المشوار الأخير للطفل عبد الله إلى الدكان الرصاصة اخترقت قلبه وأدمت قلوب ذويه
طرابلس ـ
لم تكن عائلة يحيى في باب الرمل بطرابلس تتوقع في يوم من الايام أن يدفع طفلها عبد الله (عشر سنوات)، ضريبة دم بهذا الحجم، فيقتل برصاصة مجهولة اخترقت قلبه الصغير، في ذورة الهستيريا الأمنية التي كانت تجتاح التبانة والقبة وجبل محسن، وتهدد آلاف الاطفال، وتبث الرعب في نفوسهم، وتهجرهم من منازلهم، وتعرضهم ليكونوا مشاريع شهداء.
ولم تكن الوالدة شادية الدهيبي تعلم أن إصرار طفلها عبد الله على النزول الى الشارع ليشتري بعضا من الشوكولا والعصير، سيلحقه بركب الشهداء، وأن حبة من قلبها ستسقط، وأن مشوار »عبودي« المعتاد الى الدكان المجاور سيكون هذه المرة المشوار الاخير، ليترك وراءه كثيرا من الألم الذي يعتصر القلوب، ومن الدموع التي لن تجف بسهولة، وليطرح مئات الأسئلة عن مصدر الرصاصتين اللتين اخترقت إحداهما قلب »عبودي«، واستقرت الثانية في قدم رفيقه طارق الخولي الذي نقل الى المستشفى للمعالجة.
ويشير ناجي يحيى، الشقيق الاكبر لعبد الله، الى أن طريقة دخول الرصاصة من ظهر شقيقه واختراقها قلبه لا يمكن أن تكون رصاصة طائشة جراء اشتباكات التبانة وجبل محسن، لافتا الى أن الطبيب الشرعي الذي كشف على جثة شقيقه أكد في تقريره أن مدى الرصاصة هو ٣٥٠ مترا، مؤكدا أن ذلك يدل بشكل لا يدعو الى الشك على وجود قناص باتجاه القلعة أو المناطق المطلة على باب الرمل، بهدف إثارة الفتنة وإدخال المدينة في صراع لا ينتهي، مطالبا الاجهزة الامنية المختصة بإجراء التحقيقات اللازمة لمعرفة الفاعل.
ويقول ناجي يحيى: ان شقيقه كان كالملاك، وان أطفال الحي كلهم أصيبوا بحالة من الذعر الشديد مصحوبة بالحزن على رفيقهم الذي كان صوته يملأ الحي، وانه كان يصطحب عبد الله معه في كل يوم للعمل الصيفي في محله المعد لتصليح الدواليب، وذلك حتى نهاية الدوام في الساعة الثامنة مساء، لافتا الى أن عبد الله لم يذهب الى العمل في ذاك اليوم المشؤوم، وبقي في المنزل حتى الساعة الخامسة حيث نزل سريعا الى الشارع ليصاب بطلق ناري أمام مسجد فضل الله أرداه على الفور.
أما الوالدة المفجوعة التي خنق الأسى صوتها، فلم يكن من السهل التحدث معها، فغابت عن كل من حولها، ودخلت في خلوة مع صغيرها الشهيد، لتداعب جسده النحيل وتمسح بيدها المرتجفة على وجهه ورأسه، وتذكره بوعد قطعه لها قبل نزوله الى الشارع بأنه لن يتأخر، لتخاطب من حولها عن أحلامها بعبد الله الذي كان يتابع دراسته في الصف الرابع الابتدائي، لتعود الى حقيقة الفاجعة وقسوتها مع موعد الانطلاق الى مسجد طينال للصلاة على الجثمان قبل أن يوارى في الثرى، فتطلق صرخة مدوية تدمي فيها قلوب كل من حولها، وتعمم البكاء على الوالد والأشقاء والشقيقات والأقارب والجيران، الذين عبثا حاولوا التخفيف عنها مصابها. وكان قد شُيّع في التبانة وجبل محسن وعكار ثمانية من الضحايا الذين سقطوا خلال الاشتباكات الاخيرة.
غ. ر