الضفة: المقاومة نحو التنظيم
رابع قتيل إسرائيلي خلال أسبوعَين: مقاومة الضفّة تزداد جرأةً... وتنظيماً
أحمد العبد
لا يبدو أن حالة الغليان التي تعيشها الأراضي الفلسطينية المحتلّة منذ أسابيع، ستؤول إلى نهاية قريبة لها، وفق ما يأمله العدو من إجراءاته العقابية التي يفرضها على الضفة الغربية والقدس. إذ إن عمليات إطلاق النار ضدّ جنود الاحتلال ومستوطِنيه لا تفتأ تتكاثر، وتزداد جرأة ودقّة وتنظيماً، موقعةً رابع قتيل في صفوف الجيش الإسرائيلي منذ أوائل الشهر الجاري. وفيما يواجه العدو تلك العمليات بتشديده الحصار على الحاضنة الشعبية للمقاومة، بهدف دفْعها إلى الانقلاب على الأخيرة، يَظهر أن النتائج تأتي على عكْس ما يريد، الأمر الذي تنبئ به حالة العصيان والإضراب الشامل التي شهدتها الأراضي المحتلّة أمس، والتي لا يُستبعد أن تتنامى وتتطوّر، لتُشكّل مع العمليات الفدائية مشهدية متكاملة لانتفاضة ثالثة، تتزايد يوماً بعد يوم المؤشّرات إلى ولادتها
رام الله | لم تستفق المؤسّسة الأمنية الإسرائيلية من صدمة عملية شعفاط التي قُتلت فيها مجنّدة من جيش الاحتلال، ولا تزال سلطات العدو تُسخّر كلّ إمكاناتها العسكرية والاستخبارية والتكنولوجية لملاحقة منفّذها الذي انسحب من المكان بسلام، حتى تلقّت صفعة جديدة بمقتل جندي من لواء «جفعاتي» برصاص مقاومين فلسطينيين، يوم الثلاثاء، قرب نابلس. ولا تقلّ الدلالات التي تحملها عملية «شافي شمرون» أهمّية عن تلك التي انطوت عليها «شعفاط»، بل تُعدّ مؤشّراً إضافياً إلى تطوُّر عمل المقاومين في الضفة، واكتسابهم الجرأة والشجاعة لتنفيذ هجمات فدائية خارج الحيّز الجغرافي الذي يتحصّنون فيه، باتت تُوقع خسائر في صفوف الجنود، وتبثّ الرعب في نفوس المستوطنين. ولعلّ «شافي شمرون» أصابت الهدفَين كلَيهما بـ9 رصاصات وخمس ثوانٍ فقط، حيث استطاع المنفّذان قتْل أحد جنود «جفعاتي»، بإطلاق نار تزامَن مع انطلاق مسيرة كان ينظّمها المستوطنون في المكان، احتفالاً بما يسمّى «عيد العرش» اليهودي، ما تسبّب بحالة فزع في صفوفهم، دفعت قوات العدو إلى الزجّ بالمئات من عناصرها في المنطقة، ليتعرّضوا مرّة أخرى لإطلاق نار. تركت عملية نابلس تأثيراً كبيراً في جيش الاحتلال والمستوطِنين وحتى قادتهم، إذ هاجم رئيس ما يسمّى «مجلس مستوطنات السامرة»، يوسي دجان، المؤسّستَين الأمنية والسياسية لتقاعسهما عن شنّ عدوان واسع في نابلس وجنين، قائلاً: «نسيج حياة مؤيّدي الإرهاب في نابلس يساوي أكثر من دماء مُواطني دولة إسرائيل»، بينما قال رئيس حكومة العدو، يائير لابيد: «يوم العيد تحوَّل إلى يوم حزين ومؤلم، لقد تلقّيتُ بحزن وألم نبأ مقتل الرقيب أول في جفعاتي، عيدو باروخ». وكان لافتاً في العملية، وقبْلها في «شعفاط»، وفق التسجيلات المصوَّرة المتداولة لهما، عدم قيام جنود الاحتلال بإطلاق الرصاص على المنفّذين، وهذا ما جعلهم محطّ انتقاد قاس من قِبَل محلّلين عسكريين وصحافيين وحتى سياسيين، فيما حاول جيش العدو التخفيف من وقْع الحادثة بالقول إنه «منذ عام 2015، وبعد نشْر كاميرات المراقبة في كلّ مكان، ظهرت الكثير من حالات إطلاق النار أو الدهس، والتي كان الجنود في بعضها يختارون عدم الاشتباك مع المنفّذين، والاختباء خلف ساتر. ما حدث في عملية شعفاط وعملية مستوطنة شافي شمرون ليس بالأمر الجديد». ومع ذلك، قرّر الجيش الإسرائيلي فتْح تحقيق في واقعة الإحجام عن إطلاق النار. وبينما أثارت «شافي شمرون»، وقبْلها «شعفاط»، وعمليات أخرى، تساؤلات كثيرة حول حالة الذعر والارتباك التي تصيب الجنود الإسرائيليين في خلالها، فهي أثبتت جرأة المقاومين الفلسطينيين، وقدرتهم على مهاجمة الأهداف العسكرية والحواجز المدجَّجة بالجنود، ومباغتة هؤلاء، وإيقاع الخسائر في صفوفهم، ثمّ الانسحاب بسلام. كذلك، أنبأت الهجمات الأخيرة بأن ثمّة تطوُّراً في الأساليب، وتخطيطاً مسبقاً للعمليات لناحية دراسة الموقع المستهدَف، خصوصاً في تلك التي تُوقع إصابات في صفوف المستوطنين والجنود، ما يشي بأن المقاومين ربّما باتوا يعملون وفق خطط واضحة ومدروسة وبناءً على خبرة كبيرة. ويدلّل على ما تَقدّم، أن استهداف الجنود قرب نابلس كان أثناء نزولهم من الدورية العسكرية لعرقلة حركة المركبات والمواطنين، وأن إطلاق النار عليهم استغرق فترة زمنية قصيرة للغاية. والحال نفسه ينسحب على «شعفاط» التي اختار مُنفّذها التوقيت المناسب، وهو تبديل «شفتات» الجنود على الحاجز، والذي يصاحبه عادةً اكتظاظ وفوضى، الأمر الذي يخبر بأن المنفّذ قام برصد الحركة مسبقاً على الحاجز، وعرف موعد وقوع التبديل. ومن المتوقّع أن تؤدّي عملية «شافي شمرون» إلى مزيد من الاشتعال في الأوضاع الأمنية في الضفة، وتحديداً في شمالها، في الأيام المقبلة، ليس لأنها رفعت عدد قتلى جيش العدو منذ بداية الشهر إلى 4 جنود، فحسب، بل لأنها أيضاً تأتي تتويجاً لعمل مقاوم متصاعد، تُرجم أوّل من أمس بعدّة عمليات استهدفت صباحاً حافلة للمستوطنين قرب بلدة يعبد في محافظة جنين، وكذلك حافلة للمستوطنين بمحاذاة مستوطنة «كدوميم»، وعملية إطلاق نار على مركبة مستوطنين قرب بيتا، إلى جانب العديد من الهجمات في كلّ الضفة، والتي تنوّعت ما بين إطلاق نار ومواجهات بالزجاجات الحارقة والحجارة. ومع فرْض قوات الاحتلال حصاراً مطبقاً على مدينة نابلس، وشنّ المستوطِنين ليل الثلاثاء - الأربعاء هجمات على ممتلكات المواطنين، يستعدّ الفلسطينيون لمزيد من التصعيد، خصوصاً على ضوء تبنّي مجموعات «عرين الأسود» هجوم «شافي شمرون»، واعتبارها إيّاها «ردّاً على العدوان الإسرائيلي في القدس والمسجد الأقصى». ومثّلت عملية «شافي شمرون» باكورة «أيام الغضب»، وهي سلسلة عمليات تعهّدت «العرين» بتنفيذها، متعهّدة بحصار المستوطِنين وملاحقتهم، لتُنفّذ إثر ذلك 4 عمليات إطلاق نار في ساعات قليلة فقط، وتدعو جميع مقاتلي الفصائل إلى الاستنفار، والمواطنين إلى اليقظة والانتباه، خاصة مع اقتراب المعركة، قائلةً: «لكم منّا صدق الوعد، ولكن نقول للمواطنين الكرام احموا ظُهورنا والتزموا بتعليمات العرين، مُخيَّرين غير مُجبَرين»، لافتةً إلى أن «مُقاتليها نفّذوا الثلاثاء فقط 5 عمليات إطلاق نار استهدفت الجنود والمستوطنين». وإذ أكدت سقوط قتلى وجرحى في صفوف العدو، فهي تعهّدت بمزيد من المفاجآت خلال الساعات المقبلة. ومن شأن تلك التطوّرات أن تولّد مزيداً من الضغوط على قادة العدو، وأن تدْفع جيش الاحتلال إلى شنّ عمليات انتقامية وعدوانية ضدّ الفلسطينيين على ضوء الانتقادات المُوجَّهة إليه من المستوطنين واليمين المتطرّف، على خلفيّة عجزه عن القبض على مُنفّذي العمليات، وإيقاف مسلسل الهجمات المتنقّل.
مثّلت عملية «شافي شمرون» باكورة «أيام الغضب»، التي لوّحت بها «عرين الأسود» ويرتئي الخبير العسكري المتقاعد، يوسف الشرقاوي، تسمية ما تشهده الضفة بـ«حالة تحدّي» عامّة، تُشبه إلى حدّ كبير عمليات التحدّي التي شهدها لبنان عقب اجتياح 1982، أو تلك التي سُجّلت في العراق بعد احتلاله. ويبيّن الشرقاوي أن هذه الحالة تستثمر في نجاح المقاومة وانتصارها، وهي تمهّد لتشكُّل المقاومة العامة المنظّمة، التي تحتاج إلى «حاضنة ليست متوفّرة حالياً في الضفة، نظراً إلى واقعها الأمني المركّب والمعقّد، والذي يخضع لسيطرة إسرائيل الأمنية بالكامل، مدعوماً بتنسيقها الأمني مع السلطة». ويلفت الشرقاوي، في تصريح إلى «الأخبار»، إلى أن «هدف وفلسفة التنسيق الأمني بين إسرائيل والسلطة، هو تحطيم الحاضنة الشعبية وانتزاع إرادة الشعب، ولذلك فإن عمليات المقاومين يمكن تسميتها بعمليات التحدّي نظراً إلى الجرأة التي تمتاز بها، والنمط المتقدّم الذي تتّبعه، والشجاعة الفائقة التي يبديها المنفّذون فيها، وما جرى في تل أبيب وأخيراً في شعفاط وشافي شمرون، يَجمع بين صفات الجرأة والشجاعة وكسر النظرية الإسرائيلية القائمة على قوّة النار في إرهاب كلّ من يفكر في مقاومة أو خدش جيش الاحتلال». ويشير إلى أن «الهجمات التي تنفَّذ يقلّد فيها المقاومون بعضهم بعضاً ويزدادون جرأة، وهي باتت تنتشر وتحدث بشكل يومي، بينما يعيش الاحتلال صدمة كبيرة، وهو لم يقدّر الموقف على حقيقته على الأرض، فيما السلطة الفلسطينية ليست معنيّة بأيّ شكل من أشكال المقاومة أو المواجهة».
«شافي شمرون»: مستوطنة المتطرّفين تحتلّ مستوطنة «شافي شمرون» أكثر من 400 دونم من أراضي قُرى دير شرف وسبسطية والناقورة، والتي بدأ نهبها عام 1971، وتفاقَم في عام 2000، لتتمّ مصادرة أكثر من 200 دونم وضمّها لتوسيع المستوطنة، التي كانت قبل إنشائها معسكراً للجيش الأردني، قبل أن يُخليها الأخير، ويتّخذ منها الإسرائيليون بؤرة استيطانية عسكرية. ويقيم في المستوطنة نحو ألف و200 مستوطِن، معظمهم من المتطرّفين المتديّنين، وأعضاء «الكنيست»، ومن حركة «جوشنئيم»، وأغلبهم لا يعملون، فيما شغلهم الأساسي الاعتداء على الفلسطينيين.
شعفاط تعلن العصيان... والضفّة تساندها: حاضنة المقاومة تحمي ظهرها أحمد العبد رام الله | لم تتأخّر ردّة الفعل الفلسطينية على الحصار المطبق الذي يفرضه جيش الاحتلال على مخيم شعفاط وبلدة عناتا قرب القدس المحتلّة، منذ 5 أيام، عقب العملية الفدائية التي استهدفت حاجز شعفاط مساء السبت، وأسفرت عن مقتل مجنّدة من جيش الاحتلال. وقد أعلن أهالي المخيم، مساء الثلاثاء، البدء بالعصيان المدني المفتوح حتى فكّ الحصار عنهم، بما يشمل تعطيل المدارس، ومنْع استعمال السيارات بعد الساعة العاشرة ليلاً إلّا للحالات الطارئة، وإغلاق المحالّ، وتنظيم الوقفات الاحتجاجية، وتعليق العمّال أعمالهم. وقوبل هذا التحرّك بإسناد من مختلف المدن والبلدات والمخيّمات في الضفة، التي أعلنت الإضراب الشامل، الذي تحوّل إلى مواجهات عنيفة مع قوات الاحتلال والمستوطنين، امتدّت من الشمال إلى الجنوب. ويعاني السكّان في مخيّم شعفاط وبلدة عناتا وضاحية السلام، والمقدَّر عددهم بـ 150 ألفاً، منذ السبت الماضي، حصاراً خانقاً يفرضه عليهم جنود العدو الذين يمنعون الدخول والخروج، ويقتحمون الأحياء بشكل متكرّر، وينفّذون مداهمات واسعة للمنازل وسط إطلاق الرصاص الحيّ والمطّاطي والغاز المسيّل للدموع والمياه العادمة. ويُعدّ ما شهدته الأراضي الفلسطينية من حالة عصيان وإضراب شامل أمس، تجربة أولى من حالة نضالية ثورية قد تُعمَّم وتتطوّر مع مرور الوقت، في ظلّ تصعيد الاحتلال سياسة الحصار المشدَّد على المدن والقرى والبلدات، ونصْب الحواجز العسكرية على مداخلها، وتحديداً على المناطق التي تشهد تنفيذ عمليات للمقاومة أو مواجهات، أو يَخرج منها مقاومون، وتحويلها إلى كانتونات معزولة، وفرْض عقاب جماعي على سكّانها في محاولة للضغط على الحاضنة الشعبية للمقاومة. وخيّمت أجواء الانتفاضة الثانية، وعملية «السور الواقي» التي شنّها جيش الاحتلال عام 2002، على الضفة الغربية، وتحديداً مدينتَي القدس، ونابلس التي تتعرّض هي الأخرى لحصار خانق، حيث أغلق جيش العدو مداخلها، وعزلها عن محيطها. كما أغلق مدخل بلدة دير شرف غربي المدينة بالسواتر الترابية، وحاجزَي حوارة وعورتا جنوبيها، وطريق المساكن شرقيها، وشدّد من إجراءاته على حاجز صرّة، وقطَع طريق تل، وطريق عصيرة الشمالية في اتّجاه الناقورة، ونصَب حواجز على مداخل سبسطية شمال غرب المحافظة، وعلى مدخل بيت فوريك شرقاً، وذلك إثر سلسلة عمليات إطلاق نار نفّذتها مجموعات «عرين الأسود» الثلاثاء، وأسفرت إحداها عن مقتل جندي إسرائيلي قرب مستوطنة «شافي شمرون». ويرى الكاتب والمحلّل السياسي، نهاد أبو غوش، في حديث إلى «الأخبار»، ما يجري في الضفة حالياً «انعكاساً لِما كان ينمو ويتطوّر خلال الشهور الماضية من رفض وتحدٍّ للاحتلال»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تشنّ هجوماً شاملاً على الشعب الفلسطيني في غزة والقدس وجنين ونابلس، في محاولة منها لفرض الحلّ النهائي عليه بقوّة الحديد والنار، وإخضاعه للقبول بأن أقصى ما يمكن أن يحصل عليه هو الحُكم الإداري الذاتي». ويشير أبو غوش إلى أن «ما تقوم به إسرائيل من جرائم، مرتبط بسعْيها لتدفيع الشعب الفلسطيني ثمناً باهظاً بسبب رفضه الاحتلال وتمسّكه بالمقاومة، لكن إسرائيل تتناسى أنها تُواجه الشعب الفلسطيني بكامله، وليس فصيلاً أو منظّمة أو هيئة؛ فعلى سبيل المثال، يعيش 150 ألف فلسطيني شمال شرق القدس تحت حصار مشدَّد منذ أيام، ونابلس يبدو أنها مرشّحة لحصار مشابه، وبالتالي لا بدّ أن يؤدي ذلك إلى ردّات فعل من المقاومة، بدأت تنمو وتتّسع، في اتّجاه الانتظام والتبلور، كما نشهد في ظاهرة عرين الأسود التي باتت عصيّة على الشطب والقلع». ويُذكّر بأن «إسرائيل حاولت قمع وإلغاء المقاومة في مخيم جنين، لكنها تَطوّرت وامتدّت إلى بقيّة المناطق مثل كرة اللهب، وهذه المقاومة هي في الحقيقة ثمن ما تقوم به إسرائيل التي تعتقد أن ما تملكه من قوّة هو فرصة لفرض ما تريد من حلول»، مضيفاً إن «إسرائيل أعلنت سياستها في الأراضي الفلسطينية، والتي تتلخّص بـ"العصا والجزرة"، حيث تريد إجبار السلطة الفلسطينية على الاكتفاء بدورها الأمني من دون أيّ دور سياسي، ومعاقبة المناطق الجغرافية التي يخرج منها الفدائيون، وتقديم تسهيلات وامتيازات للمناطق الهادئة أمنياً، ولكن النتيجة أن كلّ المناطق الفلسطينية والمحافظات والمدن والقرى باتت منخرطة في الموجة الانتفاضية الجديدة نفسها». وتأتي هذه الموجهة لتُعاكِس سياسة العدو القائمة على تكثيف البناء الاستيطاني، ونصْب الحواجز العسكرية، وشقّ الشوارع الالتفافية الرابطة بين المستوطنات على حساب أراضي الفلسطينيين، وبناء جدار الفصل العنصري، من أجل تحويل الضفة إلى كانتونات معزولة بعضها عن بعض. ويُعدّ ذلك ترجمة للاستراتيجية الصهيونية المعتمَدة منذ احتلال الضفة عام 1967، والمرتكزة على تفكيك هذه المنطقة جغرافياً واقتصادياً وسكّانياً، في إطار ما يُعرَف بـ«خطّة آلون» الهادفة إلى انتزاع الحدّ الأقصى من الجغرافيا الفلسطينية، مقابل التخلّي عن عبء إدارة المواطنين الفلسطينيين. وبلغ هذا المشروع، أخيراً، مراحل متقدّمة، تجلّت العام الحالي في مصادرة 22 ألف دونم شرقي الضفة، في سياق السياسة الهادفة إلى جعل إقامة دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً وذات سيادة، أمراً مستحيلاً، وتحويل المدن الفلسطينية إلى مناطق تعيش كلّ منها بشكل منفرد، من دون أيّ تواصل سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي إلّا برعاية الاحتلال، في الوقت الذي يواصل فيه الأخير تسمين «دولة المستوطنات»، حيث تشير تقديرات إسرائيلية وفلسطينية إلى وجود نحو 650 ألف مستوطن يهودي في مستوطنات الضفة بما فيها القدس المحتلّة، يسكنون في 164 مستوطَنة، و116 بؤرة استيطانية.
يبدو المشهد أقرب إلى استعادة للحالة التي كانت عليها الضفة في الانتفاضة الثانية كذلك، صادقت اللجنة المنظّمة في «الكنيست»، العام الماضي، على تقديم وعرض مشروع قانون «تسوية المستوطنات الصغيرة»، أي البؤر الاستيطانية العشوائية، للبدء بمسار إقراره، بما يعنيه من مصادرة مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية، وإضفاء الشرعية على البؤر الاستيطانية، وربطها بمستوطنات أخرى، ومحاصَرة الفلسطينيين، سواء في القرى أو البلدات الفلسطينية التي لن تربطها بعضها ببعض سوى الشوارع الالتفافية الاستيطانية، والأنفاق التي خَطّط لها الاحتلال، والتي ستكون تحت سيطرته. ويقول الخبير في الاستيطان، عبد الهادي حنتش، في هذا الإطار، لـ«الأخبار»، إن «إسرائيل قسّمت الضفة إلى عدّة كانتونات»، مضيفاً إن «الشعب الفلسطيني اليوم يعيش في 8 سجون كبيرة منعزلة، يتحكّم الاحتلال بإغلاقها وفتحها من خلال بوّابات أو أنفاق». ويلفت حنتش إلى أن «الضفة باتت مؤلّفة، وفق المشروع الاستراتيجي الإسرائيلي، من 15 جزءاً، 6 منها تمثّل الكتل الاستيطانية الكبيرة، وجزء واحد يمثّل المستوطنات المعزولة، و8 كانتونات فلسطينية معزولة بعضها عن بعض ترتبط بشارع التفافي أو نفق». إزاء ذلك، لا تلوح في الأفق أيّ مؤشّرات تهدئة في الضفة؛ فحالة الغليان في الشارع الفلسطيني وصلت إلى مستويات عالية، فيما السياسات العدوانية الإسرائيلية، سواء من خلال عمليات الإعدام والقتل، أو نصب الحواجز على الطرقات ومداخل المدن وعزلها بعضها عن بعض، أو تكثيف اقتحامات منازل الفلسطينيين، أو انتهاج سياسة العقاب الجماعي ضدّ المناطق التي قد تشهد عمليات مقاومة، لا يُتوقّع إلّا أن تستمرّ وتتعمّق. وعليه، يبدو المشهد أقرب إلى استعادة للحالة التي كانت عليها الضفة في الانتفاضة الثانية.
لا يبدو أن حالة الغليان التي تعيشها الأراضي الفلسطينية المحتلّة منذ أسابيع، ستؤول إلى نهاية قريبة لها، وفق ما يأمله العدو من إجراءاته العقابية التي يفرضها على الضفة الغربية والقدس. إذ إن عمليات إطلاق النار ضدّ جنود الاحتلال ومستوطِنيه لا تفتأ تتكاثر، وتزداد جرأة ودقّة وتنظيماً، موقعةً رابع قتيل في صفوف الجيش الإسرائيلي منذ أوائل الشهر الجاري. وفيما يواجه العدو تلك العمليات بتشديده الحصار على الحاضنة الشعبية للمقاومة، بهدف دفْعها إلى الانقلاب على الأخيرة، يَظهر أن النتائج تأتي على عكْس ما يريد، الأمر الذي تنبئ به حالة العصيان والإضراب الشامل التي شهدتها الأراضي المحتلّة أمس، والتي لا يُستبعد أن تتنامى وتتطوّر، لتُشكّل مع العمليات الفدائية مشهدية متكاملة لانتفاضة ثالثة، تتزايد يوماً بعد يوم المؤشّرات إلى ولادتها
رام الله | لم تستفق المؤسّسة الأمنية الإسرائيلية من صدمة عملية شعفاط التي قُتلت فيها مجنّدة من جيش الاحتلال، ولا تزال سلطات العدو تُسخّر كلّ إمكاناتها العسكرية والاستخبارية والتكنولوجية لملاحقة منفّذها الذي انسحب من المكان بسلام، حتى تلقّت صفعة جديدة بمقتل جندي من لواء «جفعاتي» برصاص مقاومين فلسطينيين، يوم الثلاثاء، قرب نابلس. ولا تقلّ الدلالات التي تحملها عملية «شافي شمرون» أهمّية عن تلك التي انطوت عليها «شعفاط»، بل تُعدّ مؤشّراً إضافياً إلى تطوُّر عمل المقاومين في الضفة، واكتسابهم الجرأة والشجاعة لتنفيذ هجمات فدائية خارج الحيّز الجغرافي الذي يتحصّنون فيه، باتت تُوقع خسائر في صفوف الجنود، وتبثّ الرعب في نفوس المستوطنين. ولعلّ «شافي شمرون» أصابت الهدفَين كلَيهما بـ9 رصاصات وخمس ثوانٍ فقط، حيث استطاع المنفّذان قتْل أحد جنود «جفعاتي»، بإطلاق نار تزامَن مع انطلاق مسيرة كان ينظّمها المستوطنون في المكان، احتفالاً بما يسمّى «عيد العرش» اليهودي، ما تسبّب بحالة فزع في صفوفهم، دفعت قوات العدو إلى الزجّ بالمئات من عناصرها في المنطقة، ليتعرّضوا مرّة أخرى لإطلاق نار. تركت عملية نابلس تأثيراً كبيراً في جيش الاحتلال والمستوطِنين وحتى قادتهم، إذ هاجم رئيس ما يسمّى «مجلس مستوطنات السامرة»، يوسي دجان، المؤسّستَين الأمنية والسياسية لتقاعسهما عن شنّ عدوان واسع في نابلس وجنين، قائلاً: «نسيج حياة مؤيّدي الإرهاب في نابلس يساوي أكثر من دماء مُواطني دولة إسرائيل»، بينما قال رئيس حكومة العدو، يائير لابيد: «يوم العيد تحوَّل إلى يوم حزين ومؤلم، لقد تلقّيتُ بحزن وألم نبأ مقتل الرقيب أول في جفعاتي، عيدو باروخ». وكان لافتاً في العملية، وقبْلها في «شعفاط»، وفق التسجيلات المصوَّرة المتداولة لهما، عدم قيام جنود الاحتلال بإطلاق الرصاص على المنفّذين، وهذا ما جعلهم محطّ انتقاد قاس من قِبَل محلّلين عسكريين وصحافيين وحتى سياسيين، فيما حاول جيش العدو التخفيف من وقْع الحادثة بالقول إنه «منذ عام 2015، وبعد نشْر كاميرات المراقبة في كلّ مكان، ظهرت الكثير من حالات إطلاق النار أو الدهس، والتي كان الجنود في بعضها يختارون عدم الاشتباك مع المنفّذين، والاختباء خلف ساتر. ما حدث في عملية شعفاط وعملية مستوطنة شافي شمرون ليس بالأمر الجديد». ومع ذلك، قرّر الجيش الإسرائيلي فتْح تحقيق في واقعة الإحجام عن إطلاق النار. وبينما أثارت «شافي شمرون»، وقبْلها «شعفاط»، وعمليات أخرى، تساؤلات كثيرة حول حالة الذعر والارتباك التي تصيب الجنود الإسرائيليين في خلالها، فهي أثبتت جرأة المقاومين الفلسطينيين، وقدرتهم على مهاجمة الأهداف العسكرية والحواجز المدجَّجة بالجنود، ومباغتة هؤلاء، وإيقاع الخسائر في صفوفهم، ثمّ الانسحاب بسلام. كذلك، أنبأت الهجمات الأخيرة بأن ثمّة تطوُّراً في الأساليب، وتخطيطاً مسبقاً للعمليات لناحية دراسة الموقع المستهدَف، خصوصاً في تلك التي تُوقع إصابات في صفوف المستوطنين والجنود، ما يشي بأن المقاومين ربّما باتوا يعملون وفق خطط واضحة ومدروسة وبناءً على خبرة كبيرة. ويدلّل على ما تَقدّم، أن استهداف الجنود قرب نابلس كان أثناء نزولهم من الدورية العسكرية لعرقلة حركة المركبات والمواطنين، وأن إطلاق النار عليهم استغرق فترة زمنية قصيرة للغاية. والحال نفسه ينسحب على «شعفاط» التي اختار مُنفّذها التوقيت المناسب، وهو تبديل «شفتات» الجنود على الحاجز، والذي يصاحبه عادةً اكتظاظ وفوضى، الأمر الذي يخبر بأن المنفّذ قام برصد الحركة مسبقاً على الحاجز، وعرف موعد وقوع التبديل. ومن المتوقّع أن تؤدّي عملية «شافي شمرون» إلى مزيد من الاشتعال في الأوضاع الأمنية في الضفة، وتحديداً في شمالها، في الأيام المقبلة، ليس لأنها رفعت عدد قتلى جيش العدو منذ بداية الشهر إلى 4 جنود، فحسب، بل لأنها أيضاً تأتي تتويجاً لعمل مقاوم متصاعد، تُرجم أوّل من أمس بعدّة عمليات استهدفت صباحاً حافلة للمستوطنين قرب بلدة يعبد في محافظة جنين، وكذلك حافلة للمستوطنين بمحاذاة مستوطنة «كدوميم»، وعملية إطلاق نار على مركبة مستوطنين قرب بيتا، إلى جانب العديد من الهجمات في كلّ الضفة، والتي تنوّعت ما بين إطلاق نار ومواجهات بالزجاجات الحارقة والحجارة. ومع فرْض قوات الاحتلال حصاراً مطبقاً على مدينة نابلس، وشنّ المستوطِنين ليل الثلاثاء - الأربعاء هجمات على ممتلكات المواطنين، يستعدّ الفلسطينيون لمزيد من التصعيد، خصوصاً على ضوء تبنّي مجموعات «عرين الأسود» هجوم «شافي شمرون»، واعتبارها إيّاها «ردّاً على العدوان الإسرائيلي في القدس والمسجد الأقصى». ومثّلت عملية «شافي شمرون» باكورة «أيام الغضب»، وهي سلسلة عمليات تعهّدت «العرين» بتنفيذها، متعهّدة بحصار المستوطِنين وملاحقتهم، لتُنفّذ إثر ذلك 4 عمليات إطلاق نار في ساعات قليلة فقط، وتدعو جميع مقاتلي الفصائل إلى الاستنفار، والمواطنين إلى اليقظة والانتباه، خاصة مع اقتراب المعركة، قائلةً: «لكم منّا صدق الوعد، ولكن نقول للمواطنين الكرام احموا ظُهورنا والتزموا بتعليمات العرين، مُخيَّرين غير مُجبَرين»، لافتةً إلى أن «مُقاتليها نفّذوا الثلاثاء فقط 5 عمليات إطلاق نار استهدفت الجنود والمستوطنين». وإذ أكدت سقوط قتلى وجرحى في صفوف العدو، فهي تعهّدت بمزيد من المفاجآت خلال الساعات المقبلة. ومن شأن تلك التطوّرات أن تولّد مزيداً من الضغوط على قادة العدو، وأن تدْفع جيش الاحتلال إلى شنّ عمليات انتقامية وعدوانية ضدّ الفلسطينيين على ضوء الانتقادات المُوجَّهة إليه من المستوطنين واليمين المتطرّف، على خلفيّة عجزه عن القبض على مُنفّذي العمليات، وإيقاف مسلسل الهجمات المتنقّل.
مثّلت عملية «شافي شمرون» باكورة «أيام الغضب»، التي لوّحت بها «عرين الأسود» ويرتئي الخبير العسكري المتقاعد، يوسف الشرقاوي، تسمية ما تشهده الضفة بـ«حالة تحدّي» عامّة، تُشبه إلى حدّ كبير عمليات التحدّي التي شهدها لبنان عقب اجتياح 1982، أو تلك التي سُجّلت في العراق بعد احتلاله. ويبيّن الشرقاوي أن هذه الحالة تستثمر في نجاح المقاومة وانتصارها، وهي تمهّد لتشكُّل المقاومة العامة المنظّمة، التي تحتاج إلى «حاضنة ليست متوفّرة حالياً في الضفة، نظراً إلى واقعها الأمني المركّب والمعقّد، والذي يخضع لسيطرة إسرائيل الأمنية بالكامل، مدعوماً بتنسيقها الأمني مع السلطة». ويلفت الشرقاوي، في تصريح إلى «الأخبار»، إلى أن «هدف وفلسفة التنسيق الأمني بين إسرائيل والسلطة، هو تحطيم الحاضنة الشعبية وانتزاع إرادة الشعب، ولذلك فإن عمليات المقاومين يمكن تسميتها بعمليات التحدّي نظراً إلى الجرأة التي تمتاز بها، والنمط المتقدّم الذي تتّبعه، والشجاعة الفائقة التي يبديها المنفّذون فيها، وما جرى في تل أبيب وأخيراً في شعفاط وشافي شمرون، يَجمع بين صفات الجرأة والشجاعة وكسر النظرية الإسرائيلية القائمة على قوّة النار في إرهاب كلّ من يفكر في مقاومة أو خدش جيش الاحتلال». ويشير إلى أن «الهجمات التي تنفَّذ يقلّد فيها المقاومون بعضهم بعضاً ويزدادون جرأة، وهي باتت تنتشر وتحدث بشكل يومي، بينما يعيش الاحتلال صدمة كبيرة، وهو لم يقدّر الموقف على حقيقته على الأرض، فيما السلطة الفلسطينية ليست معنيّة بأيّ شكل من أشكال المقاومة أو المواجهة».
«شافي شمرون»: مستوطنة المتطرّفين تحتلّ مستوطنة «شافي شمرون» أكثر من 400 دونم من أراضي قُرى دير شرف وسبسطية والناقورة، والتي بدأ نهبها عام 1971، وتفاقَم في عام 2000، لتتمّ مصادرة أكثر من 200 دونم وضمّها لتوسيع المستوطنة، التي كانت قبل إنشائها معسكراً للجيش الأردني، قبل أن يُخليها الأخير، ويتّخذ منها الإسرائيليون بؤرة استيطانية عسكرية. ويقيم في المستوطنة نحو ألف و200 مستوطِن، معظمهم من المتطرّفين المتديّنين، وأعضاء «الكنيست»، ومن حركة «جوشنئيم»، وأغلبهم لا يعملون، فيما شغلهم الأساسي الاعتداء على الفلسطينيين.
شعفاط تعلن العصيان... والضفّة تساندها: حاضنة المقاومة تحمي ظهرها أحمد العبد رام الله | لم تتأخّر ردّة الفعل الفلسطينية على الحصار المطبق الذي يفرضه جيش الاحتلال على مخيم شعفاط وبلدة عناتا قرب القدس المحتلّة، منذ 5 أيام، عقب العملية الفدائية التي استهدفت حاجز شعفاط مساء السبت، وأسفرت عن مقتل مجنّدة من جيش الاحتلال. وقد أعلن أهالي المخيم، مساء الثلاثاء، البدء بالعصيان المدني المفتوح حتى فكّ الحصار عنهم، بما يشمل تعطيل المدارس، ومنْع استعمال السيارات بعد الساعة العاشرة ليلاً إلّا للحالات الطارئة، وإغلاق المحالّ، وتنظيم الوقفات الاحتجاجية، وتعليق العمّال أعمالهم. وقوبل هذا التحرّك بإسناد من مختلف المدن والبلدات والمخيّمات في الضفة، التي أعلنت الإضراب الشامل، الذي تحوّل إلى مواجهات عنيفة مع قوات الاحتلال والمستوطنين، امتدّت من الشمال إلى الجنوب. ويعاني السكّان في مخيّم شعفاط وبلدة عناتا وضاحية السلام، والمقدَّر عددهم بـ 150 ألفاً، منذ السبت الماضي، حصاراً خانقاً يفرضه عليهم جنود العدو الذين يمنعون الدخول والخروج، ويقتحمون الأحياء بشكل متكرّر، وينفّذون مداهمات واسعة للمنازل وسط إطلاق الرصاص الحيّ والمطّاطي والغاز المسيّل للدموع والمياه العادمة. ويُعدّ ما شهدته الأراضي الفلسطينية من حالة عصيان وإضراب شامل أمس، تجربة أولى من حالة نضالية ثورية قد تُعمَّم وتتطوّر مع مرور الوقت، في ظلّ تصعيد الاحتلال سياسة الحصار المشدَّد على المدن والقرى والبلدات، ونصْب الحواجز العسكرية على مداخلها، وتحديداً على المناطق التي تشهد تنفيذ عمليات للمقاومة أو مواجهات، أو يَخرج منها مقاومون، وتحويلها إلى كانتونات معزولة، وفرْض عقاب جماعي على سكّانها في محاولة للضغط على الحاضنة الشعبية للمقاومة. وخيّمت أجواء الانتفاضة الثانية، وعملية «السور الواقي» التي شنّها جيش الاحتلال عام 2002، على الضفة الغربية، وتحديداً مدينتَي القدس، ونابلس التي تتعرّض هي الأخرى لحصار خانق، حيث أغلق جيش العدو مداخلها، وعزلها عن محيطها. كما أغلق مدخل بلدة دير شرف غربي المدينة بالسواتر الترابية، وحاجزَي حوارة وعورتا جنوبيها، وطريق المساكن شرقيها، وشدّد من إجراءاته على حاجز صرّة، وقطَع طريق تل، وطريق عصيرة الشمالية في اتّجاه الناقورة، ونصَب حواجز على مداخل سبسطية شمال غرب المحافظة، وعلى مدخل بيت فوريك شرقاً، وذلك إثر سلسلة عمليات إطلاق نار نفّذتها مجموعات «عرين الأسود» الثلاثاء، وأسفرت إحداها عن مقتل جندي إسرائيلي قرب مستوطنة «شافي شمرون». ويرى الكاتب والمحلّل السياسي، نهاد أبو غوش، في حديث إلى «الأخبار»، ما يجري في الضفة حالياً «انعكاساً لِما كان ينمو ويتطوّر خلال الشهور الماضية من رفض وتحدٍّ للاحتلال»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تشنّ هجوماً شاملاً على الشعب الفلسطيني في غزة والقدس وجنين ونابلس، في محاولة منها لفرض الحلّ النهائي عليه بقوّة الحديد والنار، وإخضاعه للقبول بأن أقصى ما يمكن أن يحصل عليه هو الحُكم الإداري الذاتي». ويشير أبو غوش إلى أن «ما تقوم به إسرائيل من جرائم، مرتبط بسعْيها لتدفيع الشعب الفلسطيني ثمناً باهظاً بسبب رفضه الاحتلال وتمسّكه بالمقاومة، لكن إسرائيل تتناسى أنها تُواجه الشعب الفلسطيني بكامله، وليس فصيلاً أو منظّمة أو هيئة؛ فعلى سبيل المثال، يعيش 150 ألف فلسطيني شمال شرق القدس تحت حصار مشدَّد منذ أيام، ونابلس يبدو أنها مرشّحة لحصار مشابه، وبالتالي لا بدّ أن يؤدي ذلك إلى ردّات فعل من المقاومة، بدأت تنمو وتتّسع، في اتّجاه الانتظام والتبلور، كما نشهد في ظاهرة عرين الأسود التي باتت عصيّة على الشطب والقلع». ويُذكّر بأن «إسرائيل حاولت قمع وإلغاء المقاومة في مخيم جنين، لكنها تَطوّرت وامتدّت إلى بقيّة المناطق مثل كرة اللهب، وهذه المقاومة هي في الحقيقة ثمن ما تقوم به إسرائيل التي تعتقد أن ما تملكه من قوّة هو فرصة لفرض ما تريد من حلول»، مضيفاً إن «إسرائيل أعلنت سياستها في الأراضي الفلسطينية، والتي تتلخّص بـ"العصا والجزرة"، حيث تريد إجبار السلطة الفلسطينية على الاكتفاء بدورها الأمني من دون أيّ دور سياسي، ومعاقبة المناطق الجغرافية التي يخرج منها الفدائيون، وتقديم تسهيلات وامتيازات للمناطق الهادئة أمنياً، ولكن النتيجة أن كلّ المناطق الفلسطينية والمحافظات والمدن والقرى باتت منخرطة في الموجة الانتفاضية الجديدة نفسها». وتأتي هذه الموجهة لتُعاكِس سياسة العدو القائمة على تكثيف البناء الاستيطاني، ونصْب الحواجز العسكرية، وشقّ الشوارع الالتفافية الرابطة بين المستوطنات على حساب أراضي الفلسطينيين، وبناء جدار الفصل العنصري، من أجل تحويل الضفة إلى كانتونات معزولة بعضها عن بعض. ويُعدّ ذلك ترجمة للاستراتيجية الصهيونية المعتمَدة منذ احتلال الضفة عام 1967، والمرتكزة على تفكيك هذه المنطقة جغرافياً واقتصادياً وسكّانياً، في إطار ما يُعرَف بـ«خطّة آلون» الهادفة إلى انتزاع الحدّ الأقصى من الجغرافيا الفلسطينية، مقابل التخلّي عن عبء إدارة المواطنين الفلسطينيين. وبلغ هذا المشروع، أخيراً، مراحل متقدّمة، تجلّت العام الحالي في مصادرة 22 ألف دونم شرقي الضفة، في سياق السياسة الهادفة إلى جعل إقامة دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً وذات سيادة، أمراً مستحيلاً، وتحويل المدن الفلسطينية إلى مناطق تعيش كلّ منها بشكل منفرد، من دون أيّ تواصل سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي إلّا برعاية الاحتلال، في الوقت الذي يواصل فيه الأخير تسمين «دولة المستوطنات»، حيث تشير تقديرات إسرائيلية وفلسطينية إلى وجود نحو 650 ألف مستوطن يهودي في مستوطنات الضفة بما فيها القدس المحتلّة، يسكنون في 164 مستوطَنة، و116 بؤرة استيطانية.
يبدو المشهد أقرب إلى استعادة للحالة التي كانت عليها الضفة في الانتفاضة الثانية كذلك، صادقت اللجنة المنظّمة في «الكنيست»، العام الماضي، على تقديم وعرض مشروع قانون «تسوية المستوطنات الصغيرة»، أي البؤر الاستيطانية العشوائية، للبدء بمسار إقراره، بما يعنيه من مصادرة مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية، وإضفاء الشرعية على البؤر الاستيطانية، وربطها بمستوطنات أخرى، ومحاصَرة الفلسطينيين، سواء في القرى أو البلدات الفلسطينية التي لن تربطها بعضها ببعض سوى الشوارع الالتفافية الاستيطانية، والأنفاق التي خَطّط لها الاحتلال، والتي ستكون تحت سيطرته. ويقول الخبير في الاستيطان، عبد الهادي حنتش، في هذا الإطار، لـ«الأخبار»، إن «إسرائيل قسّمت الضفة إلى عدّة كانتونات»، مضيفاً إن «الشعب الفلسطيني اليوم يعيش في 8 سجون كبيرة منعزلة، يتحكّم الاحتلال بإغلاقها وفتحها من خلال بوّابات أو أنفاق». ويلفت حنتش إلى أن «الضفة باتت مؤلّفة، وفق المشروع الاستراتيجي الإسرائيلي، من 15 جزءاً، 6 منها تمثّل الكتل الاستيطانية الكبيرة، وجزء واحد يمثّل المستوطنات المعزولة، و8 كانتونات فلسطينية معزولة بعضها عن بعض ترتبط بشارع التفافي أو نفق». إزاء ذلك، لا تلوح في الأفق أيّ مؤشّرات تهدئة في الضفة؛ فحالة الغليان في الشارع الفلسطيني وصلت إلى مستويات عالية، فيما السياسات العدوانية الإسرائيلية، سواء من خلال عمليات الإعدام والقتل، أو نصب الحواجز على الطرقات ومداخل المدن وعزلها بعضها عن بعض، أو تكثيف اقتحامات منازل الفلسطينيين، أو انتهاج سياسة العقاب الجماعي ضدّ المناطق التي قد تشهد عمليات مقاومة، لا يُتوقّع إلّا أن تستمرّ وتتعمّق. وعليه، يبدو المشهد أقرب إلى استعادة للحالة التي كانت عليها الضفة في الانتفاضة الثانية.