عدنان سمور: شكرالله كرم .. الطبيب الخيامي والإنسان الرمز (ج1)
(تأتي هذه المقالة واحدة من سلسلة مقالات لمناسبة الذكرى الـ 45 لاستشهاد الدكتور شكرالله كرم في 17 شباط 1977)
كما تشكل المقالة الجزء الرابع من حلقات تاريخ مهنة الطب في الخيام.
مقدِّمة لا بد منها كانت بداية إهتمامي بكتابة التاريخ الشفهي للخيام ، نابعة من شعوري بضرورة توثيق التطورات الهائلة التي شهدتها الخيام ومنطقتها ، وذلك من خلال معلوماتي المتواضعة التي إكتسبتها ، عبر الزملاء والأهل وخاصة والدي الحبيب (أبو عاطف) إبراهيم خليل سمور ، الذي كان هو المحفز الأساسي لي ، للتفكير بتوثيق تاريخ الخيام خاصة أن جيل والدي ، كان منبهِرا وسعيدا بمستوى التحول والتطور الهائل الذي تحقق في حياة جيله ، هذا الجيل الذي كان يجمع الحطب للتدفئة شتاءً من جبل الشيخ ، كما كان يجفف روث البقر لنفس الغاية وينقل الماء بالقِرَبِ على الأكتاف ، أو على الدواب ، من العيون المتناثرة عند أطراف الخيام إلى المنازل ، وكانت أرض منازلهم تراب ، وأسقفهم أيضاً تراب ، يتسرب منها الماء في فصل الشتاء ، لذلك كانت تحتاج بإستمرار إلى حدل أصحابها لها تحت المطر والثلج ، سواءً كان الوقت ليلاً أو نهاراً لمنع تسرب المياه إلى داخل المنازل ، وكانت الطرق وعِرة وضيقة ، ولا يوجد مرافق صحية في المنازل ، ولكن خلال عقدين من الزمان ، شقَّت الطرق في الخيام وتمَّ تعبيدها ، وكذلك دخلت السيارات التي أحدثت قفزة نوعية في وسائل النقل وقصَّرت المسافات بين البلدان ، وتمَّ تمديد شبكات الماء إلى المنازل ، ومدِّدت شبكات الكهرباء وأنشئت المدارس الحديثة بدل الكُتَّاب ، وبدأ الناس يستخدمون الأدوات المنزلية الكهربائية ، وصار في الخيام فرن آليٌّ ، ودخل الطب الحديث ، وتطورت وسائل البناء ، ومواده المستخدمة ، وصار في الخيام سينما وهاتف . وكانت الخيام كغيرها من بلدات المنطقة تعاني من حكم إقطاعي قاسٍ ، وكان الناس من خلال سطوةِ رجال الإقطاع وزبانيتهم الذين يظلمونهم ويهددوهم بأرزاقهم ، يشعرون بأنهم مستعبدون مهانون ويتوقون إلى الخلاص والتحرر من سطوة هذا النظام الإقطاعي الذي يقض مضاجعهم . وقد ترافق تطور وسائل العيش وظروف الحياة بشكل عام ، بتخلص الناس من طغيان الحكم الإقطاعي الجائر وبدؤا يتنفسون ريح الحرية والخلاص . أمام هذه التغيُّرات والتطوُّرات الهائلة ، التي كانت الشغل الشاغل لإهتمام الناس وتعليقاتهم ودهشتهم وإنبهارهم بما تحقق ، نشأت لدي رغبة في كتابة الذاكرة الشفهية للخيام ، تخليداً وتوثيقاً لمرحلة التحول الكبرى التي عرفتها الخيام على مستويين (أولاً : التحول النوعي للمجتمع الخيامي ، من الحياة البدائية التقليدية إلى الحداثة وتطور نمط الحياة ووسائل العيش ، وثانياً : تخلص الناس من فترة حكمٍ إقطاعي ظالم ، متحجر ومتخلف ، تحكَّم بحياة ورقاب الناس على مدى مئات السنين ) ، وهكذا بدأت بتجميع المعطيات والمعلومات ، بقدر ما تسعفني علاقاتي ومحاولاتي مع كبار السن وذوي الخبرة من أبناء الخيام ، وكانت البداية في سن الخمسة عشر سنة ، ولا أخفيكم أني كنت أجد أحيانا ممانعة من البعض في تقديم المعطيات والمعلومات تحت حجج متعددة لا داعي لذكرها الآن ، وكان في بالي دوما شخصيات خيامية حاضرة لا يمكن تجاوز ذكرها لأنها مثلت منعطفا في تاريخ الخيام والتحوُّلات النوعية ، في وعي وفي حياة الناس ، ولا شك أن الدكتور شكرالله كرم ، كان يمثل في ذهني وذهن معظم أبناء الخيام ، أيقونة رسالة الطب في الخيام ومحيطها ، وكنت أعمل على جمع المعطيات عنه وعن تجربته المميزة ، خلال سعيي لتسجيل الذاكرة الشفهية للخيام ، لأتمكن من تسليط الضوء لاحقاً على دوره الريادي في هذا المجال ، ولكن كلما كنت أتعمق في دراسة تجربة الدكتور شكرالله كرم ، كلما صار يزداد لدي شعور ويقين ، بأن الرجل يمثل ظاهرة فريدة في مشروع النهضة في منطقة مرجعيون ، وصرت أتأكد يوما بعد يوم ، أنَّ شكرالله كرم ليس مجرد طبيب بلدة كفوء وكريم النفس ، بل هو قائد ميداني يمتلك رؤية نهضوية حضارية شديدة الوضوح ، في وعيه للمرحلة التي تعيشها المنطقة بشكل عام ومنطقة جبل عامل بشكل خاص ، وكانت رؤية الرجل ، بتقديري المتواضع ، هي الرؤية الأكثر نضجاً وعمقاً وسعة أفق بين رؤى أبناء جيله من المهتمين بالشأن العام في الخيام ، ومخطىء من يعتقد أن الدكتور شكرالله كرم كان طبيباً خدم الناس من خلال خبراته وعلومه الطبية في مرحلة زمنية من تاريخهم وإنتهى الأمر. لذلك ولفهم حقيقة ما كان يمثل شكرالله كرم بالنسبة للخيام ومنطقتها في تلك المرحلة ، ولنكون منصفين ونوفِّي الرجل حقه ، (من أجلنا ، لا من أجله) ، صار لزاماً علينا أن نبيِّن في توثيقنا لتجربته المميزة والمؤثرة " ظروف نشاته الأسرية ، وطبيعة المجتمع الذي نشأ وتربى في أحضانه ، مع تبيان لمكونات هذا المجتمع والعلاقة الهرمية بين مكوناته . إضافة لوصف اللحظة الحضارية التي كانت تمر فيها منطقتنا ، والتي تأثرت ونضجت فيها شخصية الدكتور شكرالله كرم ، الذي حمل في عمق وجدانه من الرحلة التي بدأ يتبلور فيها وعيه ، حُلُماً رسالياً ، إنسانياً ، رحباً ومتعالياً على كلَّ الإنتماءات ، والأطرٍ الفئوية والضيقة ، التي كانت مستحكمة بعقول المنتفعين منها والمعتاشين عليها والحريصين على بقائها لحفظ تسلطهم في تلك الحقبة ، ولن ننسى المرور على شرح أهمية الموقع الجغرافي لمنطقة الخيام الذي كان جاذبا للأحداث التي كانت تحصل وما زالت ، على إمتداد تاريخ المنطقة ، والتي كان لها آثار كارثية في بعض المراحل ، والتي ما زالت المنطقة تتابع فصول وتداعيات تلك الأحداث حتى يومنا هذا. وبدون هذا العرض لن نتمكن من إبراز الدور الريادي والقيادي والنموذجي الذي لعبه الدكتور شكرالله كرم ، والذي تَجَسَّد في المواقف الشجاعة والمنفتحة والناضجة والمشرِّفة التي إتخذها شكرالله كرم في تلك المرحلة من عمر المنطقة والتي مثلت ( أي هذه المواقف ) شعلة مضيئة أمام جيل شباب الخيام ومحيطها ، الذي كان يتطلع بلهفة إلى التحرر والتغيير والنهوض . وهكذا سيتضح لنا ، أن هناك دوراً تكاملياً ، حصل بين الخياميين وبين شخص خيامي يمتلك صفات القائد الواعي والمخلص ، والذي هو الدكتور شكرالله كرم ، وقد أنتج هذا التكامل تجربة إجتماعية ، إنسانية ، رائدة على مستوى المنطقة ، هذه التجربة كانت سابقة لعصرها ، ومستوعبة لمميزات وفرادة التجربة اللبنانية التعايشية ، حيث تمكن شكرالله كرم بعبقريته الإنسانية أولاً ، والقيادية ثانياً ، وبالتعاون الخيامي المنفتح معه أن يقولوا للعالم أن المشكلة في لبنان ليست ناتجة عن التنوع الطائفي ، لأنه لو كان الأمر كذلك لما قبلت بلدة كالخيام ذات الأغلبية الشيعية أن تختار رمزاً إنسانياً ورسالياً ، قدوة لها ، إبن الأقلية المسيحية في البلدة ، الشاب الكفوء والمخلص الدكتور شكرالله كرم ، الذي يعتبر أحد قادة التحول والتطور والإنماء والتحديث في منطقة جبل عامل . والمجتمعات لا تنتج رموزاً بحجم شكرالله كرم إلا عندما تبتلى بمواجهة تحديات كبرى وخطيرة ومصيرية . ونحن علينا أن نكون حريصين ، في حفظ تجربة هؤلاء الرموز ، لإستلهام العبر والدروس منهم في حاضرنا ومستقبلنا . قد يقول البعض أن المقدمة طويلة نسبياً، لكنها غنية وقيِّمة ، ولولا خوفي من الإطالة عليكم أكثر ، لتعمَّقت في التحليل والإستنتاج ، في تجربة الدكتور شكرالله كرم أكثر وأكثر ، وبتقديري المتواضع أن هذه التجربة ، ستبقى قادرة على الإلهام للأجيال القادمة من طلاب الحق والعدل والتسامح والخير لبني البشر على إمتداد الزمان والمكان ، ومسؤوليتنا نحن حفظ وتوثيق هذه التجربة الغنية والفريدة ، لنقدمها لأجيالنا بأساليب أدبية وفنية مقنعة وشيقة لأن المجتمعات لا تنتج ببساطة هكذا نوع من التجارب إلا خلال فترات متباعدة من الزمن ، كما أنه يجب التنبه دائماً أن ثروة لبنان الأهم هي الثروة البشرية المبدعة والخلاقة التي علينا حفظها وحمايتها من الضياع والإندثار لا سمح الله . وما محاولاتي المتواضعة لحفظ الذاكرة الشفهية للخيام ، إلا إنطلاقاً من هذه القناعة ، ولئلا يضيع تاريخ الخيام الغني والمشرف ، وأطلب من جميع الأخوة والأخوات القادرين على المساعدة في كتابة هذا التاريخ ، مدَّ يد العون لنا ونحن لهم من الشاكرين. جذور العائلة. في الذاكرة الجمعية الخيامية يقول المعمرون أن كرم عطالله كرم والد الدكتور شكرالله كرم كان له أنسباء هما نصار (جد الدكتور حليم القسيس لأمه وأخوه داوود ) ، اللذان كانا مهنتهما مكارية ، فكانوا يأتون بشكل دوري للمتاجرة من نابلس في فلسطين إلى أسواق منطقة مرجعيون ، فيُحضِرون معهم الزيت والصابون والملح ، ويقايضونهم بالقمح والذرة، حيث كان يوجد في كل قرية سوق أسبوعي يقصده التجار للبيع والشراء ، وكانت الأسواق مقسَّمة على الشكل التالي (سوق الخيام يوم الخميس وسوق مرجعيون يوم الجمعة وسوق القليعة يوم الأحد وسوق الخان يوم الثلاثاء وهكذا دواليك في بقية القرى) . وبتعاقب الزيارات إلى المنطقة ، إستقرَّ هؤلاء الأنسباء في بلدة الخيام وقد يكون العامل المؤثر في هذا القرار هو زواجهم من خياميات ، وتضيف المعلومات أن سكن العائلة الأول بدأ منذ ثلاثة أجيال في الخيام ، حيث سكن الأنسباء بداية قرب بيت الحاج أسعد مهنا ، بمحاذاة بيت شحاذي العتر ، الذي يقال أيضاً أنه جاء إلى الخيام من نابلس وهو الذي باع بلدية الخيام ، العقار الذي بنت عليه مركزها الأول . بينما كان جد شكرالله يسكن في قطعة الأرض اليي يوجد عليها البيت الذي عاشت فيه أسرة الدكتور شكرالله كرم . ويروي الدكتور كرم شكرالله كرم نقلا عن والده أن جذور العائلة الأولى يمكن أن تكون من بلدة جزين حيث لا يوجد رواية حاسمة موثَّقة ، عن التاريخ الدقيق لقدوم أول فرد أو مجموعة أفراد من عائلة كرم إلى الخيام وما هي مهنتهم وأين أقاموا على وجه التحديد . الظروف المحيطة بالولادة والنشأة. ولد شكرالله كرم عام 1914 ، في العام الذي نشبت فيه الحرب العالمية الأولى ، وكانت ولادته في الحي الشمالي لبلدة الخيام ، التي كانت تابعة لمنطقة جبل عامل في بلاد الشام ، وكانت بلاد الشام تمثل جزأً من المناطق الخاضعة للحكم العثماني في تلك الحقبة ، حين كان الحكم العثماني يلفظ أنفاسه الأخيرة في تلك المرحلة ، لأن منطقة ممتدة من طنجة على سواحل المحيط الأطلسي غرباً ، إلى أقاصي اليمن شرقاً ، كانت تحتلها السلطنة العثمانية وتسيطر على مواردها منذ أربع مئة سنة. باتت مهددة بخسارتها من قبل الدول الأوروبية ، التي بدأت تتعاظم قوتها من خلال ما شهدت من تطور علمي وصناعي في شتى ميادين الحياة . وكانت السلطنة العثمانية تحرص خلال فترة حكمها لهذه المنطقة ، بكل ما أوتيت من قوة على منع أي مشروع تنموي ونهضوي حقيقي فيها ، كما كانت تستخدم شباب هذه المنطقة المترامية الأبعاد كخزان بشري ووقود لحروبها ، التي خاضتها على مدى مئات السنين ، ضد الإمبراطورية الروسية من جهة ، وضد الدول الأوروبية في منطقة البلقان وفي منطقة شمال أفريقيا من جهة أخرى ، وكانت السلطنة العثمانية تعتمد في المناطق التي تحتلها نظام حكم إقطاعي يتعامل مع البشر كأدوات إنتاج لا قيمة إضافية لها ، إلا بقدر ما تدر على السلطنة من مقاتلين وضرائب وخيرات ، لها ولرجال الإقطاع الذين ينفذون سياساتها ويؤمنوا لها ما تحتاجه من خراج وأموال لحكامها ولنظامها الجشِع ، وكان رجال الإقطاع الحاكمون والممثلون للسلطنة في حكم بلادنا يستخدمون مع الناس سياسة فرق تسد ، ليبقى هؤلاء الناس البسطاء الضعفاء الذين لا حول لهم ولا قوة ، تحت رحمتهم وحمايتهم الوهمية والمزيفة. حصدت الحرب العالمية الأولى أرواحا بريئة لا تعد ولا تحصى ، من أبناء منطقتنا المستضعفين ، نتيجة الخدمة الإجبارية ونتيجة الحروب والمجاعة والأمراض ، التي لم يكن يجيد الناس بخبراتهم التقليدية البسيطة علاجها وتخفيف آثارها. يمتاز الموقع الجغرافي للخيام ومنطقتها ، بوجود سهل الحولة الممتد جنوباً ، والمحاط بهضاب وتضاريس جبلية من جهاته الأربع ، وتمثل الخيام والمطلة وكفركلا والعديسة ، حدود السهل الشمالية الأمر الذي ساهم بأن تكون هذه المنطقة ، نقطة مواجهة بين الجيوش المتحاربة في كافة المعارك التي حصلت في تلك المنطقة عبر التاريخ ، ومن جملتها الحرب العالمية الأولى التي لا زال يوجد منها آثارها خنادق وتحصينات عسكرية شرقي المسلخ الجديد في منطقة وادي العصافير ، كانت قد أنشأتها قوات السلطنة العثمانية قبل إندحارها في الحرب العالمية الأولى. وقد تسببت الحرب الكونية الأولى ، بحصول عملية هجرة من الخيام وكافة قرى المنطقة ، وكان الجزء الاكبر من المهاجرين ، يسافر إلى القارة الأميركية ، حيث كان من جملة الذين هاجروا إلى أميركا كرم عطالله كرم والد الدكتور شكرالله كرم ، وكان كرم رجلا مربوع القامة وقبضاي ، وقد سبقه إلى أميركا صديقه فارس نعمة الجلبوط ، وقد إمتهن كرم عطالله كرم الزراعة كما كان يربي الماشية ، وكانت زوجته زينة الشماس (أخت عساف الشماس) ، تساعده في أعماله بكل جد ونشاط ، وكانت تستحق أن يقال عنها بأنها (أخت الرجال) ، خاصة ، لأنها إستطاعت خلال سفر زوجها إلى الولايات المتحدة الأميركية ، أن تصون رزقه وتدير عمليات تضمين الأراضي الكثيرة التي كان يملكها بالحصة ، وأن تشتري الأرض بالمال الذي إدَّخره زوجها وأرسله إليها من بلاد الإغتراب ، كما إستمرت في تربية الماشية والدواجن ، وكانت تبيع الألبان والأجبان والبيض مستعينة بعيسى الجلبوط وزوجته مسعدة ، الذَينِ كانت أسرتهما تعتبر إمتدادا طبيعيا لأسرة كرم عطالله كرم ، وكان يعتبر من فريق عملها أيضا رجل يدعى جميل خوري وزوجته بسمة ، وكانت زينة الشماس رغم كثرة إنشغالاتها تتمتع بإرادة صلبة ورغبة في تحدي الظروف والإنتصار عليها وكانت إنسانة عاطفية رقيقة القلب إتجاه أسرتها وقد ظهر هذا الأمر جليا بعد وفاة إبنها البكر نعمة الله نتيجة إصابته بحمى التيفوئيد ، حيث كان نعمةالله هو بِكرها الذي قضى في ريعان شبابه ، ولم يكن عمره قد تجاوز التسعة عشر ربيعاً ، ولم تُشاهَد زينة الشماس (أم نعمة الله) بعد هذه الواقعة الأليمة ترتدي غير السواد لباساً ، وكان كلما مرَّ بقرب منزلها موكب فرح تتذكر بكرها ويتجدد حزنها ومعاناتها . أنجبت زينة الشماس غير نعمةالله إبنتين ، هما نظيرة وسميا ، وقد وتزوجتا في الخيام (واحدة تزوجت من راشيا الفخار والثانية من قرية ثانية في منطقة مرجعيون) وسافرتا إلى كندا ، ولم تعودا إلى الخيام إلا في رحلة واحدة يتيمة ، قامت بها نظيرة ولم تتكرر . وكان شكرالله كرم لايعرف أخاه البكر الذي توفي قبل ولادته كما لم يكن قد إلتقى أختيه مباشرة لأنهما سافرتا قبل ولادته فكان يتابع أخبارهما بواسطة المراسلة ، وبواسطة المغتربين الخياميين الكثر الذين يأتون إليه بالأخبار عنهما ، بين الفينة والأخرى. هكذا تربى شكرالله كرم في رعاية والدته وكأنه ولدٌ وحيد ، لا أخَ له ولا أختْ ، وكان والده بعد عودته من المهجر ميسور الحال ، وعلى علاقة طيبة بالفعاليات الخيامية المؤثِّرِة ، فتم تعيينه مختاراً عن الحي الشمالي في الخيام ، كما قام ببناء البيت الذي سكنته أسرة الدكتور شكرالله كرم لاحقاٌ ، وكان حريصاٌ على تعليم ولده الوحيد الباقي له في الخيام في أفضل المدارس المتوفرة في المنطقة ، حيث درس شكرالله في الخيام بداية ، وبعدها إنتقل إلى مدرسة مرجعيون ليتابع دراسته في المرحلة المتوسطة والثانوية ، وكان شكرالله كرم فتىً جادا ومجتهدا ومحباً للتحصيل العلمي ، وكان بارزا بين زملائه الطلاب بذكائه الحاد وجديته وقوة حضوره وتميزه. وهنا لا بأس من تسليط الضوء على نقطة مهمة ومؤثرة في توضيح الظروف التي نشأ وترعرع فيها شكرالله كرم وهي أن الإنتماء الديني لعائلة كرم الآتية حديثا ، سواءً من فلسطين أو من جزين ، تمكن أحد أفرادها ، وهو كرم عطالله كرم ، بعد عودته من فترة إغترابية ناجحة عملياً ، أن يصبح مختاراً عن الحي المسيحي في الخيام ، وكان هذا الموقع الرسمي مؤثراً ومهماً ، نظراً لما يمثله في تلك الحقبة الزمنية من موقع إجتماعي يحتاجه الناس في قضاء الكثير من حوائجهم ، وما يعطي قيمة أكبر لهذا التعيين ، هو أن كرم عطالله كرم والد شكرالله كرم ، ينتمي إلى طائفة الروم الاورثوذكس في بلد تعتبر فيه الطائفة المارونية الكريمة ، هي الطائفة الأكثر إمتيازا وتأثيراً في لبنان ، من بين الطوائف الإسلامية والمسيحية على حدٍّ سواء ، وهذا الأمر إن دلَّ على شيء ، فإنه يدلُّ على إمتلاك عطالله كرم شخصية قيادية فاعلة ومؤثرة ، إكتسبها من خبراته وعلاقاته التجارية ومن خلال تنقلاته بين البلدان قريبها وبعيدها ، الأمر الذي لا شك أنه ترك لاحقاً أثره في شخصية ولده شكرالله. كما يوجد ملاحظة ثانية من المهم أن نلفت إليها ، وهي ان الطائفة المسيحية الكريمة ، نظراً لوجود الإرساليات في لبنان ، ونتيجة الإمتيازات التي حصلت عليها تلك الإرساليات خلال فترة المتصرفية في لبنان ، إكتشف المسيحيون باكرا أهمية النهضة العلمية الحديثة ، التي بدأت تحقق الإنجازات المتلاحقة والمتسارعة ، في كافة ميادين العلوم وتعزيز دور الإنسان في التحكم بإدارة حياته ومحيطه بشكل أفضل ، وأكثر راحةً ويسر، لذلك كان واضحا لدينا خلال تجميعنا وتدويننا للذاكرة الشفهية في الخيام أن المسيحيين الخياميين الذين كان يتوفر لديهم اليسر المالي والمعيشي ، سواء عن طريق التجارة والزراعة في الخيام أو في بلاد الإغتراب ، كانوا يستثمرون هذه البحبوحة المالية ، في تعليم أبنائهم في مدارس ذات مستوى وتكلفة مرتفعة نسبياً ، قياساً للوضع المعيشي الصعب في تلك الحقبة الزمنية ، وكانت الدراسة في الجامعة الأميركية أمرا ممكنا ويسيرا على ميسوري مسيحيي الخيام ، في حين أنه لم يدخل من مسلمي الخيام للتعلم في الجامعة الامريكية أحد قبل ستينيات القرن الماضي ، في وقت تخرج فيه مسيحيون خياميون من الجامعة الأميركية في إختصاص الطب وغير الطب فيم نتصف ثلاثينيات القرن الماضي ، وكان شكرالله كرم واحدا من هؤلاء الخريجين حيث تخرج في العام 1937 وسبقه موسى فارس نعمة الجلبوط بسنوات قليلة . وتجدر الإشارة هنا إلى أن الكلية السورية الإنجيلية الأميركية في لبنان ، كانت تمثل صرحا تعليميا لا يضاهى أكاديميا من قبل كافة المؤسسات التعليمية العاملة على الأراضي اللبنانية والمنطقة عموماً ، لأنها كانت تخرِّج الكوادر والخبرات العلمية المختلفة لمنطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا ، من إيران إلى المغرب ، وكانت نسبة كبيرة من رؤساء جمهوريات المنطقة ورؤساء الوزراء والنواب والسفراء وكبار الموظفين فيها هم من خريجي الجامعة الإنجيلية الأميركية في بيروت ، وهذا أمر ينبغي الوقوف عنده ، وتأمُّله ملياً ، وتأمل مدى أثره على المجتمعات البدائية ، التي يأتي أليها خريج من الجامعة الأميركية ، ويكون من أبنائها العارفين بحاجاتها ومشاكلها ، ويكون مزودا بأحدث النظريات العلمية ومطلعا على أحدث النشاطات والتيارات الفكرية والثقافية والسياسية النشطة في لبنان والعالم ، إضافة لتمتعه بشبكة علاقات مع أساتذة وزملاء ، من دول منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا المترامية المساحات ، والمتعددة الشعوب والتجارب الإجتماعية والإنسانية والحضارية ، هذا إذا كان الخريج من المهتمين بالشأن العام على غرار شكرالله كرم. المصادر 1. زكي إلياس ونا 2. د.كرم شكرالله كرم 3. م. مروان ضاهر 4. علي عبد الحسن عواضة 5. إبراهيم البصبوص 6. خليل بطرس حشمة 7. إبراهيم خليل سمور 8. محمد علي هيثم 9. نايف علي مرعي 10. عبد الأمير أسعد مهنا 11. حسين علي رشيدي 12. عاطف أبو عازر
* المهندس عدنان إبراهيم سمور، هاتف & واتس: 03/209981 باحث عن الحقيقة. 17/02/2022
مقالات الكاتب المهندس عدنان سمور مواضيع ذات صلة: تاريخ مهنة الطب في الخيام - الجزء الأول تاريخ مهنة الطب في الخيام - الجزء الثاني تاريخ مهنة الطب في الخيام - الجزء الثالث نبيه حشمه: عن موضوع الدكتور شكرالله كرم.. شكرًا للمهندس عدنان سمّور مواضيع سابقة، عن الدكتور شكرالله كرم، جرى نشرها عبر صفحات هذا الموقع
الوزير السابق كرم كرم في رسالة صوتية إلى والده، الدكتور الشهيد شكرالله كرم في الذكرى الـ 45 لاستشهاده:
مقدِّمة لا بد منها كانت بداية إهتمامي بكتابة التاريخ الشفهي للخيام ، نابعة من شعوري بضرورة توثيق التطورات الهائلة التي شهدتها الخيام ومنطقتها ، وذلك من خلال معلوماتي المتواضعة التي إكتسبتها ، عبر الزملاء والأهل وخاصة والدي الحبيب (أبو عاطف) إبراهيم خليل سمور ، الذي كان هو المحفز الأساسي لي ، للتفكير بتوثيق تاريخ الخيام خاصة أن جيل والدي ، كان منبهِرا وسعيدا بمستوى التحول والتطور الهائل الذي تحقق في حياة جيله ، هذا الجيل الذي كان يجمع الحطب للتدفئة شتاءً من جبل الشيخ ، كما كان يجفف روث البقر لنفس الغاية وينقل الماء بالقِرَبِ على الأكتاف ، أو على الدواب ، من العيون المتناثرة عند أطراف الخيام إلى المنازل ، وكانت أرض منازلهم تراب ، وأسقفهم أيضاً تراب ، يتسرب منها الماء في فصل الشتاء ، لذلك كانت تحتاج بإستمرار إلى حدل أصحابها لها تحت المطر والثلج ، سواءً كان الوقت ليلاً أو نهاراً لمنع تسرب المياه إلى داخل المنازل ، وكانت الطرق وعِرة وضيقة ، ولا يوجد مرافق صحية في المنازل ، ولكن خلال عقدين من الزمان ، شقَّت الطرق في الخيام وتمَّ تعبيدها ، وكذلك دخلت السيارات التي أحدثت قفزة نوعية في وسائل النقل وقصَّرت المسافات بين البلدان ، وتمَّ تمديد شبكات الماء إلى المنازل ، ومدِّدت شبكات الكهرباء وأنشئت المدارس الحديثة بدل الكُتَّاب ، وبدأ الناس يستخدمون الأدوات المنزلية الكهربائية ، وصار في الخيام فرن آليٌّ ، ودخل الطب الحديث ، وتطورت وسائل البناء ، ومواده المستخدمة ، وصار في الخيام سينما وهاتف . وكانت الخيام كغيرها من بلدات المنطقة تعاني من حكم إقطاعي قاسٍ ، وكان الناس من خلال سطوةِ رجال الإقطاع وزبانيتهم الذين يظلمونهم ويهددوهم بأرزاقهم ، يشعرون بأنهم مستعبدون مهانون ويتوقون إلى الخلاص والتحرر من سطوة هذا النظام الإقطاعي الذي يقض مضاجعهم . وقد ترافق تطور وسائل العيش وظروف الحياة بشكل عام ، بتخلص الناس من طغيان الحكم الإقطاعي الجائر وبدؤا يتنفسون ريح الحرية والخلاص . أمام هذه التغيُّرات والتطوُّرات الهائلة ، التي كانت الشغل الشاغل لإهتمام الناس وتعليقاتهم ودهشتهم وإنبهارهم بما تحقق ، نشأت لدي رغبة في كتابة الذاكرة الشفهية للخيام ، تخليداً وتوثيقاً لمرحلة التحول الكبرى التي عرفتها الخيام على مستويين (أولاً : التحول النوعي للمجتمع الخيامي ، من الحياة البدائية التقليدية إلى الحداثة وتطور نمط الحياة ووسائل العيش ، وثانياً : تخلص الناس من فترة حكمٍ إقطاعي ظالم ، متحجر ومتخلف ، تحكَّم بحياة ورقاب الناس على مدى مئات السنين ) ، وهكذا بدأت بتجميع المعطيات والمعلومات ، بقدر ما تسعفني علاقاتي ومحاولاتي مع كبار السن وذوي الخبرة من أبناء الخيام ، وكانت البداية في سن الخمسة عشر سنة ، ولا أخفيكم أني كنت أجد أحيانا ممانعة من البعض في تقديم المعطيات والمعلومات تحت حجج متعددة لا داعي لذكرها الآن ، وكان في بالي دوما شخصيات خيامية حاضرة لا يمكن تجاوز ذكرها لأنها مثلت منعطفا في تاريخ الخيام والتحوُّلات النوعية ، في وعي وفي حياة الناس ، ولا شك أن الدكتور شكرالله كرم ، كان يمثل في ذهني وذهن معظم أبناء الخيام ، أيقونة رسالة الطب في الخيام ومحيطها ، وكنت أعمل على جمع المعطيات عنه وعن تجربته المميزة ، خلال سعيي لتسجيل الذاكرة الشفهية للخيام ، لأتمكن من تسليط الضوء لاحقاً على دوره الريادي في هذا المجال ، ولكن كلما كنت أتعمق في دراسة تجربة الدكتور شكرالله كرم ، كلما صار يزداد لدي شعور ويقين ، بأن الرجل يمثل ظاهرة فريدة في مشروع النهضة في منطقة مرجعيون ، وصرت أتأكد يوما بعد يوم ، أنَّ شكرالله كرم ليس مجرد طبيب بلدة كفوء وكريم النفس ، بل هو قائد ميداني يمتلك رؤية نهضوية حضارية شديدة الوضوح ، في وعيه للمرحلة التي تعيشها المنطقة بشكل عام ومنطقة جبل عامل بشكل خاص ، وكانت رؤية الرجل ، بتقديري المتواضع ، هي الرؤية الأكثر نضجاً وعمقاً وسعة أفق بين رؤى أبناء جيله من المهتمين بالشأن العام في الخيام ، ومخطىء من يعتقد أن الدكتور شكرالله كرم كان طبيباً خدم الناس من خلال خبراته وعلومه الطبية في مرحلة زمنية من تاريخهم وإنتهى الأمر. لذلك ولفهم حقيقة ما كان يمثل شكرالله كرم بالنسبة للخيام ومنطقتها في تلك المرحلة ، ولنكون منصفين ونوفِّي الرجل حقه ، (من أجلنا ، لا من أجله) ، صار لزاماً علينا أن نبيِّن في توثيقنا لتجربته المميزة والمؤثرة " ظروف نشاته الأسرية ، وطبيعة المجتمع الذي نشأ وتربى في أحضانه ، مع تبيان لمكونات هذا المجتمع والعلاقة الهرمية بين مكوناته . إضافة لوصف اللحظة الحضارية التي كانت تمر فيها منطقتنا ، والتي تأثرت ونضجت فيها شخصية الدكتور شكرالله كرم ، الذي حمل في عمق وجدانه من الرحلة التي بدأ يتبلور فيها وعيه ، حُلُماً رسالياً ، إنسانياً ، رحباً ومتعالياً على كلَّ الإنتماءات ، والأطرٍ الفئوية والضيقة ، التي كانت مستحكمة بعقول المنتفعين منها والمعتاشين عليها والحريصين على بقائها لحفظ تسلطهم في تلك الحقبة ، ولن ننسى المرور على شرح أهمية الموقع الجغرافي لمنطقة الخيام الذي كان جاذبا للأحداث التي كانت تحصل وما زالت ، على إمتداد تاريخ المنطقة ، والتي كان لها آثار كارثية في بعض المراحل ، والتي ما زالت المنطقة تتابع فصول وتداعيات تلك الأحداث حتى يومنا هذا. وبدون هذا العرض لن نتمكن من إبراز الدور الريادي والقيادي والنموذجي الذي لعبه الدكتور شكرالله كرم ، والذي تَجَسَّد في المواقف الشجاعة والمنفتحة والناضجة والمشرِّفة التي إتخذها شكرالله كرم في تلك المرحلة من عمر المنطقة والتي مثلت ( أي هذه المواقف ) شعلة مضيئة أمام جيل شباب الخيام ومحيطها ، الذي كان يتطلع بلهفة إلى التحرر والتغيير والنهوض . وهكذا سيتضح لنا ، أن هناك دوراً تكاملياً ، حصل بين الخياميين وبين شخص خيامي يمتلك صفات القائد الواعي والمخلص ، والذي هو الدكتور شكرالله كرم ، وقد أنتج هذا التكامل تجربة إجتماعية ، إنسانية ، رائدة على مستوى المنطقة ، هذه التجربة كانت سابقة لعصرها ، ومستوعبة لمميزات وفرادة التجربة اللبنانية التعايشية ، حيث تمكن شكرالله كرم بعبقريته الإنسانية أولاً ، والقيادية ثانياً ، وبالتعاون الخيامي المنفتح معه أن يقولوا للعالم أن المشكلة في لبنان ليست ناتجة عن التنوع الطائفي ، لأنه لو كان الأمر كذلك لما قبلت بلدة كالخيام ذات الأغلبية الشيعية أن تختار رمزاً إنسانياً ورسالياً ، قدوة لها ، إبن الأقلية المسيحية في البلدة ، الشاب الكفوء والمخلص الدكتور شكرالله كرم ، الذي يعتبر أحد قادة التحول والتطور والإنماء والتحديث في منطقة جبل عامل . والمجتمعات لا تنتج رموزاً بحجم شكرالله كرم إلا عندما تبتلى بمواجهة تحديات كبرى وخطيرة ومصيرية . ونحن علينا أن نكون حريصين ، في حفظ تجربة هؤلاء الرموز ، لإستلهام العبر والدروس منهم في حاضرنا ومستقبلنا . قد يقول البعض أن المقدمة طويلة نسبياً، لكنها غنية وقيِّمة ، ولولا خوفي من الإطالة عليكم أكثر ، لتعمَّقت في التحليل والإستنتاج ، في تجربة الدكتور شكرالله كرم أكثر وأكثر ، وبتقديري المتواضع أن هذه التجربة ، ستبقى قادرة على الإلهام للأجيال القادمة من طلاب الحق والعدل والتسامح والخير لبني البشر على إمتداد الزمان والمكان ، ومسؤوليتنا نحن حفظ وتوثيق هذه التجربة الغنية والفريدة ، لنقدمها لأجيالنا بأساليب أدبية وفنية مقنعة وشيقة لأن المجتمعات لا تنتج ببساطة هكذا نوع من التجارب إلا خلال فترات متباعدة من الزمن ، كما أنه يجب التنبه دائماً أن ثروة لبنان الأهم هي الثروة البشرية المبدعة والخلاقة التي علينا حفظها وحمايتها من الضياع والإندثار لا سمح الله . وما محاولاتي المتواضعة لحفظ الذاكرة الشفهية للخيام ، إلا إنطلاقاً من هذه القناعة ، ولئلا يضيع تاريخ الخيام الغني والمشرف ، وأطلب من جميع الأخوة والأخوات القادرين على المساعدة في كتابة هذا التاريخ ، مدَّ يد العون لنا ونحن لهم من الشاكرين. جذور العائلة. في الذاكرة الجمعية الخيامية يقول المعمرون أن كرم عطالله كرم والد الدكتور شكرالله كرم كان له أنسباء هما نصار (جد الدكتور حليم القسيس لأمه وأخوه داوود ) ، اللذان كانا مهنتهما مكارية ، فكانوا يأتون بشكل دوري للمتاجرة من نابلس في فلسطين إلى أسواق منطقة مرجعيون ، فيُحضِرون معهم الزيت والصابون والملح ، ويقايضونهم بالقمح والذرة، حيث كان يوجد في كل قرية سوق أسبوعي يقصده التجار للبيع والشراء ، وكانت الأسواق مقسَّمة على الشكل التالي (سوق الخيام يوم الخميس وسوق مرجعيون يوم الجمعة وسوق القليعة يوم الأحد وسوق الخان يوم الثلاثاء وهكذا دواليك في بقية القرى) . وبتعاقب الزيارات إلى المنطقة ، إستقرَّ هؤلاء الأنسباء في بلدة الخيام وقد يكون العامل المؤثر في هذا القرار هو زواجهم من خياميات ، وتضيف المعلومات أن سكن العائلة الأول بدأ منذ ثلاثة أجيال في الخيام ، حيث سكن الأنسباء بداية قرب بيت الحاج أسعد مهنا ، بمحاذاة بيت شحاذي العتر ، الذي يقال أيضاً أنه جاء إلى الخيام من نابلس وهو الذي باع بلدية الخيام ، العقار الذي بنت عليه مركزها الأول . بينما كان جد شكرالله يسكن في قطعة الأرض اليي يوجد عليها البيت الذي عاشت فيه أسرة الدكتور شكرالله كرم . ويروي الدكتور كرم شكرالله كرم نقلا عن والده أن جذور العائلة الأولى يمكن أن تكون من بلدة جزين حيث لا يوجد رواية حاسمة موثَّقة ، عن التاريخ الدقيق لقدوم أول فرد أو مجموعة أفراد من عائلة كرم إلى الخيام وما هي مهنتهم وأين أقاموا على وجه التحديد . الظروف المحيطة بالولادة والنشأة. ولد شكرالله كرم عام 1914 ، في العام الذي نشبت فيه الحرب العالمية الأولى ، وكانت ولادته في الحي الشمالي لبلدة الخيام ، التي كانت تابعة لمنطقة جبل عامل في بلاد الشام ، وكانت بلاد الشام تمثل جزأً من المناطق الخاضعة للحكم العثماني في تلك الحقبة ، حين كان الحكم العثماني يلفظ أنفاسه الأخيرة في تلك المرحلة ، لأن منطقة ممتدة من طنجة على سواحل المحيط الأطلسي غرباً ، إلى أقاصي اليمن شرقاً ، كانت تحتلها السلطنة العثمانية وتسيطر على مواردها منذ أربع مئة سنة. باتت مهددة بخسارتها من قبل الدول الأوروبية ، التي بدأت تتعاظم قوتها من خلال ما شهدت من تطور علمي وصناعي في شتى ميادين الحياة . وكانت السلطنة العثمانية تحرص خلال فترة حكمها لهذه المنطقة ، بكل ما أوتيت من قوة على منع أي مشروع تنموي ونهضوي حقيقي فيها ، كما كانت تستخدم شباب هذه المنطقة المترامية الأبعاد كخزان بشري ووقود لحروبها ، التي خاضتها على مدى مئات السنين ، ضد الإمبراطورية الروسية من جهة ، وضد الدول الأوروبية في منطقة البلقان وفي منطقة شمال أفريقيا من جهة أخرى ، وكانت السلطنة العثمانية تعتمد في المناطق التي تحتلها نظام حكم إقطاعي يتعامل مع البشر كأدوات إنتاج لا قيمة إضافية لها ، إلا بقدر ما تدر على السلطنة من مقاتلين وضرائب وخيرات ، لها ولرجال الإقطاع الذين ينفذون سياساتها ويؤمنوا لها ما تحتاجه من خراج وأموال لحكامها ولنظامها الجشِع ، وكان رجال الإقطاع الحاكمون والممثلون للسلطنة في حكم بلادنا يستخدمون مع الناس سياسة فرق تسد ، ليبقى هؤلاء الناس البسطاء الضعفاء الذين لا حول لهم ولا قوة ، تحت رحمتهم وحمايتهم الوهمية والمزيفة. حصدت الحرب العالمية الأولى أرواحا بريئة لا تعد ولا تحصى ، من أبناء منطقتنا المستضعفين ، نتيجة الخدمة الإجبارية ونتيجة الحروب والمجاعة والأمراض ، التي لم يكن يجيد الناس بخبراتهم التقليدية البسيطة علاجها وتخفيف آثارها. يمتاز الموقع الجغرافي للخيام ومنطقتها ، بوجود سهل الحولة الممتد جنوباً ، والمحاط بهضاب وتضاريس جبلية من جهاته الأربع ، وتمثل الخيام والمطلة وكفركلا والعديسة ، حدود السهل الشمالية الأمر الذي ساهم بأن تكون هذه المنطقة ، نقطة مواجهة بين الجيوش المتحاربة في كافة المعارك التي حصلت في تلك المنطقة عبر التاريخ ، ومن جملتها الحرب العالمية الأولى التي لا زال يوجد منها آثارها خنادق وتحصينات عسكرية شرقي المسلخ الجديد في منطقة وادي العصافير ، كانت قد أنشأتها قوات السلطنة العثمانية قبل إندحارها في الحرب العالمية الأولى. وقد تسببت الحرب الكونية الأولى ، بحصول عملية هجرة من الخيام وكافة قرى المنطقة ، وكان الجزء الاكبر من المهاجرين ، يسافر إلى القارة الأميركية ، حيث كان من جملة الذين هاجروا إلى أميركا كرم عطالله كرم والد الدكتور شكرالله كرم ، وكان كرم رجلا مربوع القامة وقبضاي ، وقد سبقه إلى أميركا صديقه فارس نعمة الجلبوط ، وقد إمتهن كرم عطالله كرم الزراعة كما كان يربي الماشية ، وكانت زوجته زينة الشماس (أخت عساف الشماس) ، تساعده في أعماله بكل جد ونشاط ، وكانت تستحق أن يقال عنها بأنها (أخت الرجال) ، خاصة ، لأنها إستطاعت خلال سفر زوجها إلى الولايات المتحدة الأميركية ، أن تصون رزقه وتدير عمليات تضمين الأراضي الكثيرة التي كان يملكها بالحصة ، وأن تشتري الأرض بالمال الذي إدَّخره زوجها وأرسله إليها من بلاد الإغتراب ، كما إستمرت في تربية الماشية والدواجن ، وكانت تبيع الألبان والأجبان والبيض مستعينة بعيسى الجلبوط وزوجته مسعدة ، الذَينِ كانت أسرتهما تعتبر إمتدادا طبيعيا لأسرة كرم عطالله كرم ، وكان يعتبر من فريق عملها أيضا رجل يدعى جميل خوري وزوجته بسمة ، وكانت زينة الشماس رغم كثرة إنشغالاتها تتمتع بإرادة صلبة ورغبة في تحدي الظروف والإنتصار عليها وكانت إنسانة عاطفية رقيقة القلب إتجاه أسرتها وقد ظهر هذا الأمر جليا بعد وفاة إبنها البكر نعمة الله نتيجة إصابته بحمى التيفوئيد ، حيث كان نعمةالله هو بِكرها الذي قضى في ريعان شبابه ، ولم يكن عمره قد تجاوز التسعة عشر ربيعاً ، ولم تُشاهَد زينة الشماس (أم نعمة الله) بعد هذه الواقعة الأليمة ترتدي غير السواد لباساً ، وكان كلما مرَّ بقرب منزلها موكب فرح تتذكر بكرها ويتجدد حزنها ومعاناتها . أنجبت زينة الشماس غير نعمةالله إبنتين ، هما نظيرة وسميا ، وقد وتزوجتا في الخيام (واحدة تزوجت من راشيا الفخار والثانية من قرية ثانية في منطقة مرجعيون) وسافرتا إلى كندا ، ولم تعودا إلى الخيام إلا في رحلة واحدة يتيمة ، قامت بها نظيرة ولم تتكرر . وكان شكرالله كرم لايعرف أخاه البكر الذي توفي قبل ولادته كما لم يكن قد إلتقى أختيه مباشرة لأنهما سافرتا قبل ولادته فكان يتابع أخبارهما بواسطة المراسلة ، وبواسطة المغتربين الخياميين الكثر الذين يأتون إليه بالأخبار عنهما ، بين الفينة والأخرى. هكذا تربى شكرالله كرم في رعاية والدته وكأنه ولدٌ وحيد ، لا أخَ له ولا أختْ ، وكان والده بعد عودته من المهجر ميسور الحال ، وعلى علاقة طيبة بالفعاليات الخيامية المؤثِّرِة ، فتم تعيينه مختاراً عن الحي الشمالي في الخيام ، كما قام ببناء البيت الذي سكنته أسرة الدكتور شكرالله كرم لاحقاٌ ، وكان حريصاٌ على تعليم ولده الوحيد الباقي له في الخيام في أفضل المدارس المتوفرة في المنطقة ، حيث درس شكرالله في الخيام بداية ، وبعدها إنتقل إلى مدرسة مرجعيون ليتابع دراسته في المرحلة المتوسطة والثانوية ، وكان شكرالله كرم فتىً جادا ومجتهدا ومحباً للتحصيل العلمي ، وكان بارزا بين زملائه الطلاب بذكائه الحاد وجديته وقوة حضوره وتميزه. وهنا لا بأس من تسليط الضوء على نقطة مهمة ومؤثرة في توضيح الظروف التي نشأ وترعرع فيها شكرالله كرم وهي أن الإنتماء الديني لعائلة كرم الآتية حديثا ، سواءً من فلسطين أو من جزين ، تمكن أحد أفرادها ، وهو كرم عطالله كرم ، بعد عودته من فترة إغترابية ناجحة عملياً ، أن يصبح مختاراً عن الحي المسيحي في الخيام ، وكان هذا الموقع الرسمي مؤثراً ومهماً ، نظراً لما يمثله في تلك الحقبة الزمنية من موقع إجتماعي يحتاجه الناس في قضاء الكثير من حوائجهم ، وما يعطي قيمة أكبر لهذا التعيين ، هو أن كرم عطالله كرم والد شكرالله كرم ، ينتمي إلى طائفة الروم الاورثوذكس في بلد تعتبر فيه الطائفة المارونية الكريمة ، هي الطائفة الأكثر إمتيازا وتأثيراً في لبنان ، من بين الطوائف الإسلامية والمسيحية على حدٍّ سواء ، وهذا الأمر إن دلَّ على شيء ، فإنه يدلُّ على إمتلاك عطالله كرم شخصية قيادية فاعلة ومؤثرة ، إكتسبها من خبراته وعلاقاته التجارية ومن خلال تنقلاته بين البلدان قريبها وبعيدها ، الأمر الذي لا شك أنه ترك لاحقاً أثره في شخصية ولده شكرالله. كما يوجد ملاحظة ثانية من المهم أن نلفت إليها ، وهي ان الطائفة المسيحية الكريمة ، نظراً لوجود الإرساليات في لبنان ، ونتيجة الإمتيازات التي حصلت عليها تلك الإرساليات خلال فترة المتصرفية في لبنان ، إكتشف المسيحيون باكرا أهمية النهضة العلمية الحديثة ، التي بدأت تحقق الإنجازات المتلاحقة والمتسارعة ، في كافة ميادين العلوم وتعزيز دور الإنسان في التحكم بإدارة حياته ومحيطه بشكل أفضل ، وأكثر راحةً ويسر، لذلك كان واضحا لدينا خلال تجميعنا وتدويننا للذاكرة الشفهية في الخيام أن المسيحيين الخياميين الذين كان يتوفر لديهم اليسر المالي والمعيشي ، سواء عن طريق التجارة والزراعة في الخيام أو في بلاد الإغتراب ، كانوا يستثمرون هذه البحبوحة المالية ، في تعليم أبنائهم في مدارس ذات مستوى وتكلفة مرتفعة نسبياً ، قياساً للوضع المعيشي الصعب في تلك الحقبة الزمنية ، وكانت الدراسة في الجامعة الأميركية أمرا ممكنا ويسيرا على ميسوري مسيحيي الخيام ، في حين أنه لم يدخل من مسلمي الخيام للتعلم في الجامعة الامريكية أحد قبل ستينيات القرن الماضي ، في وقت تخرج فيه مسيحيون خياميون من الجامعة الأميركية في إختصاص الطب وغير الطب فيم نتصف ثلاثينيات القرن الماضي ، وكان شكرالله كرم واحدا من هؤلاء الخريجين حيث تخرج في العام 1937 وسبقه موسى فارس نعمة الجلبوط بسنوات قليلة . وتجدر الإشارة هنا إلى أن الكلية السورية الإنجيلية الأميركية في لبنان ، كانت تمثل صرحا تعليميا لا يضاهى أكاديميا من قبل كافة المؤسسات التعليمية العاملة على الأراضي اللبنانية والمنطقة عموماً ، لأنها كانت تخرِّج الكوادر والخبرات العلمية المختلفة لمنطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا ، من إيران إلى المغرب ، وكانت نسبة كبيرة من رؤساء جمهوريات المنطقة ورؤساء الوزراء والنواب والسفراء وكبار الموظفين فيها هم من خريجي الجامعة الإنجيلية الأميركية في بيروت ، وهذا أمر ينبغي الوقوف عنده ، وتأمُّله ملياً ، وتأمل مدى أثره على المجتمعات البدائية ، التي يأتي أليها خريج من الجامعة الأميركية ، ويكون من أبنائها العارفين بحاجاتها ومشاكلها ، ويكون مزودا بأحدث النظريات العلمية ومطلعا على أحدث النشاطات والتيارات الفكرية والثقافية والسياسية النشطة في لبنان والعالم ، إضافة لتمتعه بشبكة علاقات مع أساتذة وزملاء ، من دول منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا المترامية المساحات ، والمتعددة الشعوب والتجارب الإجتماعية والإنسانية والحضارية ، هذا إذا كان الخريج من المهتمين بالشأن العام على غرار شكرالله كرم. المصادر 1. زكي إلياس ونا 2. د.كرم شكرالله كرم 3. م. مروان ضاهر 4. علي عبد الحسن عواضة 5. إبراهيم البصبوص 6. خليل بطرس حشمة 7. إبراهيم خليل سمور 8. محمد علي هيثم 9. نايف علي مرعي 10. عبد الأمير أسعد مهنا 11. حسين علي رشيدي 12. عاطف أبو عازر
* المهندس عدنان إبراهيم سمور، هاتف & واتس: 03/209981 باحث عن الحقيقة. 17/02/2022
مقالات الكاتب المهندس عدنان سمور مواضيع ذات صلة: تاريخ مهنة الطب في الخيام - الجزء الأول تاريخ مهنة الطب في الخيام - الجزء الثاني تاريخ مهنة الطب في الخيام - الجزء الثالث نبيه حشمه: عن موضوع الدكتور شكرالله كرم.. شكرًا للمهندس عدنان سمّور مواضيع سابقة، عن الدكتور شكرالله كرم، جرى نشرها عبر صفحات هذا الموقع
الوزير السابق كرم كرم في رسالة صوتية إلى والده، الدكتور الشهيد شكرالله كرم في الذكرى الـ 45 لاستشهاده: