الخيام نسخة تجريبية · Khiyam v2
أخبار وذاكرة ومجتمع
← الأرشيف

ليث شبيلات... المقاوِم بلا هوادة

2022/12/20 · · المقال رقم 44099
إنه لحدث جلل أن نفقد المناضل المجاهد، المهندس ليث شبيلات، وهو الذي أدّى دوراً سياسياً بارزاً في المعارضة الأردنية، كما في كلّ النشاطات الفكرية والسياسية التي عرفتْها الساحة العربية خلال الأعوام الثلاثين الماضية. لقد عُرِف ليث شبيلات، أوّل ما عُرف، بانتمائه إلى العمل الإسلامي داخل الأردن وخارجه، وكان صوفياً مزج بين التفرّغ للعبادة، والبحث عن الإصلاح وإنقاذ الأمّة. كما كان بحثه عن معيشه ومصالحه الخاصة أقلّ اهتماماته. لقد شغَله الوضعان العربي والإسلامي المتردّيان، وما حلّ بهما من تدهور وسلبيات، الأمر الذي جعله ناقداً للعمل الإسلامي والقومي العربي، ولكن من خلال موقفه على الأرض الإسلامية والعروبية، ومن دون أن تنحرف بوصلته عن مناهضة التبعية للخارج، وما ترتكبه القوى الإمبريالية بحقّ شعوبنا وشعوب العالم. هنا، لم تنحرف بوصلته عن دعم المقاومة في فلسطين في مواجهة الاعتداءات الصهيونية، منذ عدوان 1967، وحروب 1982 و2006 و2008/2009، إلى وقوفه الحادّ مع حرب «سيف القدس» عام 2021. ظَلّ التحرير من النهر الى البحر هدفاً ثابتاً له، ولم تأخذه فيه هوادة، ولا سيما في مقاومة مشاريع التسوية، منذ ما قبل «اتفاق أوسلو» وانتهاءً بـ«صفقة العصر»، وما صَحِبها من تطبيق مُهين من قِبَل عدد من الأنظمة العربية. ثمّة الكثير ممّا يمكن أن يُكتب عن ليث شبيلات في تأسيس ودعم «المؤتمر القومي - الإسلامي»، ودعم «المؤتمر القومي العربي»، والسعي للوحدة للإسلامية، وتوحيد صفوف مختلف تيّارات الأمّة الساعية إلى النهوض والتحرير والخلاص ممّا أصابها من انحطاط على يد قوى الاستعمار، ولا سيما منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى. كان من النمط المناضل المجاهد الذي يقاتل مع الجماعة والجمع على أن ثمّة الكثير ممّا يمكن أن يُكتب عنه أيضاً معارضاً في الأردن، أو عن معاركه الداخلية الفكرية والسياسية داخل الحركة الإسلامية، والحركات الوطنية والقومية واليسارية. فليث لم يكن من نمط المثقّف الذي يساوم زملاءه، أو المجاهد الذي يهادن إخوانه، فأقرب الناس إليه كان عُرضة للنقد. فيكفي أن يلتقط خطأً حتى يَجْبه به صاحبه، وذلك من دون أن يضيّع للودّ قضية إنْ أمكن، ولكن بشرط أن يبقى نقده صارماً كلّ الصرامة. ولهذا، كان مستعدّاً دائماً لأن يواجه ما يشبه العزلة مع مَن حوله، ولكن ليعودوا، ويعود، إلى الالتقاء على نقاط تَجمع بينهم في اللحظة الضرورية، ولا سيما في معارك الأمّة ومواجهتها مع العدو الصهيوني أو مع الخارج الإمبريالي، أو مع المفرّطين والمتخاذلين. ليث شبيلات كان من النمط المناضل المجاهد الذي يقاتل مع الجماعة والجمع، ولكنه مستعدّ لأن يقاتل داخل الجماعة والجمع وحيداً إذا ما رأى خطأً أو خللاً. ولهذا، تجده كثيراً ما تعذّب مع مَن هو معهم، وكثيراً ما تعاون وإيّاهم جنديّاً في المعركة. فرحمة الله عليه، وأسْكنه فسيح جنانه، وأبْقى ذكراه بيننا حيّةَ وملهِمة وقدوة حسنة. * منير شفيق (كاتب وسياسي فلسطيني)

ليس كباقي الليوث الشيخ ماهر حمود
غادرَنا فجأة المجاهد المؤمن الفذّ المهندس، ليث شبيلات، بعدما كان قد أتحفَنا منذ أيام بشريط تحدّث فيه عن يوم مولده الذي تزامن مع ذكرى اغتيال وصفي التل (اغتيل في 28 تشرين الثاني 1971)، أي بعد «أيلول الأسود» بعام وشهرَين. وإنْ كان دفاعه عن التل لم يَرُقنا، ولكن يشفع للراحل الكبير أنه يعرفه معرفة شخصية، فيما نحن نعرفه من خلال الإعلام، ومن خلال أخصامه... والله أعلم. ليث شبيلات نسيج يختلف عن أقرانه. لقد أثرى الدعوة الإسلامية بنموذج مميّز، حيث استفاد من تجربته السابقة قبل التحوّل إلى الإسلام الدعوي والسياسي، واستفاد من انتمائه إلى عائلة مرموقة، إذ إن والده كان دبلوماسياً فذّاً مقرّباً من الملك حسين رحمه الله، فضلاً عن عشيرته المهمّة. ولا يمكن أن ننسى موقفه المميّز عندما انتقد بشكل لاذع بكاء «الملك والملكة» على إسحاق رابين، واستحقّ لذلك السجن مرّة أخرى، كما سُجن يوسف عليه السلام وكبار علمائنا في التاريخ. وفي خضمّ المعركة المعنوية مع التطبيع، لم ينسَ أن يَذكر الملك حسين بخير، إذ ذهب الأخير إلى السجن بنفسه، وتابع أوراق الإفراج عنه، وأوصلَه إلى بيته وهو يقود السيارة، وزار أمّه خلال وجوده في السجن، وكأنه بذلك ينطق بقوله تعالى: «ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألّا تعدلوا...». من دون أدنى شكّ، يحتاج الإسلاميون إلى مِثله في كلّ ساحة، حيث يستطيع بشخصيّته المميّزة وثقافته وتجربته الغنية أن يقدّم شيئاً جديداً، وأن يُحدث صدمة إيجابية في المياه الراكدة للدعوة الإسلامية، ويزيل بعض الصدأ عن بعض العقول التي جمدت عند مرحلة ما من التاريخ القديم أو الحديث. فلقد كانت معارضته لـ«اتفاق وادي عربة» مميّزة، حيث صمت الإسلاميون، ومرّ الاتفاق «بهيبة الملك» كما كان يقول دائماً، وسكوت الإسلاميين. ترحل يا أبا فرحان وأنت تقول: أكاد لا أستطيع أن أقنع أحفادي بأفكاري، فالأيام تتبدّل وتتغيّر. أقول لك، في عليائك، إن شاء الله نَمْ مطمئناً، الجيل القادم سيكون أوعى من السابقين، ودليلنا الساطع ما يحصل في نابلس وجنين، وما يعنيه هذا التشكيل الجديد المسمّى «عرين الأسود». أنت ليث وهم أسود، لا يختلفون عنك إلّا بالآلة، فموقفك ولسانك وتجربتك تدلّ على بأسك وحنكتك، وهم يحملون السلاح ويبتكرون أساليب متجدّدة للمقاومة. وليس بعيداً عن ذلك، يوم أرسل لسماحة السيد حسن نصر الله رسالة يعاتبه فيها على الانخراط في الحرب على الإرهاب في سوريا، وكان منطقياً جدّاً - وفق ما تَوافر له من معلومات - في ذلك الموقف، ثمّ ما لبث أن تراجَع وقد اتّضحت الأمور للقاصي والداني على حدّ سواء. بكلّ بساطة، «امتدح بشكل أو بآخر النظام الملكي الأردني»، ولمّا وُجّهت إليه سهام النقد، قال: هل جمهورياتكم المزعومة إلّا ممالك؟ هل هنالك رئيس سابق؟ لا يوجد إلّا رئيس راحل، كالملوك تماماً، تختلف الأسماء وتسقط. كان هذا طبعاً قبل الخريف الأميركي المسمّى «الربيع العربي». لن تخلو الساحة من أمثالك بإذن الله، ليثاً ضروساً حيث ينبغي، وفَرس رهان عندما يقتضي الأمر، ونسراً أو صقراً يراقب بعين ثاقبة وترقّب وصبر يعزّ على غيره. معارض لطغيان الملوك والرؤساء والحكومات، ثمّ معارض للمعارضة الضعيفة والمتردّدة والمتناقضة مع نفسها، ثم معارض للشعب المستسلِم للطغيان وسطوة الملوك والحكّام، وكان مميّزاً في ذلك. رحمك الله رحمة واسعة ورزقنا الله بأمثالك حتى تستقيم الأمور.
* الشيخ ماهر حمود (رئيس «الاتحاد العالمي لعلماء المقاومة»)

صِدام تجربتَين أمضى ليث شبيلات، المعارض الأردني الأكثر جرأة، حياته متنقّلاً بين سجون بلاده، قبل أن يدفعه اليأس من المعارضة الأردنية بكلّ أطيافها، وربّما من المواطنين أيضاً، إلى المغادرة إلى إسطنبول حيث توفّي مساء أول من أمس عن 80 عاماً، إثر نوبة قلبية. وحين استقرّ في المدينة التركية في العامَين الماضيَين، اختار أن يخاطب الناس مباشرة عبر فيديوات مسجَّلة يضمّنها مواقفه. لم تكن سنوات كفاح شبيلات الطويلة في الأردن سهلة، وخصوصاً بعد توقيع «معاهدة وادي عربة» مع العدو الإسرائيلي، والتي عارضها الرجل بشدّة. لكنه خلال عهد الملك السابق، حسين، استطاع أن يَفصل بين الكفاح وبين علاقة القرابة التي جمعتْه بالملك السابق، الذي كان أحياناً يسجنه، ثمّ بعد مدّة يُخرجه بعفو ملكي ويذهب لاصطحابه بسيّارته من السجن إلى المنزل، من دون أن تَترك لفتات الملك التي كان ليث يحرص على تقديرها من باب العلاقات الإنسانية، أيّ أثر على مسيرته تلك. ومع ذلك، انقطع هذا الخيط في أيام الملك عبد الله الثاني، حيث صار الرجل يتعرّض للمضايقة أكثر، ووُجّهت إليه اتّهامات عديدة، لكنه تحدّاها وعاد إلى الأردن في وقت سابق من العام الحالي، ثمّ غادر مرة أخرى، وقيل إن السلطات تغاضت عن خروجه. وفي آخر فيديواته، اعتبر أن الملك عبد الله الذي يتحدّث عن الإصلاح، في ظلّ الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي يواجهها الأردن، عليه إصلاح نفسه أولاً. لعلّ تناقُض التجربتَين القومية والإسلامية، وتعثُّر كلّ منهما، كان من أسباب مغادرته إلى إسطنبول قبل نحو عامَين، بحثاً عن منصّة جديدة للكفاح، حيث كان يصدر فيديوات مسجَّلة يعلّق فيها على الأوضاع في بلده. وعَبرها، شنّ نقيب المهندسين السابق والعضو السابق في مجلس النواب، هجوماً لاذعاً على «الإخوان المسلمين»، وَصفهم فيه بأنهم مجرمون وانتهازيون، وحافظوا على التنظيم لكن من دون أن يحافظوا على الدين الذي يتمسّحون به، فردّ الأخيرون بحملة شرسة وانتقادات قاسية عليه عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ومن بين ما يُسجَّل للراحل أنه ظَلّ حتى وفاته يتّخذ موقفاً متمايزاً عن التيار «الإخواني» من الحرب السورية، حافظ فيه على الإشادة بأدوار دمشق في دعم المقاومة، وإنْ كان قد طالب بإصلاحات بوتيرة أسرع، من تلك التي قال إن الرئيس بشار الأسد حدّثه عنها قبيل بداية الأحداث، حيث كان قد وجّه رسالة إلى الأخير بعد اللقاء يقول فيها إنه لم يقتنع بوتيرة الإصلاحات، ناصحاً بالإسراع فيها. وعلى رغم انتقاده موقف «المؤتمر القومي العربي» لتأييده دمشق بلا ضوابط، إلّا أنه قال في مقابلة مع «الأخبار» في الخامس من حزيران 2018، إن «لديّ ملاحظات كثيرة لن تعجب النظام السوري، ولكنّ هناك أموراً أدافع بها عن الدولة السورية. في الوقت ذاته، هناك مواقف لي لا تعجب المعارضة السورية أبداً. أنا مع الدولة السورية وضدّ انهيارها وضياع أراضيها وتقسيمها، وهذا، إنْ أعجب أصحاب المواقف الهوجاء أو لم يعجبْهم، لا يكون إلّا بوجود الرئيس الأسد».