الخيام نسخة تجريبية · Khiyam v2
أخبار وذاكرة ومجتمع
← الأرشيف

هدى صادق: مخضبين بالاشتياق للخيام

2022/8/20 · هدى صادق · المقال رقم 42894
عادوا من الخيام أولئك المغتربين يحملون في زوادتهم حفنة ذكريات وكمشات حنين ونكهات من بقايا اشتياق غص بها شهيق العنب وزفير التين
عاد من الخيام أولئك المغتربين وفي حقائبهم إرتمت لحظاتهم الحلوة المطوية فوق بعضها البعض كأوراق السنين
ورقة بيضاء لم يكتب عليها القدر من شيء وورقة خربشت عليها الطبيعة برسومات تناوبت على اجتياحها أقلام التلوين
ففي الخيام كان الصيف رغم حرارته ملبدا بالعطر وممتزجا برائحة الزعتر الملتصقة بالطين في الخيام تشرق الشمس في القلب وكأنها نبض يسرح من شماله مرورا باليمين
لينهض ريق الصباح من شغب الدراق المتكيء على كتف اليقطين
فصيف الخيام لا يعرف النوم ولا يروقه أخذ قيلولة إلا على وسائد العاشقين
ولا يشتهي الكسل نشطا متحمسا يعربش بنعاسه على نوافذ الليل ليغطى مع النجوم أحلام الياسمين
الصيف في الخيام يشبه احتراق البخور على جمرات مشتعلة بدخان مغرم بالأكسجين
ليبدأ النور بلملمة خطوات البشر وأسماء من تركوا بيوتهم لبضعة شهور أو سنين
في الخيام لا يوجد صيف فارغ فكل الأماكن يمتطي زواياها ظل خطوات المسافرين
هناك حيث يغفو السكر الناعم فوق حبات التمر على صواني الزائرين
وتتثاءب رائحة البُن وهي تطوف حول حكايا الساهرين بينما ينكسر صمت الليل بطرطقة حبات البوشار المتزاحمة للخروج الى ثرثرة المراهقين
ليأتي من البعيد صدى صوت الزيز وهو يودع برنينه ملامح المغادرين
حتى يرتمي الشفق في حضن الليل عابرا من الجنوب الى جبل عامل الى بيروت ملوحا باشتياق لتلك القلوب التى تنتظر صيفا جديدا لتسكب الجلاب على قشعريرة الثلج في كؤوس العائدين
وحين تشرق الشمس وتفور قهوة الصباح تشهق رغوتها لطرطقة الفناجين
فتنهض روح الفستق من سباتها لتخلع قشرتها وتأخذ قيلولة على صدر النمورة المشبعة بماء الزهر المنتشى بقطره كما المدمنين
فكم من عائد من الخيام حمل معه جواز سفره وهويته وملابسه وهدايا أحبته وترك جزء من نفسه ليقضي مع الإشتياق ما تبقى من إجازات العمر ولو لحين
وكم من بيت يشكو فراق ساكنيه لفصل شتاء قارص يتدفأ على حطب الذكريات حين تتغرغر جدرانه بريق أصوات الغائبين
وكم من صورة التُقطت هناك ولا زالت ملامح أصحابها تمر على عتبات البيوت لتسأل عن حجوزات قريبة لاستراحة المتعبين
ففي الخيام يُمحى الصيف من رزنامة الأيام لكنه يبقى مشرقا في قلوب العابرين
يحمل باقات ورد ويقف على اعمدة الإنارة ليراقب بحزن حقائب السفر الممتلئة بالأنين
في الخيام يغلق المطر نوافذ الزائرين ويبدأ الثلج بافتعال شجار مع النسيان كى لا يُذيب ما ادخرته الطبيعة من وجوه الضاحكين
هنا ابتسامة شيدت بيتا وهنا ابتسامة اخترقت عتمة وهنا عناق لازال دفئه يُجبر بالحب عظام المسنين
وهنا وهناك الكثير من الاثار التى لازالت على ارصفة الخيام شاردة ليحضر من غاب عنها فيزهر الموت حياة وتصحو من غيبوبتها أشلاء الياسمين
ويبدأ النور بخياطة رسائل حب من ورق خريف متعب خارت قواه وهو يحسب كم من ورقة ستسقط حتى يعودوا مرة اخرى المغتربين
لتستمر الارض بالدوران باحثة عن صيف أخر في الخيام صيف متبل بضجيج هادىء يغير مذاق الصامتين
صيف يوقظ التراب وافران الخبز وبائعى الحلوى فرحا بمن سيعودون الى الخيام بالاشتياق مخضبين...
* الشاعرة هدى صادق