسوا البتة أنه وراء الاسم [اسم القرية]، هناك ناس وروح". افتتح هذا الممرّض السابق الذي تلقّى تحصيله العلمي في الجامعة العبرية في القدس، مطعماً صغيراً في رامي ذا مظهر خارجي متواضع. ويحافظ فيه على "المطبخ الشامي الصافي الخاص باسطنبول والقدس". والمطبخ هو في الوقت نفسه فعل سياسي إلى حد ما ذاكرة من فلسطين القديمة، ومع ذلك جاء رئيس الوزراء الاسرائيلي إيهود أولمرت ووزيرة الخارجية تسيبي ليفني، كما باح لنا داود، لتذوّق الأطباق في مطعمه. بالنسبة إليه، كما بالنسبة إلى زوجته مينرف، ينطلق إنقاذ مطبخ الأسلاف من الرغبة نفسها التي تحرّك السعي إلى إحياء القرية المدمّرة: العيش في فلسطين القديمة أياً تكن الصعوبات.
هنا، لا يريدون أن يدينوا بشيء لإسرائيل. تقول مينرف "لا نأخذ منها سوى تعليم أولادنا".
وخلال حرب تموز 2006 عندما هبط وابل الصواريخ التي أطلقها "حزب الله" اللبناني على الجليل، ربما أصيبوا بالذعر ولقي عدد كبير من العرب الإسرائيليين حتفهم – إنما لم يشعروا بالاستياء. يقول حبيب داوود "فرّ معظم اليهود لكن العرب مكثوا. حصلنا نحن على بلدنا الخاص طوال شهر. واختبروا هم ما يشعر به المرء عندما يُرغَم على مغادرة منزله".
ولا يخفي صاحب المطعم المسيحي إعجابه بالأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله الاسلامي الشيعي، فهو في نظره "القائد الوحيد في العالم العربي”. يقول مازحاً: "في المدة الأخيرة شعر والدي بالوهن بعد إجراء جراحة، فأريته صورته (نصرالله) كي يستعيد عافيته".
وحتى لو كان شيوخ إقرت يرفضون الاستسلام بعد ستين عاماً من المقاومة، يعرفون أنهم لن يعودوا أبداً لتمضية ما تبقّى لهم من العمر في مسقطهم. تختم هدى بحزن "لن نعود إلى هناك إلا لنوضَع في المقبرة". بالنسبة إلى أولادهم وأحفادهم، من غير الوارد أبداً التخلّي عن النضال.
(•) Israel and the Palestinians and
after 1948.
Oxford University Press (1994)
( عن "ليبراسيون" (ترجمة نسرين ناضر))